صديقي جورج… شخصية تركت أثرا في حياتي

حجم الخط
3

جورج جار وصديق منذ أكثر من 34 عاما.. يشارف الآن السبعين من عمره ،ولكن عندما تنظر إلى وجهه ترى فيه طفلا في ثياب رجل. يتحدث في أي موضوع كالأطفال بحماس منقطع النظير، محب للضحك بسيط ويصدق أي شيء يقال له.
وجورج ضخم الجثة أصلع الرأس، يفوقني طولا وأنا ممن يعتبرون من طوال القامة، إذ يتجاوز طوله المتر و85 سنتمترا، ممتلئ الجسم مع كرش، لكن ليس على نحو مفرط.. أحمر اللون على الدوام، مذ كان في ثلاثينيات العمر، ويرجع ذُلك كما يقول مقهقها، وهو يقهقه على أي وكل شيء، إذ يجدني خفيف الظل لا أدري كيف، إلى أكواب الجعة التي يحتسيها على الدوام يوميا.
جورج من أم إيرلندية ذات شخصية قوية التقيتها مرات عدة، متعصبة لإيرلنديتها ووالده إنكليزي، وهو الزوج الثاني لوالدته. ووالدته ووالده بالطبع كاثوليكيان. وهو متزوج من ميري وهي أيضا إيرلندية جنوبية متعصبة لإيرلنديتها أيضا، تحمل الجنسية الأمريكية، ولم تحاول الحصول على الجنسية البريطانية، ولا تزال تحتفظ بلهجتها الإيرلندية.. ميري تفوق جورج سنا بعامين أو ثلاثة أعوام. ولهما من الأولاد طفلان، لم يكلفا نفسيهما عناء البحث عن اسمين جديدين لهما فأطلقا على البنت اسم ماريا وهي الكبرى وعلى الولد اسم جورجي..
وأطلق عليه لقب «جورج الكبير» على اسم شخصية طيبة جدا في أفلام روبين هود. وهو يحمل في داخله قلب طفل بريء.. طيب القلب، كريم النفس إلى أبعد الحدود وهو في ذلك على عكس جاري ديك الإنكليزي، الذي كان صديقا صدوقا لقطنا «المرحوم تشونغ»، فباب بيت جورج مفتوح دوما لا يصده في وجه أحد، بل يصر على دعوتك إلى منزله ويسألك حتى قبل أن تجلس عن مشروبك (شاي أو قهوة) حتى لا تذهبوا بأفكاركم بعيدا.. يحب الناس ولا يتوانى في تقديم أي خدمة تطلب منه إن كان قادرًا عليها، وعلى وجه الخصوص طلباتي.
يحبني وهو لهذا السبب عندما اعتقلت في موجة الاعتقالات التي شهدتها بريطانيا، قبل وخلال حرب تحرير الكويت من الغزو الصدامي، في يناير، كان وزوجته ميري سندا قويا لأسرتي خلال تلك المِحنة التي استمرت من 19 يناير وحتى الحادي عشر فبراير 1991.
لم يكن جورج وميري الوحيدين اللذين وقفا إلى جانبي وأسرتي في تلك المِحنة، بل تعاطف مع قضيتي اكثر من 65٪ من المدينة التي أعيش فيها، وفق استطلاع للرأي أجرته صحيفة محلية تبنت قضيتي واختارتني في نهاية العام من شخصيات ذاك العام في المدينة. وجاء التعاطف أيضا والاستعداد لتقديم المساعدات من خارج مدينتي، ولكن جورج وميري ظلا الأكثر إخلاصا والأكثر مواظبة على تقديم كل العون (ولا أعني المادي) الذي كانت تحتاج إليه أسرتي منذ لحظة اعتقالي وحتى يوم خروجي من المعتقل. وفي ذاك اليوم المشهود فاجأني وزوجتي بحفل ضم لفيفا من الجيران لحظة وصولي من المعتقل للاحتفال بهذه المناسبة، واستمر هذا الدعم المعنوي حتى بعد الإفراج.
وكان جورج أول من زارني غداة يوم اعتقالي في قسم الشرطة في مدينتي، وقبل نقلي الى السجن الكبير في لندن. وهذا ليس بموقف بسيط بالنسبة لبريطاني، بل كبير جدا، خاصة أن التهمة التي كانت موجهة لي تتعلق بالإرهاب.. وحسب كتاب الاعتقال الذي حمله إليّ اثنان من جهاز المخابرات الداخلية «ام آي 5» وشرطي، وقرأه على مسامعي رجل الشرطة، كانت التهمة الموجهة لي هي عضوية خلايا إرهابية نائمة يديرها نظام صدام حسين، تخطط للقيام بعمليات إرهابية في بريطانيا، بسبب قرارها دخول الحرب الى جانب الولايات المتحدة ضد العراق، وإنني أشكل خطرا على الأمن القومي لبريطانيا..
طبعا هذا الاتهام لا يمت إلى الحقيقة بصلة لا من قريب ولا من بعيد، وكانت أجهزتهم الأمنية تعرف ذلك جيدا إن كانت تراقبني، خاصة أنني كنت من المناهضين لنظام صدام وغيره من الأنظمة الشمولية العربية الأخرى. وكنت أعمل مع مجموعة من العراقيين المناهضين لنظامه. ولكن حملة الاعتقالات التي شنتها أجهزة الأمن البريطانية وشملت المئات من العرب والكثير منهم أبرياء، وكانت لبعضهم من أمثالي نشاطات سياسية وطلابية سابقة، كانت ترمي إلى أبعد من ذلك.. كانت ترمي إلى ضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد: أولا خلق جو من الرعب في أوساط الشعب البريطاني، والإيحاء بأن هناك موجة وشيكة من الأعمال الإرهابية يخطط لها عملاء صدام.. وفي إجواء الرعب هذه تصمت الأصوات المعارضة لقرار الحكومة المشاركة في الحرب، وتبرر أمام العامة قرار المشاركة. والعصفور الثاني هو إيهام عامة الناس بأن الأجهزة الأمنية هي العين ساهرة على أمنهم وسلامتهم، وها هي تزج بالسجون تلك الخلايا الإرهابية النائمة التي يمكن أن تقلق أمن البلد. وطبعا هذا عار من الصحة، والدليل أنه أطلق سراحي وغيري من دون توجيه أي تهم أو محاكمة أو حتى إجراء أي تحقيق.. والعصفور الثالث هي أن حملة الاعتقالات تلك كانت بمثابة إجراء احتياطي ورادع لمن يمكن أن تسول له نفسه الإقدام على مثل هذا العمل من الجاليات العربية ونجحت في ترهيب الناس.
ولم يكتف جورج وميري بتقديم المساعدات المعنوية لإسرتي فحسب، بل كانا يحشدان الناس ويجمعان التواقيع على عريضة تؤكد براءتي من كل التهم، وتؤكد أنني رب أسرة يعيش حياة هادئة بعيدا عن المشاكل.. أي مشاكل.. وأن رجلا مثلي لا يمكن أن يشكل خطرا على أمن هذا البلد. ومن الناس الذين نجحوا في إقناعهم الكثير، منهم مدير مدرسة أولادي وقسسة ورهبان وأعضاء في المجلس البلدي وناشطون من الأحزاب البريطانية. وجورج هو من بادر إلى مقابلة نائب المنطقة المحافظ لمطالبته بالتدخل.
ليس هذا فحسب بل حضر وزوجته الى السجن في لندن وتكبدا متاعب السفر وتكاليفه، للدفاع عني أمام لجنة تسمى بلجنة الحكماء مكونة من موظفين سابقين كبار في وزارة الداخلية، شكلت للاستماع لي ومعتقلين فلسطينيين آخرين وليس جميع المعتقلين وجلهم من العراقيين.
وأثناء رحلته وزوجته إلى لندن في ذاك اليوم، «أمطرت السماء ضفادع»، كما يقول المثل الإنكليزي تعبيرا عن غزارة الأمطار، مما تسبب في فيضانات حول منطقة السجن في شمال شرق لندن. وشاءت الصدف في ذاك اليوم أن دخلت حمامة إلى زنزانتي من نافذتها الصغيرة العالية. فأبلغت جورج عندما قابلته وكان قبل خروجي المفاجئ بيوم واحد، مازحا بأمر الحمامة، وكيف أن سلطات السجن قدمت لنا عشاء فاخرا في اليوم نفسه ، مقارنة بما كانت تقدمه في الأيام السابقة. فربط بين الفيضانات والحمامة وما سماه بالعشاء الأخير، نسبة للعشاء الأخير الذي تناوله السيد المسيح مع تلاميذه، قبل أن يتم اعتقاله ومحاكمته وصلــــبه طبــــقًا للعهد الجديد. وراح جورج يردد أمام كل من يلتقيـــهم حتى الرهبان والقسسة، أن عليا هو أشبه بالنبي نوح. وزادت ثقته بي، ويستشيرني بكل صغيرة وكبيرة.
لا أدري لماذا تذكرت جورج، ربما لأنني شاهدته أول من أمس وأنا في طريق عودتي إلى المنزل في آخر النهار، وكان يغسل سيارته وهذه إحدى أهم هواياته المحدودة، فهو مهووس بالنظافة وبحديقة منزله، رغم إنه غير معني بالعناية بها او زراعتها ويترك شأنها لزوجته التي يقول مقهقها «أنا العقل وهي اليد العاملة» وهي فعلا فلاحة قضت طفولتها في ريف إيرلندا الجنوبية المشهود له بجماله. فحديقتها دائماً منسقة وجميلة.
وقفة جورج وميري الى جانبي وأسرتي، وفي مثل تلك الأوقات، كانت وقفــــة لا يقفــــها أخ لأخيه وإليهما سنظل أنا وإسرتي مدانين وممنــونين.. تجعله من الشــخصيات التي لعبت دورا في حياتي.
ويقول المثل «رب أخ لك لم تلده أمك».. وجورج هو الأخ الذي لم تلده أمي، رحمها الله وأسكنها فسيح جناته.. وأطال الله في عمر جورج وميري. لكن جورج ليس ذاك الإنسان الخالي من العيوب وكما يقول المثل «عمر الجمال ما اكتمل».. ومن أسوأ عيوبه الشك حتى في أقرب الناس اليه والوسواس والخوف على ممتلكاته.. وللحديث بقية.

٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

علي الصالح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية