■ القدس- مهد الديانات وبوابة الأرض للسماء ومركز الكون وملتقى الأنبياء وموئل الحضارة وعبق التاريخ ووحي الشعراء ومربط الخيل وبيت عمر وصلاح الدين والظاهر بيبرس وسليمان القانوني وعبد القادر الحسيني ـ وضع العرب والمسلمون فيها من الشهداء ما يساوي أضعاف سكان أستراليا، مكب نفايات التاج البريطانـي، الذي أنشأها لينفي فيها اللصوص والمجرمين وقطاع الطرق، وكان يطلق عليها «معسكر العقوبات»، يأخذون إليها المحكومين بالجرائم ويحولونهم عمال سخرة لفتح الطرق وبناء المنشآت ويظلون رهن الحجز حتى الموت، إلى أن غيرت بريطانيا هذا النظام ومنحتهم شيئا من الاستقلال المنقوص عام 1901.
في هذا الزمان الرديء وفي عصر ملوك الطوائف الثاني تأتي امرأة تدعى جولي بيشوب، «حُــرمة على رأي فحول العربان» تشغل منصب وزيرة خارجية سادس دولة في العالم في المساحة، بينما لا يزيد عدد سكانها عن سكان القاهرة إلا قليلا، فتوجه صفعة حامية على الخد الأيمن لمليار ونصف مليار مسلم و400 مليون عربي، وأمثالهم من محبي السلام والقوى الشريفة في العالم، وتقول لهم القدس الشرقية ليست محتلة. ويقوم بعدها النائب العام جورج براديس ويعلن أمام مجلس الشيوخ أن بلاده ستتوقف عن وصف القدس الشرقية بأنها مدينة محتلة، ثم يتمادى سفير أستراليا في إسرائيل فيجتمع مع وزير الإسكان (المسؤول عن ملف الاستيطان) يوري أرييل لأول مرة في مكتبه بالقدس الشرقية. هكذا تتبرع الوزيرة والنائب العام، بالقدس وما تمثله للعرب والمسلمين، لإسرائيل في جرة قلم – مثل جدهم الأول بلفور الصهيوني الإنكليزي عندما تبرع بكل فلسطين عام 1917 لإنشاء وطن قومي لليهود فيها، ومثلما تبرعت 33 دولة عام 1947، من بينها أستراليا وأروغواي والفلبين وكوستا ريكا ودول أخرى من الأمريكتين وأوروبا الغربية والشرقية، ربما لم تسمع بفلسطين من قبل، بإعطاء 56٪ من فلسطين لـ30٪ من المهاجرين الجدد. العيب ليس في أن تصفعنا هذه «الوزيرة الصغيرة»، بل العيب كل العيب ألاّ يقف في وجهها سد بشري هائل وإمكانيات اقتصادية لا حدود لها، وناشطو العالمين العربي والإسلامي، فيكيلون لها الصاع صاعين ويجبرونها على لحس قرارها، بعد أن تعرف الثمن الغالي الذي سيدفعه بلدها. وإذا لم يفعلوا فستصفعهم، هي أو بديل عنها، الكف القادم على الخد الأيسر، وكما يقول المثل الأمريكي «عار عليك أن تصفعني أولا وعار عليّ إن سمحت لك أن تصفعني ثانيا».
خطورة القرار الأسترالي
في حالة اعتماد هذا القرار سياسة رسمية لأستراليا، تكون أستراليا أول دولة في العالم ترتكب مخالفة صريحة للإجماع الدولي حول القدس الشرقية، فحتى دولة مثل الولايات المتحدة لم تجرؤ كل هذه السنوات على أن تقدم على مثل هذه الخطوة، رغم أن قضية نقل السفارة الأمريكية تتكرر في كافة الحملات الانتخابية منذ أكثر من 22 سنة وبعد انتهاء الانتخابات لا أحد يتحدث في الموضوع.
القرار الأسترالي هذا يعتبر انتهاكا صارخا لسبعة قرارات تتعلق بالقدس، أصدرها مجلس الأمن بالإجماع (وأحيانا بغالبية 14 صوتا وامتناع الولايات المتحدة) التي تدعي أستراليا أنها ملتزمة بالميثاق وقرارات الأمم المتحدة كونها أحد الأعضاء المؤسسين للمنظمة الدولية. فقرار مجلس الأمن 476 (30 حزيران/يونيو 1980) الذي اعتمد بعد إعلان إسرائيل عام 1980 ضم القدس، ينص على أن القرارات الإسرائيلية ليس لها أي قيمة قانونية، وتعتبر انتهاكا صارخا لاتفاقية جنيف الرابعة. كما صدر القرار 478 بتاريخ 20 آب/أغسطس 1980 الذي قرع إسرائيل لعدم التزامها بالقرار 476.
والقرار الأسترالي يعتبر مخالفة صريحة ووقحة للرأي القانوني لمحكمة العدل الدولية، الذي اعتمد بتاريخ 4 تموز/يوليو 2004، والذي ينص على أن الضفة الغربية ليست محتلة فقط، بل إن هذا الاحتلال غير شرعي بما في ذلك القدس الشرقية وأضاف: «إن الدول الأعضاء جميعها مجبرة على عدم الاعتراف بالوضع غير القانوني داخل القدس الشرقية وحولها». والقرار الأسترالي هذا انتهاك فاضح للبند 25 من ميثاق الأمم المتحدة الذي يلزم كافة الدول الأعضاء على التقيد بقرارات مجلس الأمن. والقرار الأسترالي هذا مخالف للسياسة الأسترالية نفسها التي تقوم على دعم القرارت الدولية في مسألة السلام في الشرق الأوسط، وبالتالي تكون حكومة رئيس الوزراء الجديد توني أبوت قد غيرت سياسة ثابتة لم يجرؤ على اتخاذها كافة رؤساء الوزراء السابقين مثل هوارد وفريزر وبيكوك وداونر.
وقد قرع وزيران سابقان للخارجية الأسترالية القرار، بوب كار (2012-2013) وغاريث إيفانز (1988-1996) في مقال مشترك يقولان فيه «إذا اعتبرت حكومة أبوت أن القدس الشرقية ليست محتلة فما الذي يمنعها من أن تعتبر بيت لحم ونابلس ليست مدنا محتلة، وما الذي سيوقفها من اعتبار الضفة الغربية كلها ليست أرضا محتلة»(كانبيرا تايمز- 8 حزيران/يونيو 2014).
ردود الفعل العربية والإسلامية
كنت أتوقع أن تقوم الدنيا ولا تقعد على مثل هذه الخطوة الرعناء، خاصة أنها جاءت من دولة ليس لها ذلك الوزن السياسي الدولي. فهي ليست بحجم الهند ولا بموقع ألمانيا ولا باقتصاد اليابان ولا بقوة روسيا ولا بأهمية البرازيل. دولة معزولة لا تمثل الكثير على الساحة الدولية وتحاول أن تلعب دورا أكبر من حجمها، خاصة في التعلق بذيل الولايات المتحدة وإظهار أنها أكثر ملكية من الملك وأكثر كاثوليكية من البابا.
كنت أعتقد أن السلطة الفلسطينية ستحول الموقف الأسترالي معركة سياسية تحاول أن تكسبها، لتضيف نقطة أو نقطتين إضافيتين بعد إنجاز حكومة التوافق لترقيع شعبيتها المتهاوية، بعد خسارة رهانها على جون كيري وزير الخارجية الأمريكية. اقتصر الأمر على بيان استنكار، ودعوة الملحق الأسترالي لدى السلطة الفلسطينية وطلب منه التوضيح. وكنت أعتقد أن الأردن سيقلب الطاولة على رأس السفير الأسترالي ويطرده من البلاد، وإذا بالموقف يقتصر على حد استدعاء السفير لتقديم احتجاج رسمي. وكنت أعتقد خاطئا أن السيد نبيل العربي، أمين عام جامعة الدول العربية التي لم تعد تجمع الزعماء العرب إلا على كل ما هو شر لشعوب الأمة، أن يعقد جلسة للجامعة على مستوى وزراء الخارجية فلم يحدث. وكنت أعتقد أن منظمة التعاون الإسلامي التي أنشئت بسبب قيام يهودي أسترالي اسمه مايكل دينس روهان (قيل لنا إنه مجنون) بحرق المسجد الأقصى في 21 أغسطس عام 1969، فإذا بها لا تستطيع أن تفعل أكثر من إصدار البيانات. وكنت أعتقد أن رئيس لجنة القدس، الملك محمد السادس، سيدعو أعضاء اللجنة الموقرة لاجتماع طارئ للتشاور حول الرد المناسب على هذه الخطوة الخطيرة، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث. وظننت أن الدول التي تحكم باسم الإسلام لا بد أن تتحرك فلم تحرك ساكنا، وقلت لا بد للأحزاب الإسلامية التي تزيد عن 72 فرقة أن تقلب الدنيا بسبب حساسية موضوع القدس، لكن لم تنج منها حتى فرقة واحدة فسقطت جميعها في الامتحان. لم تتحرك الشعوب ولا النقابات ولا المجتمع المدني. الذي أصدر بيانا يرحب بالقرار الشجاع كما سماه هو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وألحق به جملة تعتبر صفعة هي الأخرى عندما قال: «إن هناك من لا يحسنون قراءة التاريخ ليس القديم فقط، بل والحاضر». ويبدو أن هذا الكلام ينطبق على الزعماء العرب ممانعين (إن بقي منهم أحد) ومعتدلين ومهرولين، فالتاريخ يقول إن من يفرط بجزء من حقه لا يستحق الجزء الآخر، ومن يفرط بكرامته لن يجد أحدا يحترمه «فمن يهن يسهل الهوان عليه»، وهذا هو حال النظام العربي الرسمي – أو ملوك الطوائف.
الرد المناسب
الرد على القرار ليس صعبا فهناك من الوسائل الاقتصادية والتجارية والقانونية والسياحية والنفطية ما يجعل أستراليا تضطر لسحب القرار والاعتذار عنه. لقد ارتعدت فرائص بلد مثل الدنمارك عندما رأت مئات الألوف والملايين الغاضبة على الرسومات المسيئة للرسول العظيم عليه السلام وهي تتدفق في الشوارع، ودماؤها تسيل وتحاصر السفارات وتقاطع البضائع الدنماركية. يومها ركبت الأنظمة موجة الغضب الجماهيري لدرجة أن بلدا يدعي العلمانية ويتعامل مع المظاهرات الشعبية بالحديد والنار لم يجد غضاضة في السماح للمظاهرات الإسلاموية المنضبطة على إيقاع النظام أن تسير نحو سفارتي الدنمارك والنرويج (التي أعادت نشر الرسوم) وتحتلهما وتشعل فيهما النيران. وبما أنني لا أثق أن الأنظمة ستفعل شيئا في هذا المجال، فما الحاجة أن أقدم برنامجا سياسيا واقتصاديا ودبلوماسيا للرد، لا عن عجز بل عن يأس. الأنظمة العربية الآن مشغولة بمراسم التنصيب وحروب داحس والغبراء وانتصارات المتطرفين لتدمير ما تبقى من أوطان بعد الاحتلالات الخارجية وتغول الطائفية وشراسة الأنظمة الديكتاتورية. فهل من المعقول أن نبعدهم عن مشاغلهم تلك للانتباه لقضية القدس والخطوة الأسترالية؟
وأود أن أؤكد في النهاية أن جريمة الأسترالي الأول، مايكل دينس روهان دون عام 1969 قد مرت بدون رد فعل حقيقي، قالت غولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل آنذاك، إنها لم تنم تلك الليلة من الخوف من رد الفعل الإسلامي، وإن مرت خطوة الأسترالية الثانية جولي بيشوب بسلام، فستفتح شهية أكثر من 50 دولة تنتظر على السياج لتسير على نفس الطريق. وقد يأتي بعد مدة قد لا تطول كثيرا أسترالي ثالث يقدم يثرب هدية أخرى لإسرائيل.
٭ أستاذ جامعي وكاتب عربي
مقيم في نيويورك
د. عبد الحميد صيام