طقوس بداية العام الميلادي في مجتمعات الصحراء: تفتيش عام لمقتنيات المنزل وتوزيع المكتشفات من حلوى ومكسرات

حجم الخط
0

نواكشوط ـ «القدس العربي»:لم يعد الاحتفال برأس السنة الميلادية مقتصرا على المجتمعات المسيحية حيث تحول الاحتفاء به من طقس ديني خاص لعادة حضارية عامة بسبب التأثير المتبادل الذي تفرضه وسائل التواصل عبر الشبكة العنكبوتية.
ومع أن الكثيرين في مجتمعات الصحراء وبينها المجتمع الموريتاني، وبخاصة فئات العمر الشابة احتفلت أمس الجمعة برأس السنة غناء ورقصا وإيقادا للشموع، فإن الأسر المحافظة في هذه المجتمعات لا تحتفل بالسنة الميلادية فاتح يناير بل في يومه الرابع عشر الذي هو بداية السنة الميلادية عند المسلمين، وفقا لما قرره الخليفة عمر بن الخطاب الذي خالف النصارى فجعل الفارق بين رأسي السنة 14 عشر يوما. ولعل أبرز نشاط تقوم به مجتمعات الصحراء هو الأدعية والصلوات التي يتوجه بها إلى الله لصرف البلاء الكامن في السنة الجديدة.
وفي موريتانيا وبخاصة في البوادي، تقوم الأمهات والجدات يوم رأس السنة بتفتيش عام للمنزل فيفتحن الصناديق ويفحصن جميع المقتنيات ويجمعن ما يعثر عليه من المنسيات تمورا أو مكسرات أو حلوى أو نقودا ويقمن بتوزيعها على الأطفال الذين ينتظرون بفارغ صبر نتائج التفتيش للحصول على قطعة حلوى أو مسكوكة نقد.
«لهذا التفتيش فوائده» تقول الستينية مريم بنت حبيب، التي أكدت لـ «القدس العربي» تمسكها بطقس «حل أصرر» وهي عبارة لهجوية محلية تعني فحص مقتنيات المنزل جميعها دون استثناء.
وتضيف «سنخرج دفائن المنزل ومنسياتنا حيثما كانت لنوزعها على شكل هدايا وصدقات وهو ما سيجلب لبيتنا أرزاقا كثيرة خلال العام المستهل».
ويقول المدون الموريتاني البارز إكس ول اكس أكرك الذي خصص تدوينة لهذه العادة «كان يوم الرابع عشر من يناير يوما مشهودا متميزا في بيتنا وهو يوم «حل اصْررْ» نُصيب فيه من الكرموص ولكسور وما شاء الله من الحلويات والمكسرات».
ويضيف «سنة الأمازيغ تبدأ يوم 12 كانون الثاني/يناير وتقويمهم أقدم من التقويم الميلادي فهذه السنة 2016 توافق في التقويم الأمازيغي سنة 2966 أي بفارق 950 سنة، يحتفل الأمازيغ، برأس سنتهم ويعتقدون من يحتفل بها سيحظى بسنة سعيدة وناجحة، فيعدون يوم «حلهم لصررهم « أكلة أوركيمن والكسكس».
تجدر الاشارة إلى أن التقويم الأمازيغي يؤرخ لما قبل 950 سنة قبل الميلاد حينما استطاع الأمازيغ بقيادة الزعيم «شاشناق» دخول مصر بعد الانتصار في حروب استمرت طويلا وبالتحديد في عهد الأسرة الإحدى والعشرين التي كان يقودها الملك الفرعوني «رمسيس الثالث».
وتساءل المدون الموريتاني العملاق «هل سرى إلينا (في موريتانيا) شيء من ثقافة وعادات الأمازيغ وقمنا بأسلمته ليكون يوم «حل اصررْ»؟ وما صحة التقويم الميلادي المنسوب للخليفة عمر رضي الله عنه ليكون يوما للمناسبة؟».
وفي الجزائر والمغرب المجاورتين يتفنن باعة الحلويات ومختلف انواع المكسرات في عرضه منتوجاتهم الخاصة برأس السنة بغية جلب أكبر عدد من الزبائن ولدفعهم إلى اقتناء ما يرغبون فيه لإحياء عادة «التراز» المرتبطة باحتفالات حلول السنة الامازيغية الجديدة.
ويحرص الجميع على إحياء هذه المناسبة بالحفاظ على العادات والتقاليد المتوارثة وهو ما يتجلى في الإقبال على اقتناء مستلزمات الاحتفال بليلة حلول السنة الأمازيغية والخاصة بمأدبة العشاء والسهرة التي تتبعها لتكون فرصة لاجتماع كل أفراد العائلة.
ويجسد إحياء هذه التقاليد إقبال ربات وأرباب العائلات على مختلف محلات الحلويات والمكسرات وكذا اللحوم وبالخصوص اللحوم البيضاء فالطبق الرئيسي في هذه المناسبة وبدون منازع هو «الرفيس بالدجاج” .
وعلى الرغم من احياء الكثيرين لهذه العادة المعروفة بعادة «العام» الا ان الشرائح الشابة لا تعرف معناها أو سياقها الزمني لكنها تتبع العادة والعرف الذي أقر بالذكرى من خلال صور احتفالية مميزة عن باقي المواسم الدينية على غرار العادات المرتبطة بإحياء ذكرى المولد النبوي الشريف أو عاشوراء.
وفي الجزائر تقوم ربات الأسر بإعداد أنواع مختلفة من الأطعمة على مدار الأيام المقبلة والتي تكون ليلة رأس السنة فاتحتها من خلال الوجبة الرئيسية.
ومن غرائب العادات المتبعة في هذه المناسبة في الجزائر، عادة رمي مختلف أنواع الحلوى على رأس الأطفال الصغار في كل عائلة وذلك من طرف أكبر أقربائهم سنا تيمنا بأن تكون أرزاق الأطفال وفيرة على امتداد أعمارهم.
وفي السنغال المجاورة طقوس أخرى حيث تقوم ربات الأسر برش غرف البيوت بالماء المملح وهي عادة يقصد منها طرد البلاء وتطهير المنازل قبل حلول السنة الجديدة بما تحمله من مفاجآت.
هكذا تحتفل هذه المجتمعات برأس السنة بصيغ وبطرق ترمز كلها رغم اختلافها لشيء واحد هو عظمة ميلاد سيدنا المسيح عليه السلام الذي كان ميلادا خارقا للعوائد.

عبد الله مولود

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية