منهل باريش: ما أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدء الضربة الجوية المحتملة ضد مواقع النظام السوري، فجر أمس السبت، حتى بدأت عملية مشتركة أمريكية فرنسية بريطانية، وقصفت الدول الثلاث أماكن يشتبه في كونها تحتوي سلاحا كيميائياً في قلب العاصمة دمشق وجوارها، إضافة لموقع غربي مدينة حمص في وسط البلاد.
ووصف قائد أركان الجيش الأمريكي الجنرال جوزيف دانفورد العملية بـ «ضربات محكمة» استهدفت ثلاثة أهداف هي:
أولاً- مركز البحوث العلمية في منطقة مساكن برزة، والتي تضم مختبرات بحوث السلاح الكيميائي الأساسية التابعة لوزارة الدفاع السورية.
ثانيا- منشأة تصنيع وتخزين أسلحة كيميائية على ضفة بحيرة قطينة غربي حمص وتعتبر أبرز مختبرات تصنيع غاز السارين لدى النظام السوري. إضافة إلى مستودعات جمرايا في منطقة الهامة غربي العاصمة دمشق والتي تعتبر امتدادا لجبل قاسيون من الجهة الشرقية.
ثالثا- مراكز القيادة والتحكم في اللواء 105 حرس جمهوري، مطار المزة العسكري، مبنى القيادة الإيرانية في مطار دمشق الدولي، مقر قيادة في اللواء 41 مدرع في الفرقة الرابعة.
وشاركت دول التحالف الثلاثي في العملية العسكرية بشكل متباين، فرنسا من جهتها شاركت في الضربة الجوية بطائرات مقاتلة من طراز «ميراج 2000» و«رافال» (دون تحديد عدد الطائرات المشاركة) ومساندة من قوة بحرية مكونة من أربع فرقاطات، واحدة تابعة للدفاع الجوي وثلاث مختلفة الاختصاص والمهام. كذلك تأكد مشاركة سلاح الجو الفرنسي بنظام التحكم والانذار المبكر والمعروف باسم «أواكس».
واشتركت أربع طائرات مقاتلة بريطانية نوع «تورنادو» انطلقت من قاعدتها الجوية «أكروتيري» في قبرص اليونانية وأطلقت القاذفات صواريخ نوع «ستورم شادو» على منشأة قطينة والتي تبعد مسافة 24 كم غرب مدينة حمص.
فيما يبدو حسب المعلومات الأولية أن أمريكا قصفت الأهداف بصواريخ طوافة نوع توماهوك من سفينة حربية متمركزة في البحر الأحمر، وكذلك استخدمت قاذفات بي1. وبلغ عدد الصواريخ الأمريكية أكثر من 120 صاروخا، حسب وزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون. وهو ما صرحت به وزارة الدفاع الأمريكية، رابطة بينه وبين قصفها على مطار الشعيرات في 7 ابريل/ نيسان عام 2017، الذي استهدفته بـ59 صاروخا مجنحا نوع «توماهوك» انطلقت من المدمرات الأمريكية المتمركزة شرق البحر الأبيض المتوسط.
رد الفعل الروسي
لعل أبرز ردود الفعل الروسية السياسية كان التحذير الذي أطلقه السفير الروسي في واشنطن، أناتولي انطونيوف ان «هذه التصرفات ستكون لها عواقب»، وأضاف انه «ليس من المقبول إهانة الرئيس الروسي». وقال في تغريدة له في حسابه على تويتر: «نحن نتعرض للتهديد، وحذرنا من أن مثل هذه التصرفات لن تمر دون تبعات».
وأشارت وزارة الدفاع الروسية إلى أن المضادات الجوية أسقطت عددا من الصواريخ المهاجمة في حمص وفوق مطار دمشق الدولي، وهو ما نفاه البنتاغون في مؤتمر صحافي، بعد ظهر أمس السبت. معتبرا أن «الدفاعات الجوية للنظام أطلقت أربعين صاروخا بعد سقوط آخر صاروخ لنا على الهدف وانتهاء العملية».
