صرخة مونش: أدبنا والحرب

لعلّ ما ينبغي توضيحه في مستهلّ هذا المقال، هو مفهوم أدب الحرب، بل الحرب نفسها. أهو الأدب الذي يتّخذ الحرب موضوعا أو غرضا أم هو الأدب الذي يُكتب زمن الحرب مهما يكن موضوعه حتى لو كان حبّا أو غزلا؟ أي ذاك الأدب الذي لا يتّصل بالحرب مباشرة، وإنّما هو يتمثّل نتائجها وتأثيراتها. قد يكون الأمر هذا وذاك، فالحرب في كلا الحالين هي الفضاء الذي ينشأ فيه هذا الأدب الذي دأبنا على تسميته «أدب الحرب»، والسياق الزمني الذي تجري فيه. وهو من ثمّة أدب يتمثّل حالات وأوضاعا مخصوصة في فضاء وزمن مخصوصين.
أمّا الحرب فلا ندري كيف نحدّها، ولكنّنا أميل ما نكون إلى تعريف كارل فان كلاوزفيتز (1780 ـ 1831) في مصنّفه «في الحرب» وقد حرّرته ونشرته زوجته بعد رحيله، استئناسا بمخطوطة له؛ فالحرب في تقديره ليست أكثر من تواصل السياسة بوسائل أخرى، في سياق التمييز بين الهدف العسكري والغاية السياسيّة. والسياسة هي الرحم الذي تنمو فيه الحرب من حيث هي تسوية بالدم، أو عمل عنيف يسعى بوساطته كلّ طرف إلى إجبار الطرف الآخر على الانصياع لإرادته. أي أنّها شراسة وعدوانيّة هي من طبيعة البشر، وصراع إرادات بين الضعف والقوّة. وباختزال فإنّ العناصر الثلاثة التي تتحكّم في الحرب هي العنف والمصادفة والاحتمالات التي تستمدّ منها الحرب واقعيّتها أو لعبة الحظ. ولكنّ الحرب ليست لعبة أو مقامرة، فثمّة عناصر أو عوامل أخرى تغذّيها وتذكيها مثل الروح المعنويّة أو العوامل النفسيّة والفكريّة؛ وهي وازنة في أيّة حرب؛ إذ ينبغي أن لا ننسى أنّ الجيش يكاد يكون المؤسّسة الوحيدة التي تستوعب الشعب، وتجعله ينخرط في العمل الوطني حيث الجندي هو عادة المواطن البسيط. ولعلّه الذي يضفي على الحرب شكلا من أشكال الوجود الاجتماعي يحافظ عليه الجندي. والمحافظة على الشيء قد تكون أسهل من اكتسابه.
لنقل إذن إذا كانت الحرب تُوظّف سياسيّا فهذا من نافل القول، لكن كيف تُوظّف الحرب أدبيّا أو كيف يحصد الشاعر أو الكاتب أرضا لم يزرعها؟
يعرف كثير منّا أنّ الحرب ألهمت منذ أن خاضها الانسان، الشعراء والمغنّين والكتّاب، بل الجنود الذين كتبوا ونشروا مذكّراتهم ويوميّاتهم وشهاداتهم. وكتابة الحرب اتّخذت ولا تزال أشكالا وأنواعا أو أجناسا متعدّدة مثل الأشعار والرسائل والقصص والروايات والمسرحيّات والصور المتحرّكة التي يدور أكثرها على تمجيد الفداء والبذل والتضحية، وتغْذُوها كلّها عوامل نفسيّة وفكريّة واجتماعيّة شائكة؛ بمنأى عن سؤال الواقع/ الخيال الذي يحكم العلاقة بين التاريخ والأدب. وقد تكون هذه الكتابة المخصوصة أشبه بـ»صرخة مونش» لادفارت مونك أو مونش، بكلّ المؤثّرات التي ألمّت بذاك الرجل الواقف على جسر، ورأسه بين يديه؛ مؤثّرات من خوف ورعب وقلق، في سماء بحمرة الدم الصارخ المتدرّج. وهي اللوحة التي كان لها شأن ولا يزال، منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية. قد يكون الأمر على هذا النحو، فالحرب تنضوي إلى الفطري أو المتوحّش أو العدواني فينا، فيما الأدب وهو رؤية من رؤى العالم، معقود على الوجداني والإدراك. وربّما جرى أدب الحرب بعيدا عن «عقلانيّتها»؛ بالرغم من أنّ هناك حروبا تتعدّى حدود اللامعقول، وتقترب من العصاب وتدفع إلى الجنون؛ وهذا الأدب شكل تخيّلي، أو ذرّة ملح في طعم الحرب «المرار الكفْن» أي الذي لا ملح فيه كما تقول العرب، أو «السماط» و»الباسل» كما يقال في عاميّتنا التونسيّة؛ وهو مأخوذ من العربيّة، إذ الباسل من الطعام هو الذي لا طعم له.
فالأدب والفنّ عامّة هو الفضاء الذي يحضن نتائج الحرب وتأثيراتها في مستوى الفرد والجماعة. على أنّ وظيفة الفنّ أو الشعر خاصّة لا تنحصر في امتصاص تأثيرات الحرب، وإنّما في تحويلها إلى فعاليّة جماليّة واجتماعيّة. وإزاء الدمار لا يستطيع الشعر إلاّ أن يؤسّس؛ أو هو يتدخّل ليقيم الوحدة في مواجهة التفتّت، والتناغمَ في مواجهة التنافر. ولعلّ الشعراء يدركون بالحدْس أو بالوجدان أنّ الحرب ليست وضعا طبيعيّا، وأنّ السلام ليس مجرّد هدنة، كما يقول نيتشه؛ والهدنة ليست سوى فرصة لاقتناص لحظة ملائمة أكثر لمواصلة الحرب. وليست الحرب الدافع الحقيقي للصيرورة التاريخيّة كما يقول هيجل. صحيح أنّ الحرب صراع بين إرادات تتوسّل بشتّى الاختراعات والفنون والعلوم؛ لأنّ ما يميّزها هو المخاطرة والمصادفة والاحتمالات الممكنة. وهي إذ تضع الانسان وجها لوجه أمام حقيقته، فإنّها تستلزم قوّة روحيّة أو معنويّة، إلى جانب القوّة الماديّة وهي ليست وفرة العدد كما يقول كلاوزفيتز؛ إذ الحروب الحديثة تخاض بعدد محدود من الجنود، ولكن بوسائل تكنولوجيّة متطوّرة. ولذلك فإنّ الضحايا هم المدنيّون الذين تتقطّع بهم السبل، ويدفعون ثمنا باهظا في هذه الحروب، على نحو ما نلاحظ اليوم في سوريا والعراق خاصّة.
وفي هذه القوّة الروحيّة، يجد الفنّ والأدب عامّة والشعر خاصّة من حيث هو ردّ فعل آنيّ أو متعجّل أو «ساخن» كما يقال بالفرنسيّة؛ المجال أمامه فسيحا، فيشحذ الذاكرة ويذكي الوجدان، ويغْذُو حسّ المقاومة كلّما كانت الحرب عادلة أو دفاعيّة؛ على نحو ما يتمثّله أدب المقاومة أو الأدب الملتزم على قلق المصطلح. وممّا يعزّز من وجاهة هذا الطرح، أنّ الحرب ليست نشاطا للإرادة موضوعه مادّة غفْلٌ، وإنّما هي نشاط للإرادة موضوعه كائن يحيا ويفعل وينفعل ويردّ الفعل. وفي زمن الحرب، ندرك من النصوص التي تكتب فيها وفي سياقها؛ كيف يكفّ كلّ شيء عن أن يكون معطى موضوعيّا، بما في ذلك العقل الذي يستخدم المعارف المكتسبة في غير زمن الحرب؛ بصورة آليّة أو تكاد. والأفراد والجماعات يتّحدون في زمن الحرب، بعقولهم وحياتهم. وهو اتّحاد يحوّل المعرفة إلى قوّة، والقوّة إلى معرفة. ونراهم أبدا متحفّزين لاستخلاص القرار الضروري أو المناسب، ولأن يبدعوا ويضيفوا إذ الحرب تملي على الناس حاجات وضرورات ليس لهم بها سابق عهد. ويكتشفون من ثمّة إمكاناتهم وطاقاتهم، وينجزون تحوّلاتهم.
إنّ بين الحرب والأدب إذن، أكثر من صلة ومن وشيجة، وكلاهما ينتمي إلى مجال الوجود الاجتماعي، وكلاهما كشف ومعرفة، وتمثّل لمشاعر وأحاسيس مخصوصة يعرفها كلّ من اكتوى بنار الحرب. والحرب نفسها من حيث هي في الشعر خاصّة حركة دائبة وتحوّل أبديّ أو عود على بدء، أشبه بالنار هذا العنصر الذي لا يأسن مثل الماء، ولا يتلاشى مثل الهواء، ولا يسكن مثل التراب. وليس بالمستغرب أن يوقفنا الشعر، والعالم على ما هو عليه من تغيّر؛ على الحرب في صورة «قابلة التاريخ» وهي تستولده وتلقمه ثديها، أو في صورة النار التي تلهب الخيال وتشحذ الوجدان؛ وتلوح أشبه بطقس صوفيّ محفوف بسحر أسطوريّ غريب. بل يوقفنا على رمزيّة الموت الأعمق حيث تحفر الحرب في اللحم البشري صورتها وتدير لغتها؛ فتتكشّف المنزلة الإنسانية بوجهيها: الوجه الإنساني الحيّ الذي ينطوي على الفعل والحب والتخيّل والابتكار، والوجه الذي يشي بغياب الجسد واستلابه، بزمنيّته وعجزه، بتلفه ونهايته المحتومة؛ أو بانفصال الانسان عن انسانيّته. بل يوقفنا على الموت الذي يجدّد الحياة والطبيعة والكون مثلما حدسه قدماء السوريّين والمصريّين والعراقيّين تعبيرا عن ارتباط الفرد بالنوع الانساني؛ وعلى الزمن من حيث هو زمن انساني، حتى ونحن نرى في مشاهد الحرب الفظيعة، أجسادا متفحّمة وجثثا تتفسّخ وتتحلّل، أو اللحم البشري وهو يبيضّ ويسترخي، ويهمل كما لو أنّ الأمر يتعلّق بشجرة اجتثّت أو بدابّة أصيبت. والحرب كانت ولا تزال مصدر المروّع، ولكنّ المروّع يمكن أن يكون مبعث «الرائع» الأدبي حيث الموت كليّة مطلقة وخروج إلى الذات بغية تفتّحها أو تفتّح الوجود، مثلما هو جزئيّة مطلقة أو معاناة فرديّة، تشعر فيها الذات بكلّ معاني وجودها؛ وتدرك أنّها وحيدة موكولة إلى قدرها، مغلقة على نفسها؛ وكأنّ الموت تتويج للحياة وختام لها.
إنّ أدب الحرب على قلق التسمية، ميدان مضلّل، يتمثّل الآني المباشر بقدر ما يرتفع به إلى لحظته المستقبليّة. وهو بعد موصول بطبيعة الحرب نفسها من حيث هي تقوم على الانتظار، وتتأسّس على التوقّع، وعلى الهمّ بما لم يتحقّق بعد، أو بما يمكن تحقيقه. ولعلّ في هذا ما يفسّر في الشعر وهو من أكثر الفنون تصرّفا في الدلالة على أغراض المتكلّم، وترقّب ثبوته فيما يستقبل؛ حنين الفرد إلى استعادة اكتماله الانساني، حتى لينتهي به الأمر إلى أن يمّحي في الغير؛ مثلما يفسّر كيف يشغل الموتى شأنهم شأن الأحياء حيّزا كبيرا من ذاكرة الشاعر ولاوعيه؛ إلى حدّ تصبح فيه القصيدة «احتفالا بالشيء القديم.»
*كاتب تونسي

صرخة مونش: أدبنا والحرب

منصف الوهايبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية