«طوشة» بين قناتي «الأقصى» و«فلسطين»… وإعلام نفايات لبنان وصلت رائحته إلى الدول المجاورة

قال لي محارب فلسطيني مارست معه الجهاد مرة في نفق سري:
– تعرفين لماذا نقاوم؟
– من أجل الحق الذي…
– (مقاطعا) كنت متأكدا من إجابتك.. ولكننا في الحقيقة نقاوم من أجل التهيؤ للأصعب..
– وما هو الأصعب من كل هذا المستحيل؟
– معركة المصالحة ..
– تخافون منها؟
– نرفض خوضها لأننا واثقون من شجاعتنا ..
استشهد هذا البطل المقاوم بعد معركة «حجارة السجيل»، ولكنه ترك لي رسالة مع تامر المسحال مفادها: «نريد أن نوقف الحرب، ولكن دون أن نتنازل عن عدونا».
هؤلاء المقاومون هم جنود فلسطين وحماة كرامتها وحقها وذاكرتها، وهؤلاء هم من عليك أن تشد لمعاقلهم الرحال كي تتأكد من أن فلسطين لم تزل قيد الكبرياء، وتؤمن أنه زمن تلتحم فيه البندقية بكتف صاحبها، وتنام قنبلته إلى جنبه دون أن تتقزم وتتحول إلى رصاصة غدر !
وأنت هناك تمارس الجهاد على طريقة الحب في خنادق البطولة، ستصحح خطأ ثوريا في دستور(جيفارا)، فأينما وُجدتْ المقاومة فذاك موطني !

طوشة فلسطينية

بعد تصريحات الزهار على قناة «الأقصى»، التابعة لحركة حماس، لم يأل تلفزيون «فلسطين» جهدا، بسن سكاكينه، متناسيا أن استقالة محمود عباس هي إعلان حرب أو بالأحرى إعلان طوشة أهلية جديدة على الحمساوية، لأن الرئيس الذي ظل قابضا على منصبه، الذي انتهت صلاحيته بأسنانه وأظافره، لن يفطن فجأة إلى أن الاستقالة ليست هي كلمة السر التي يفتح بها مغارة الكنز، ولكنها حتما الشعرة التي ستقصم ظهر السلاح !
الحرب الإعلامية أقذر بكثير من حرب الخوصات «السكاكين»، لأنها لا تشحذ العزيمة بل توغر الأحقاد، دون أن تترك أثرا لجرح تستدل به على موضع الطعنة، أو بصمة الدسيسة، فكيف تنجو من هذه التسديدات العمودية على ظهر الثور، وأنت تجلس أمام التلفاز تتابع حمحمة الثيران الهائجة، وتخرج من الحلبة باحثا عن جثة البهيمة أو جثة البيكادور، فلا تعثر سوى على قماشة حمراء تغطي وجهك الذي تلطخ بدم الشاشة !
رغم أن الكثير من التحليلات الإعلامية رأت في استقالة عباس فرضا لسلطة المنظمة، وعلى رأسها صحيفة «معاريف» الاسرائيلية بعددها الصادر أول أمس، بينما تساءل موقع «الجزيرة نت» عن النية الحقيقية لهذه الخطوة، إن كانت ترتيب أوراق أم فرض نفوذ، إلا السؤال الحقيقي الذي وجب عليك طرحه: هل يستطيع عباس فعلا أن يستقيل من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية دون العودة إلى مراجع إقليمية ودولية.
قناة «الأقصى» ردت على بلسان أكبر الرؤوس الحمساوية: لا بد لحماس أن تحكم الضفة، وتستعيد السلطة ..
عندما دخلت حماس انتخابات المجلس التشريعي عام 2006، حصدت أغلبية أصوات الشعب الفلسطيني وأطاحت بفتح ومشايخها المحنطين، ورغم أن عباس تحول إلى اسفنجة تمتص الصدمة، إلا أنه لم يستطع المضي قدما في هذا التحول لجنسه السياسي، فسرعان ما انقلب على صناديق الاقتراع، وعلى شعبه بأكمله، ليختطف الأصوات من أصحابها، وتختطف حماس غزة من قلب الضفة، وتشتعل حرب أهلية تثبت أن لا أحد على حق بما فيهم الصندوق، والآن يطالب الزهار بالعودة إلى الشرعية التي انتهت صلاحيتها لسببين:
– الاندماج النووي الذي تولده انشطارات عنقودية أسفرت عن انفجار الجغرافيا وتصدع الخارطة !
– مضي أكثر من تسع سنوات على الإنتخابات بالتالي بطلان صلاحيتها !
فلو سلمنا جدلا بأحقية حماس باستعادة حقها المسلوب، وبأحقية عباس باستقالة تلوي ذراع الوحدة، دون أن تلبي مطلبا شعبيا كبيرا بإكمال معروفه والتنحي التام، هل نضمن فعلا رضوخ الجميع لصناديق الاقتراع؟