منع الاشتباك
وتطبيقاً لمنع لاتفاق منع الاشتباك، وكما رجح، فان البنتاغون أبلغ زارة الدفاع الروسية عن ساعة بدء الهجوم الجوي عبر الخط الساخن مع حميميم الخاص بشأن التنسيق الجوي في السماء السورية بين واشنطن وموسكو. وقالت مصادر مقربة من حميميم لـ«القدس العربي» أن أمريكا أخطرت روسيا قبل بدء العملية بنحو 40 دقيقة فقط، أن المقاتلات الأمريكية ستدخل المنطقة تجنبا لأي احتكاك أو خطأ» وهو ما يعني عملياً تحذير موسكو من بقاء أي من قاذفاتها في الأجواء السورية خشية وقوع أي خطأ محتمل بين الصواريخ الأمريكية والقاذفات الروسية.
انسحاب الطيران الحربي الروسي من الأجواء سهل المهمة أمريكا وحليفيها بريطانيا وفرنسا، حي أنجزت العملية كاملة خلال خمسين دقيقة، دون أي أخطاء تذكر، دمر خلالها الحلفاء الأهداف الثلاثة الرئيسية المتمثلة بقيادة اللواء 105 حرس جمهوري والبحوث العلمية في مساكن برزة، إضافة لمنشاة غاز السارين بالقرب من بحيرة قطنية غرب حمص. وكذلك استهدفت صواريخ «التوماهوك» المجنحة عددا من المواقع الأخرى بضربات مدمرة.
الصور التي بثها التلفزيون الرسمي لدى النظام السوري أظهرت حجم الدمار الهائل في المباني الثلاث ضمن إدارة البحوث العلمية في منطقة مساكن برزة، إذ قامت القوات المهاجمة بتدميرها بشكل نهائي، هي والمنشاة الكيميائية في منطقة بحيرة قطينة والتي حفرت في باطن الأرض على شكل نفق طويل، كما أظهرت صور وزارة الدفاع الأمريكية.
ماذا بعد الضربة الأمريكية
من الواضح أن قرار الضربة الجوية على مواقع تطوير وخزن السلاح الكيميائي اتخذت بسرعة، فرغم كونها استهدفت مخبر التطوير ومعمل التصنيع الرئيس، إلا أن ذلك لا يعني خسارة النظام السوري لغاز السارين أو باقي أصناف السلاح الكيميائي، فالنظام الذي قام بتسليم 1400 كيلو غرام إلى منظمة حظر انتشار السلاح الكيميائي عام 2014 ما زال يحتفظ بكميات كبيرة من السلاح الكيميائي مكنته من استخدامه أكثر من 50 مرة حسب تقارير حقوقية مستقلة تقاطعت مع معلومات لدى البيت الأبيض منذ قصف الغوطة الشرقية منتصف عام 2013.
الضربة المحدودة تؤشر إلى أن أمريكا لم تتبن استراتيجية مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي جون بولتون تجاه إيران، حتى اللحظة، وما فكرت فيه الإدارة الأمريكية هي عملية «ردع سريع» بعد التصريحات النارية وحرب تويتر التي شنها الرئيس ترامب على رئيس النظام السوري بشار وطالت الاتهامات كل من روسيا وإيران ولم يدخر ترامب جهدا ليتهم بوتين شخصيا انه وراء الهجوم.
ان فكرة الردع ذات زمن محدود سرعان ما ينتهي في الحسابات الإقليمية وفي بلد تسيطر الحرب عليه منذ سبعة أعوام، بل ان فكرة الردع بالنسبة للأسد وحلفائه ستنسى بعد أيام كما هي ردود أفعال النظام على قوة الردع التي استخدمها ترامب إثر مجزرة الكيميائي في خان شيخون. إذ عاد بعدها لاستخدام الكيميائي مجدداً.
في المقابل، يبدو أن الإدارة الأمريكية فضلت عدم استهداف القوات الإيرانية بشكل مباشر وتركت ذلك لإسرائيل التي أغارت على مطار التياس الحربي «التيفور» وقتلت خمسة من الجنرالات الإيرانيين.
خبراء في الشؤون الأمنية والعسكرية وجهوا نصائح لعدم ازدواجية الضربة والتركيز على ما يفرق الحلفاء في سوريا وما يثير الشكوك بينهم عندما يستهدف طرف ويستثنى الآخرون. فضربة مزدوجة ستجعل النظام أكثر التحاما وقربا من إيران وحزب الله. وهي النصيحة التي طبقها التحالف الدولي الثلاثي من أجل عدم استثارة روسيا ودفع الأمور معها إلى ما لا يحمد عقباه.