بعد مرور قرابة شهر كامل من حملة الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب الشرسة ضد القضاء الأمريكي، للدفاع عن قراره بحظر هجرة وسفر مواطني سبع دول إسلامية وهي : إيران والعراق وليبيا والصومال والسودان وسوريا واليمن، إلى الولايات المتحدة، وتعليق هذا المرسوم الترامبي مرتين خلال أسبوعين، إذ علق قاضٍ فيدرالي في ولاية سياتل مفاعليه في الثالث من شباط / فبراير الماضي، ثم أبقت محكمة الاستئناف في سان فرانسيسكو الخميس الثامن من الشهر نفسه التعليق على هذا القرار.
نشعر بالأسى والحزن، ونحن نتابع بقلق كبير تطورات الجدل الداخلي في امريكا وحول العالم الذي لا ينتهي حول قرار ترامب، القاضي بمنع هجرة المسلمين من 7 دول إلى الأراضي الأمريكية، وتخصيص 100 الف جندي من الأمن او الحرس الوطني الأمريكي، لملاحقة المهاجرين غير الشرعيين في 11 ولاية أمريكية جنوب وشرق البلاد، أبرزها الحدود مع الجارة المكسيك، التي تضم 42 معبراً حدودياً، التي توصف أنها واحدة من أكبر الحدود بين دولتين في العالم 3145كم، تتخللها جبال وعرة التضاريس ونهرا كولورادو وريوغراندي، وتمتد غرباً من مدينة تيخوانا بولاية باخا كاليفورنيا المكسيكية، ومدينة أمبريال بيتش في ولاية كاليفورنيا الأمريكية إلى ماتاموروس في ولاية توموليباس المكسيكية، مروراً ببراونزفيل في ولاية تكساس الأمريكية شرقا.
بينما الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما أعطى أولئك المهاجرين بطاقات لجوء مؤقت أو هكذا أمر، وأعطاهم الضوء الأخضر لتحسين وضعهم ليكونوا مهاجرين شرعيين عبر التقديم قانونا عبر القضاء ومكتب الهجرة . في المقابل أتى خلفه دونالد ترامب ليقضي على كل تلك التسهيلات للمهاجرين المسلمين، وجب كلما قبله بكل المقاييس، وها هو بخطابه الأخير في الكونغرس يعد بتوسعة او إكمال بناء الجدار العازل في الحدود الأمريكية الجنوبية مع المكسيك.
نعم نقول ذلك والمرارة في حلوقنا كصحافيين عرب، ومهاجرين مسلمين مقيمين في الولايات المتحدة، بح صوتنا وسال مداد أقلامنا ونحن نكتب عن التعايش الديني الكبير في امريكا وعن حرية الصحافة ولم نكن نتوقع يوماً أن يصفها الرئيس دونالد ترامب بالعدوة للشعب الأمريكي، وحرية الأديان واعتناقها، ومعاملة الحكومة الأمريكية في عهد الرئيس باراك أوباما للمسلمين والمهاجرين العرب معاملة جميع المواطنين الأمريكيين الآخرين، دون أي عنصرية، ويحظون بكافة الحقوق الدستورية..
ولدينا دراسة قمنا بإجرائها العام الماضي، حول الموضوع نفسه، تحمل عنوان «نظرة الأمريكيين للإسلام بعد أحداث باريس الإرهابية» في العام 2015 ونظيراتها في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، دراسة ميدانية على عينة عشوائية من طلبة الجامعات الأمريكية، جامعة ريتغرز في ولاية نيوجيرسي، ضمن كتاب لنا «أمريكا التي عرفت» لم يخرج إلى النور بعد، لعدم تفرغ المؤلف لإتمامه ولازال الجزء النظري منه طور الانتهاء من كتابته ايضاً.
وعن انطباعات الجامعيين الأمريكيين حول المسلمين، التي كانت جزءا من نتائج دراستنا الميدانية، وقسمنا تلك الانطباعات في أوراق الاستطلاع او الدراسة التي أجريناها إلى انطباعات ممتازة، جيدة، لا بأس بهم ».
الانطباعات الممتازة حازت على المرتبة الأولى في نتائج الدراسة وبنسبة 84,8 بتكرارات بلغت 28، بينما حازت فئة الانطباعات الجيدة على 15,2، وبتكرارات 5، بينما حازت فئة لا بأس بهم أي بالمسلمين وأنهم يثيرون مخاوف الأمريكيين وقلقهم، على نتائج صفرية، حيث لم يخترها أي طالب من طلبة جامعة ريتغرز عينة الدراسة بتاتاً.
وفي المقابل حازت قضايا جودة الخطاب الرسمي الأمريكي السياسي والإعلامي تجاه المسلمين ومحاربة الاٍرهاب، وفيما كان حسناً أم عكس ذلك؟. نذكرها أو ابرزها في هذه العجالةً من تلك القضايا التي تصدرت تلك الفئات فئة : 1- سبب آخر وهو مشاهدة «قناة فوكس نيوز» الأمريكية وحازت على المرتبة الأولى بتكرارات بلغت 17، ونسبة مئوية قدرها 56.7.
وقد ذكر بعض الذين أستطلعنا آراءهم في دراستنا هذه، بعض أو أبرز الامثلة حول الخطاب الرسمي الأمريكي، حيث قال أحد المشاركين شاهد قناة فوكس نيوز وخذ بعض الأمثلة، دون إبداء المزيد من التوضيح.. بينما أشار آخر إلى أن الخطاب الرسمي الأمريكي غير حسن تجاه المسلمين، وأسهب بالقول إن وسائل الإعلام الأمريكية ترسل رسالة غير دقيقة حول المسلمين، وما تريده الولايات المتحدة منهم.
وفي السياق نفسه فاجأنا في الوقت ذاته قبل وصول الرئيس ترامب إلى المكتب البيضاوي، بعام كامل كتب أحد الباحثين في دراستنا الميدانية السالفة الذكر، عبارة يقول فيها « يجب أن نضع أو نحفظ كل رسالة حالما ترامب يكون في الأخبار، او يلقي خطاباً متلفزاً»، وقال آخر رداً علئ أحد أسئلة دراستي ال 12، وهو عن توقعات الأمريكيين لمستقبل الإسلام في ظل القوانين الأمريكية الحالية؟ « أنتظر مجيء وفوز دونالد ترامب حينئذ سوف تعرف الإجابة على سؤالك».. آلان فقط عرفت فقط أن هذا الطالب دفي جامعة ريتغرز كان محقاً، الذي لا اعرف أسمه ولا عرقه ولا ديانته، لأننا باحثون لم نشترط ذكر الاسم لتسهيل مهمتنا، نعم مستقبل الإسلام سوف يتغير بيد ترامب مثلما ذكر ذاك الطالب، فيما فاجأنا آخر بالقول أن الإسلام لن يكون موجودا في المستقبل في امريكا، لا نعرف ماذا قصد هل الإسلام المتطرف؟ ام بصورة عامة؟ وتلك الأخيرة نظرة عنصرية قاصرة، لكن الشعب الأمريكي الحر لن يسمح باي نوع من العنصرية ضد اي ديانة او عرق، ورفض ولازال يرفض ذلك بكل قوة وحركة الشارع الأمريكي خير الأمثلة على ذلك، والمظاهرات المؤيدة للسماح بهجرة المسلمين إلى الولايات المتحدة لم تتوقف منذ قرابة شهر كامل في بروكلين ومنهاتن وتايمز سكوير في نيويورك وواشنطن وبوسطن ومطارات أمريكية ابرزها جي اف كيندي ومطارات أمريكية أخرى للسبب نفسه.
ومظاهرة « كلنا مسلمون وأنا أيضا مسلم « التي شارك بها عمدة نيويورك السيد «بيل دي بلاسيو» قبل أكثر من اسبوع، لا شك أنها بعثت برسالة قوية للرئيس ترامب أن الشعب الأمريكي يرفض العنصرية. لا نريد كباحثين وصحافيين في الوقت عينه أن نكتب صفحات سوداء عن التعايش بين الأديان في الولايات المتحدة في عهد الرئيس ترامب، وعن التضييق على المهاجرين المسلمين ومنعهم من دخول أمريكا، وفي اعتقادنا إذا تم العمل بقرارات المنع للمهاجرين المسلمين التي أطلقها دونالد ترامب بحق مواطني سبع دول، هي أكبر هدية تقدم لتوسعة دائرة التطرّف والإرهاب، حتى وإن تم استثناء العراق من قائمة السبع دول تلك، الا أن هذا الإجراء لن يغير الكثير من حالة السخط ضد سيـاسات الرئيس ترامب وقراراته المثيرة للجدل، وهي كـذلك اكبر خدمة ذهبية للتنظيمات الإرهابية المتشددة، لحشد وتجنيد أفراد مسلمين غاضبين على الولايات المتحدة. هذا البلد الذي تغنينا طويلا بعدالته وطقوسه وبكل المقاييس ومناخات الحرية، ولا نريد كمسلمين أن نواجه المصير ذاته، الذي واجهه اليهود في حقبة أواخر العشرينيات من القرن الماضي، أي أن نكون ضحايا، كما كان اليـهود ضحـايا الأزمة الاقتصـادية.
صحافي وباحث سياسي يمني يقيم في نيويورك
محمد رشاد عبيد