مجزرة النفايات

أول ثورة عربية غير مكتملة كانت في لبنان العام 2005، حين أطاح الشعب اللبناني بنفايات الأنظمة الاستخباراتية خارج حدوده، وانتصر لنظافة البيئة السياسية قبل أن يختطف منه لصوص الطوائف ثورته، ويلقون بها في مكبات الأرشيف الطائفي النتن الذي كدسوا فيه جثث ضحاياهم منذ الحرب الأهلية اللبنانية ومجازر المخيمات الفلسطينية .
من يتابع الإعلام اللبناني في تغطية ثورة النفايات، سيوقن أن مجزرة القمامة هي مجزرة مستحدثة من كل المجازر التي لم يزل مرتكبوها يحتفظون برتبهم العسكرية ومقاعدهم الحزبية في البرلمان وبصماتهم الطائفية، وأن الزبالة المتعفنة هي صورة حية عن الوضع السياسي الذي يتكوم فيه ساسته دون حراك في بؤرهم الفاسدة، ولا ينوب الشعب منهم سوى الرائحة الكريهة .
واختراقا للأعراف الحيادية في الوسط الفني، يخرج الكثير من فناني لبنان عن صمتهم ليواكبوا الحراك الشعبي والغضب اللبناني بما يليق بهذا الشعب الذي يخرج من حاويات الصفقات الطائفية بكامل أناقته مصرا على الحياة ومتشبثا بالحريق كرمى للرماد .

اللبنانيون بدو مثلنا

حين يخرج أحدهم للحديث عن الشعب اللبناني بصفته شعبا فينيقيا، وليس عربيا، فهذا يعني أن العنصرية هي أخطر أشكال التلوث البيئي في لبنان، وأن علاجها لا يتم سوى بالحرق لتخليص التاريخ من الغازات التأويلية السامة، ولمعلومات هؤلاء فقط، نحب أن نقول إن الفينيقيين بدو مثلنا، وأن أصلهم مثلنا يمني، فالبابليون والكنعانيون والفينيقيون جاءوا من اليمن وانتشروا في أماكن متفرقة ليبنوا فيها حضارتهم التي دخلت إلى دين العروبة واندمجت بعقيدة الدم العربي مع بقية البدو الرحل في فلسطين والعراق والشام.
هذا التعالي والغرور الذي يروج لثقافة الانسلاخ عن الجذور، والتبرؤ من الأصول، لمرض مستأصل في نفوس بعضهم قوامه الخزي والعار من العروبة، والنفاق للغرب، لا يدحضه سوى محاولة التملص من جريمة النفايات، التي ارتكبها كل الطائفيين ليتملصوا منها، ويتقاذفون التهم في ما بينهم، فصفقة الفينقة لا تقل جرائمية وتجارية عن صفقة الزبلنة !

التحام قماماتي

سبحان موحد الصفقات والنفايات، فحرب إعمار غزة التي تقف خلفها صفقات سياسية تبقي على غزة تحت الركام، هي ذاتها حرب القمامة والتلويث التي تبقي على لبنان في سلة المهملات السياسية، ولم يتبق على الشعبين سوى الثورة التي تطيح بكل الحاويات السياسية بلا استثناء، فلا تبقي منهم أحدا… وإلا ظلت المصيبة قابلة للانتشار البيئي، فما يتكدس في لبنان ستشم رائحته في فلسطين وباقي أرجاء الوطن العربي، الذي لم يجد بعد نكسة الربيع العربي قبورا يأوي فيها أشلاءه المبعثرة، فما بالك بالزبائل!

عساف بقرة حلوب

قناة «أم بي سي» تروج لفيلم من إنتاجها عن قصة حياة البطل الفلسطيني محمد عساف، لا يقوم هو بدور بطولته فيه، بل يكتفي بالظهور في آخر الفيلم، وهو تكنيك مشابه تماما لقصة حياة الفنان الإيراني «آفشن غافاريان» في فيلم «راقص الصحراء»، من إنتاج بريطاني بحت، استعان بالبطل الحقيقي في لقطة صامتة في نهاية العمل بعد استعراض جميل ومؤثر لمعاناته من قمع السلطة وشرطة الأخلاق في إيران.
ولا شك أن الفكرة التي جاءت بها «أم بي سي» رائعة إن كانت حقا ستصاغ بطريقة إنسانية بعيدة عن الأغراض التجارية التي تتعامل مع بطل أسطوري كعساف كبقرة حلوب قابلة لدر المزيد من الأرباح على أصحاب هذه المزرعة الإعلامية.. أتمنى حقا أن توظف قصة معاناة عساف لصالح القضية الفلسطينية، وإن لم تكن كذلك سأعلن الحرب هنا على عساف إن قبل بما يخل بشروط البطولة الفلسطينية… احذر أن يفتنوك، أو يستغلوك، أو يجروك إلى حظيرة البنوك.. وإلا قتلتك !

رد على القارئ محمد

في مقالتي السابقة وعدت القارئ محمد من الأردن أن أرد عليه، مع كل احترامي لرأيه الذي كونه عن مقالتي تلك، وسعادتي بكل التأويلات التي لا تتوافق مع قصدي في الكتابة لأنها تثري لغتي ولا تقلل من شأنها شرط ألا تحمل تكفيرا ضمنيا لن أسمح به.. أما بما يتعلق بالهدف من الكتابة فلقد أُخِذت يا محمد برأيك العميق والواعي، لأنني أكتب من أجل أن أكتب فعلا، ولا هدف آخر لي من الكتابة سوى الكتابة… المهم هو أن نعرف كيف نكتب ولا نكتفي بالكتابة بلا معرفة ولا فن.
ملاحظة سرية: عزيزي القارئ في الفقرة الأولى من هذه المقالة: أرجو ألا تصدق كل ما أكتب!

كاتبة فلسطينية تقيم في لندن

لينا أبو بكر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية