صيغ وطنية وقومية شعبية عربية تتآكل للأسف

حجم الخط
0

■ «إذا وقعت واقعة عظيمة لا تضحك ولا تبكي ولكن فكّر» المقولة لإسبينوزا. وليس أدّل وأعظم من تلك الوقائع التي تجري في أكثر من دولة عربية، من حيث الخطر على البنية السياسية لهذه البلدان، والمترجمة في صراعات مذهبية وطائفية وإثنية، التي انتقلت إلى اقتتال داخلي وصولاً إلى الحروب الأهلية داخل هذه الدول.
ذلك يلتقي مع المخططات الأمريكية – الصهيونية- الغربية للوطن العربي وتجزئته وتفتيته. إن أحد أهم وأبرز تداعيات ذلك، اختفاء لوحة الصراع الأساسية في المنطقة ـ الصراع مع العدو الصهيوني ـ إلى زاوية خلفية في المشهد البانورامي الهزلي الجديد. نلقي اللوم في كل هذا المشهد المسرحي على «نظرية المؤامرة «فهي المشجب الذي نعلّق عليه معظم تقصيراتنا.
أدرك تماما أن نقدي سيثير صخبا عليّ، ولكن رغم ذلك سأقوم بالنقد الهادف، البعيد عن النقد الانتهازي لبرنشتين، للحركة الاشتراكية الديمقراطية الألمانية، أو نقد ميليران للتجربة الأخرى الفرنسية. إنه نقد يخضع لفهم فلسفي عقلاني، وفقا لسقراط وأرسطو وفي ما بعد، ديكارت وسبينوزا وغيرهما. إنه نقد المعيار العقلي في الظواهر، المحتوي أيضا على ملامح اعتبارية لمذهب كانط المعتمد على أن بوسع النقدية أن تُفضي إلى معرفة الأشياء التي تتبدى لنا.. فالظواهر تُعرف من تلك الأشياء لا من حقيقتها.. فهي مثالية لكنها كامنة وليست متعالية، وتطورت إلى نظرية نقد العقل العملي ونظرته للقانون الأخلاقي.. وهذا النقد العقلي لا يكون موضوعيا ما لم يكن حرا وصادرا عن إرادة مستقلة، وليس خاضعا لحسابات وعوامل خارجية.
مناسبة القول، انعقاد الدورة السادسة والعشرين للمؤتمر القومي العربي منذ أسبوع في بيروت، أعترف بأنني لم أحضر أعمال المؤتمر، لجهلي بموعد انعقاده قبل وقت طويل مسبقا.. وهذا خطأ تقني في تنظيم الإعداد، فالمفترض أن يتم التحديد قبل وقت طويل نسبيا.. هذا أولا. ثانيا: بسبب سفرة شهر مخططة منذ مدة طويلة، إلى أوكرانيا وبيلاروسيا وروسيا، للإعداد لكتابي الجديد: عما بقي من الاتحاد السوفييتي بعد ربع قرن من الانهيار، وبداية صعود روسيا في عهد بوتين. هذان السببان منعاني من الحضور. لقد راهنتُ على انعقاد المؤتمر بالفعل، في أن يستدرك نفسه قبل فوات الأوان! ولهذا انصبّ بعض مقالاتي على قضايا (منها ما أرسلته للجنة الإشراف على المؤتمر) تناول مشروع النهوض العربي، إضافة إلى مقالات حول أهمية تجديد خطاب وآليات عمل ومضامين اجتماعات الصيغ الشعبية القومية العربية. صيغ من نمط جديد لا يهتم بالشعارات الكبيرة الرنانة، التي أشبعت نهما بلا موضوعيتها التطبيقية، فهي ليست أكثر من كلام عام أدمنّا قراءته في معظم بيانات اجتماعات القوى الشعبية العربية السابقة. تتبعتُ كل أعمال المؤتمر: تقديم هيئته للوضع العربي الراهن.. حضوره الذي جاء هزيلا لامتناع كثيرين عن الحضور، نقاشات الحاضرين ومنها ما هو في غاية الأهمية. ومن حيث النتائج: كان من الممكن إجراء بعض التعديلات على بيانات ووثائق سابقة صادرة منذ زمن.. وإصدارها في لبوس جديدة. وكذلك انتخاباته، وهي في ذات الدائرة المعروفة منذ عقود. ومع الاحترام الكبير لكل الأسماء.. لكن غيرهم أيضا لديه الكفاءة، ولديهم النفس التجديدي الخارج عن إطار الروتين المعهود لدوائر الهيئات الحاكمة.
الحصيلة: أنه ليس النظام الرسمي العربي وحده المغرق في التمسك حتى الموت بمناصب رجالات عهوده، وليس فقط وحده من يعيش هاجس ربط الذات بالمعرفة على حساب الفعل الجماعي. ولأن الصيغ القومية العربية باتت باهتة تكرر ذواتها في كل اجتماع.. كانت الحصيلة فراغا كبيرا! جاءت القوى الأصولية لتملأ الفراغ، فالطبيعة وفقا لقوانينها تكره الفراغ، فلو كانت القوى والأحزاب الوطنية والقومية والديمقراطية اليسارية على مستوى مسؤولياتها، لما تمكنت قوى الردّة العكسية لحركة التاريخ، من تحقيق أي إنجازات مما تحققه حاليا، ولما استطاعت كسب قسم كبير من الجماهير العربية، جزء يمدها بالمال والرجال، إضافة إلى قوى صهيونية – أمريكية – غربية – عربية بالطبع. صاحبة جدول أعمال مخطط مسبقا يدركُ تماما ما الذي يفعله! في عملية تزوير واضحة للوعي الشعبي العربي.
الخلافات وصلت للأسف، إلى القوى الوطنية والتقدمية القطرية بمختلف اتجاهاتها، إضافة إلى القوى ذات الاتجاه الديني (بالطبع خارج إطار الاتجاهات الدينية التكفيرية الأصولية المتطرفة)، وكذلك إلى القوى الديمقراطية والقومية، واليسارية أيضاً. خلاف في الوصول إلى برامج سياسية- اقتصادية- اجتماعية مشتركة لبلدانها، حتى في الدول التي شهدت تغييرات نتيجة الحراكات الشعبية الجماهيرية، لم تستطع هذه القوى الوصول إلى برامج مشتركة، والدخول كقوة واحدة، سواء في الانتخابات الرئاسية أو التشريعية. القوى التي وصلت للحكم، لم تعمل على استقطاب كافة الفئات والقوى الوطنية الأخرى في برنامج وطني مشترك للحكم الجديد. الحصيلة: مزيد من التشرذم في هذه القوى، بالشكل الذي استفادت منه بقايا الأنظمة السابقة. بالطبع إذا كانت القوى والأحزاب داخل كل قطر قد فشلت في الوصول إلى جبهة وطنية عريضة في بلدانها، فكيف يمكن تصور إمكانية تحقيق صيغ جامعة على الصعيد القومي؟ رغم الحاجة الملحة للوصول إلى هذه الصيغ، أيضاً فإن الاختلافات السياسية حول ما يجري من أحداث في هذه الدولة العربية أو تلك، أدّى إلى المزيد من التشرذم بين القوى والأحزاب على الصعيدين القطري والقومي. الانشداد لدى البعض غالبا ما يكون لصالح الطروحات والمصالح التنظيمية، على حساب الموقف السياسي الموحد. بالطبع هناك ظروف موضوعية لذلك، ولكن هناك ظروف ذاتية أيضاً تتعلق بالايديولوجيات والسياسات للقوى المختلفة، وبآليات عملها وأساليبها ولعل من أبرزها، مدى تطبيق ديمقراطية النهج في نشاطاتها، كذلك الانغلاق على الذات، وعدم الحرص على الوصول إلى الجماهير الشعبية وآرائها بما تمثله من باروميتر حُكمي في اتخاذ الموقف السليم من هذه القضية أو الحدث أو ذاك. قلة الحوارات بين هذه القوى وانعدام الإرادة لصيغ العمل المشترك أدتا إلى ما نحن فيه من أوضاع مُحزنة.
بالطبع توجد صيغ على المستوى الفعل الجماهيري العربي وهي: المؤتمر القومي العربي الذي عقد دورته العادية منذ وقت قصير. المؤتمر القومي- الإسلامي. مؤتمر الأحزاب العربية. هذه أيضا لها أسباب وعوامل موضوعية وأخرى ذاتية أعاقت أن تكون مؤثرة بالمعنى الفعلي في الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج، هي أيضاً عرضة للاختلافات السياسية بين تشكيلاتها الأيديولوجية المختلفة المواقف من الأحداث العربية، بما يؤثر على برنامجها، وبما يصدر عنها من بيانات. هذه الصيغ مهمة، خاصة في هذه الظروف الحرجة. إن كافة الصيغ والقوى والأحزاب القطرية والقومية بمختلف اتجاهاتها مطالبة بتجديد أساليب عملها وآلياته وتطويرها، بما يتلاءم والمستجدات السياسية العربية والأخطار المحيقة بالوطن العربي كبلدان وكأمة. مطالبة بتحديث الخطاب السياسي لها وتطوير عملها في الوصول إلى الجماهير العربية، وتطبيق المزيد من أساليب النهج الديمقراطي في مؤتمراتها، والتجديد المستمر للعضوية القيادية فيها، خاصة على صعيدي الشباب وطاقاته والمرأة. المفترض أن الاختلاف لا يُفسد للود قضية، ولا يمنع الوصول إلى برامج وطنية وقومية مشتركة مع الآخرين. ويتوجب ألا ننسى الحقيقة الفلسفية الأكيدة التي قالها ملهم ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى لينين: «إن خطوة عملية واحدة تبقى أهم من دستة برامج!» الجمود قتل الاتحاد السوفييتي وأدى إلى انهياره والدول الاشتراكية. يتوجب إعادة قراءة التاريخ العربي وربطه بالواقع، تجديد الفكر القومي وتحديد ملامح القومية، مراجعة الماضي ووضع اليد على أسباب الإخفاق وتحديد سبل وعوامل النجاح، العمل على الوضوح النظري والدقة في صياغة الشعار، الربط بين الخاص الوطني والعام القومي، في إطار من الانفتاح الإنسانوي التقدمي الديمقراطي. العلاقة التسامحية بين القومــــية والدين، إجراء مراجعة لتجربة الحركة القومـــية العربية، والإجابة عن أسئلة من نمط : هل سقط الفكـــر القومي العربي؟ كما الحرص على تطوير الأصيل في تراثنا مع شبيهه الجديد في المستجـــدات العالميــــة: تقنيا، أيديولوجــــيا وإنسانيا في إطار دقيق من الحرص على الربط الحذر بين عنصري معادلة التراث والحداثة، وتحديد مرتكزات الأمن القومي العربي. أختم بمقولة ماركس الشهـــيرة: التاريخ يكرر نفسه مرتين، في الأولى على شكل مأساة وفي الثانية على شكل مهزلة! تجربة الماضي العربي التليد لن تتكرر بحذافيــــرها إلا في أوهامنا.. لنكررها في إطار ومضمون جديدين، يقول القائد الثوري الأمريكي اللاتيني خوسيه مارتيه: من الغباء افتعال معركة لكن من الجبن والعار أن تهرب من معركة فُرضت عليك. وما أكثر المعارك المفروضة على أمتنا، فهل نكون بمستوى المسؤولية في مجابهتها والبدء الجاد في طرح مشروعنا النهضوي؟

٭ كاتب فلسطيني

د. فايز رشيد

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية