«أم بي سي» بين فتنتين
قبل أكثر من عام، احتفل فضاؤنا بالمتسابقة المحجبة والمبدعة نداء شرارة في برنامج «ذا فويس»، كتحد لثقافة التطرف والفكر الرجعي، الذي يُعرقل الانفتاح الإعلامي وتقود مسيرته هذه البرامج تحديدا، حينها كتبنا في زاويتنا هذه أن التصدي الحقيقي للفكر الأسود ليس بالتناقض، الذي فضحه فوز نداء، إنما بفوز المتسابقة الثانية «كريستين سعيد» من الطائفة المسيحية الكريمة. وهو ما استجاب له – مشكورا- الوعي الوطني والعربي والإعلامي في برنامج «آراب أيدول»، حيث توج متسـابقا فلسـطينيا يحـمل إرث السـماء من بـيت لحـم مـهد المسـيحية.
اعتمدت «أم بي سي» في برامج المسابقات الفنية، على سياسة أشد خطورة وفتنة، بطمس الهوية الوطنية والثقافية حين منعت رفع الأعلام، أو الهتافات والشعارات الوطنية، بحجة الالتحام في وحدة فنية واحدة بعيدا عن العنصريات أو القبليات المنبوذة.
وقد اعتذر طاقمها حين اخترق الجمهور سياستها بعد فوز عساف، ما يثبت سياستها التي تلغي الاختلاف ولا تدمجه، بالالتفاف على النزعة القومية، وتنحيتها، ما يكرس للفتنة لا للوحدة، فالتقاطع الفني لا يمكن أن يتم بدون انسجام صريح بين المكونات الثقافية المتعددة، التي تعكس روح البيئة وهويتها التاريخية، دون أن تسلخه عنها، علما بأن القناة استجابت لنا ـ مشكورة – لما غيرت سياستها في حلقاتها الأخيرة من «آراب أيدول»، ولو أنها لو عادت إلى توثيقات «الجزيرة» عن معهد إدوارد سعيد للموسيقى، والذي تخرج منه يعقوب شاهين، لعرفت قيمة الانحياز الوطني في الفن، فسعيد أسس معهده ذاك أصلا للتصدي لتهويد فلسطين وللهجمة الصهيونية، التي تستهدف كافة مظاهر الحياة، وإفراغها من محتواها العربي والوطني، بالتالي خلق جيل مبدع يصون الهوية الثقافية والفنية ويطور موسيقاه ليصل بها إلى الدنيا بأسرها، وما فوز يعقوب سوى نصر مؤزر لهذا الهدف النضالي النبيل.
مسيحي مستورد للتعايش فقط!
في حين تلا أحمد فهمي بيان «آراب أيدول» الأخير قبل إعلان النتيجة، موضحا هدف البرنامج بالانتصار للفن وإعلاء صوته على صوت الضجيج والحروب والقنابل، مشيدا بصمود أمير دندن ونضاله كرمز شبابي في وجه الأعداء والأشقاء الغادرين، جاء تعليقه على يعقوب صادما حين قال له: أنت تمثل رمز التعايش والتسامح في عالم مليء بالتناقضات والتفرقة؟ وأكد هذا مدير البرامج في المؤتمر الصحافي، فما المقصود تحديدا بالتعايش؟ أية إدانة للذات؟ أية تفرقة أية فتنة؟ فإن لم يكن الأمر كذلك فكيف تفسره؟
إنكم تشوهون الوعي وتعومون المعنى بغمز ولمز طائفي يسيء لرمزية النصر في الوجدان الوطني، كأن شاهين مسيحي مستورد، وليس ابنا من أبناء السماء في فلسطين!
لو أن القناة استعانت بعبارة وائل كفوري، وسام الشرف لـ «آراب أيدول»: «هؤلاء هم أطفال الحجارة»، لعبرت بما يليق عن هذا الحضور الفلسطيني البطل، الذي قدرته صحيفة «الغارديان» خير تقدير حين عرضت صورة يعقوب رافعا إشارة النصر، ما يترجم فعليا وإبداعيا رسالة المناضل الفلسطيني المثقف: إدوارد سعيد. وأمهات فلسطين اللواتي يخرجن من معاهد الحجارة فنانين ومبدعين وليس داعشيين أو إرهابيين أو متعايشين «نص كُم».
لم يخل الأمر من أصداء فيسبوكية سامة يستجيبون بسهولة للفتن والدسائس، التي يحاول هؤلاء إشعالها بين عساف وشاهين ودندن، الذين ضمهم العلم لينتصر المشهد البطولي بصيغته المرادفة لثلاثة مبدعين هم أحفاد الفرسان الثلاثة: عطا الزير ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي، ونادي عليهم يا وطن نادي!
لقد تمت التجارة بالصوت الفلسطيني، وهي تجارة محمودة على كل حال، ما دام الفلسطيني يستطيع استثمارها بما يليق برسالة المقاومة والكبرياء!
وصية الطريد
لطالما أثبت الفلسطينيون أن الشهادة، كما الأسر كما الشعر كما الفن، إبداع إنساني راق ورفعة أخلاقية ووطنية مقدسة، حين برعوا بفن المطاردة منذ ما قبل جدي «عز الدين القسام» طريد أحراش يعبد «ريف جنين»، وقد استلهم الشهيد الطريد «باسل الأعرج» الكثير من هذا الفن بفلسفته كباحث وكمناضل، حين سار على نهجه ونهج الشهيد الأسطورة بطل مخيم بلاطة «أحمد سناقرة»، الذي وصفه الإعلام الاسرائيلي بطريد السبعة أرواح… بعد أن رفض كل عروض التسفير إلى الخارج وحفر مقبرته في المخيم ليجاور بيت أمه، موصيا إياها بتدثيره بعد استشهاده وتغطية قبره «بحرامه» الذي حرم منه لسنوات من الصقيع والبرد القارص … وآه من أوجاع الشهداء التي تهز عرش السماء ولا تهز لضمائركم قصبة، يا ويحكم!
خذ الحكمة من قناة «مكملين»، التي عرض فيها محمد ناصر لانتصار المقاومة على صعيدين لافتين، الأول، هو الوعي الذي يتحدى به الأعرج استكبار النخب الثقافية على ثقافة المقاومة، والثاني هو الحراك النضالي على الأرض، والذي يجب أن يدعمه ويقوده الفكر الواعي، في حين وجه الأب مانويل مسلم رسالة متلفزة للشعب الفلسطيني، يتحسر فيها من انحطاط الحال الفلسطينية إلى الدرجة التي يصبح بها التنسيق الأمني مع المحتل، والخوف من حماس على فتح أو من فتح على حماس أو من الاثنين على فلسطين، عارا ما بعده عار، داعيا الشعب إلى الثورة والانتصار للشهداء وكرامة التضحيات متسائلا: أين كان الشعب الفلسطيني حين سقط الأعرج واختطف جثمانه؟ فهل من مجيب؟!
أحد أصدقاء الباسل على قناة «فلسطين اليوم» رفع حذاء الأعرج، الذي نجا من المذبحة وقد ارتقى صاحبه شهيدا ليتركه أمانة في عنق المعركة، قائلا: حذاء الأعرج، ألا عاش هذا الحذاء»!
بندقية العالول وفرقعة جبريل
كأنك تسمع هدير رصاصات الثورة الفلسطينية بعد أن ارتعد الفيسبوك من صورة على صفحة فتح، للفدائي محمود العالول يهدي فيها بندقية غنمها من أحد المعارك للشهيد أبي عمار، قبل أن يتناهى إلى مسامعك فرقعات وطخطخات فشنغ لأحمد جبريل، ليعيد إلى الذهن سؤال جمال الريان بنسخة حديثة: «لصالح من سيقاتل جبريل» في الأردن؟ لصالح فلسطين؟
يا بَيْ ما أبشع الطريق إلى الجنة، تمر عبر جهنم لتخرج منها محترقة تماما كقرن فلفل شائط، فإن لم يبق لنا ما نقاتل به بعد بندقية الثورة سوى شوارب يعقوب وحذاء الأعرج وكوفية عساف وغمازتي دندن لفعلنا، لأن الفلسطيني هو ذئب المقاومة ولا يحتاج لكلاب أثر تقوده إلى ثكنة الشرف ومخادع الرجال في زمن المجد فيه للولايا و«وغول» ميريام كلينك، حين يغدو القلم آخر الرجال! ولن أكتفي.
كاتبة فلسطينية تقيم في لندن
لينا أبو بكر