ظاهرة الفتية المتأنقين والطفل المعجزة في الدولة العربية

تقاطرت الأخبار غير المطمئنة حول احتمالية انهيار «دويتشه بنك» أكبر البنوك الألمانية، وهو الأمر الذي يهدد فعلياً بموجة جديدة من التبعات الكارثية على المستوى الاقتصادي من الصعب التنبؤ بمداها ونتائجها، ستعصف بأي آمال للتعافي من الأزمة المالية الراهنة التي بدأت في أواخر سنة 2007.
ويعتبر انهيار بنك «ليمان براذرز» المدخل الأكثر مواءمة لتحديد بداية الحقبة الاقتصادية المضطربة والصعبة التي يشهدها العالم حالياً. أزمة الرهن العقاري وانهيار «ليمان براذرز» ليست سوى نتائج لظاهرة يمكن أنها بدأت في وقت سابق بكثير مع صعود المضاربات لتصبح المحرك الأساسي لأنشطة واسعة النطاق أدت إلى تحويل أسواق المال إلى طاولة قمار كبرى وكونية، لتترك الغاية الرئيسية من وجودها من أجل توفير رؤوس الأموال للشركات التي تتطلع للحصول على التمويل، ودفعت بغريزة المقامرة فئة من الشباب الصاعدين الذين أنتجتهم كليات إدارة الأعمال في الجامعات الشهيرة وتمكنوا من الاستيلاء على إدارة الشركات الكبيرة، بحيث تحول المساهمون أو الملاك ممن يستثمرون أموالهم في الأسواق إلى مجموعة من الأغبياء الذين يتوجب عليهم تمويل مكافآت سخية وجنونية لأبناء هذه الفئة بكل مزاعمهم بتحويل التراب إلى ذهب.
وزير الاقتصاد الألماني سيغمار غابريال أطلق تصريحات يمكن أن تثير التشاؤم حول موقف الحكومة الألمانية من المخاطر المحدقة بالبنك الأكبر في البلاد، واعتبر البنك مسؤولاً عن أزمته لتحويله المضاربة نموذجاً للأعمال، ووصف قادة البنك بالأشخاص غير المسؤولين الذين اقترفوا تصرفات جنونية، ولكن المشكلة لا تقتصر على «دويتشه بنك» وحده، فالمجانين في كل مكان تقريباً، خاصة في الولايات المتحدة التي استطاعت أن تصدر نموذجهم لكل مكان في العالم كجزء من الثقافة الأمريكية.
دعيت هذه الفئة من المهنيين في الولايات المتحدة بالـ Yuppies في اشتقاق لغوي تهكمي للتعبير عن فئة من أبناء المدن في مقتبل عمرهم ممن يتصرفون مثل المحترفين، وهذه الفئة لقيت سخرية من بعض تايكونات المال التقليديين ومنهم وارين بافيت، الذي يمتلك ثروة تتجاوز ستين مليار دولار، وينقل عنه وصفه لوول ستريت بأنه المكان الذي يقصده رجال يستقلون سيارات الرولزرايس للحصول على النصيحة المالية ممن يتنقلون بالمترو، ولكن بافيت لم ينتبه إلى أن الفتية الصاعدين استطاعوا من خلال عبثهم واستهانتهم بالاقتصاد الانتاجي أو الحقيقي لمصلحة المضاربات في العقود الغامضة من تكبيد الملايين من المستثمرين الصغار خسائر مرعبة، من المستحيل استعادتها، لأن ما كانوا يشترونه ويستثمرون فيه كان عبارة عن مجرد أوهام تستند إلى أوهام أخرى، فمنزل صغير سعره قد لا يتجاوز مئتي ألف دولار يمكن أن يسفر عن حركات مالية بأضعاف قيمته، وفي النهاية، فإن المنزل الذي تنقلت أوراقه ومخاطره بين بنك وآخر لا يمكن أن يغطي بقيمته الخسائر المتراكمة والجسيمة التي جعلته مجرد ورقة على طاولة للمقامرة كانت تسمى السوق المالي.
الاقتصاد مرتبط بالسياسة، ويبدو أن هيلاري كلينتون المرشحة عن الحزب الديمقراطي تمثل الرهان الأخير لفئة الفتية المتأنقين في وول ستريت، ولا يعني ذلك أن هذه الفئة تناقض الفكر الاقتصادي أو السياسي الذي يحمله الجمهوريون، فكل ما في الأمر أنها فقط ستصطدم بترامب في حال فوزه بالانتخابات لأنه يمثل انحيازاً للنموذج التقليدي لرجل الأعمال الذي سيتوجه لتعزيز الاقتصاد الحقيقي من خلال إتاحة الفرصة للشركات الأمريكية للحصول على تعاقدات ضخمة في مجال تأهيل البنية التحتية من جديد، كما أنه سيخلق بيئة استثمارية مؤاتية في ظل تخفيضات ضريبية ليزيد من الأموال التي ستتدفق في القطاعات الاقتصادية الحقيقية، ومع أن الهدفين ينطويان على التناقض للوهلة الأول، إلا أن الطبقة الوسطى الأمريكية ستتحمل التكلفة الفعلية فيزيد توظيفها في المشاريع الترامبية الطموحة لتقوم بشكل أو بآخر بتمويل الفرق في الضرائب من خلال زيادة دخولها.
الثقافة الأمريكية تبدو مستعدة لاعتناق نماذجها القديمة من جديد، وفي هذه اللحظة فإن الرجل الأمريكي الأبيض سيمتلك المبادرة من أجل المحافظة على حقوله وأبقاره، وسيلتف أصحاب المشاريع الصغيرة حول ترامب بوصفه الرجل الصلب الذي يمثل الحلم الأمريكي الحقيقي بينما تمثل كلينتون وزوجها طبقة أبناء المدن الذين تمكنوا من الوصول إلى المواقع المتقدمة بدون وجود أصول فعلية تبرر صعودهم. ما الذي يمكن أن يترتب من مشكلات سياسية على المستوى الدولي نتيجة موجة جديدة من الأزمة المالية العالمية؟ الدولة الرخوة في مواقع مختلفة من العالم كانت ضحية سهلة للأزمة العالمية، والربيع العربي لا يمكن أن يفصل كلية عن سياق الأزمة المالية الراهنة، فالدولة وجدت نفسها غير قادرة على أداء وظائفها التقليدية والرعوية نتيجة ارتفاع تكلفتها، وتعمقت المشكلة الداخلية مع عدم قدرة الدولة، في ظل تراجع اقتصادي عميق، على استيعاب الشباب في منظومة العمل الحكومي وتقهقر القدرة الانفاقية للدولة بشكل عام، وإذا حدثت موجة جديدة فمن المتوقع أن يعاود الربيع العربي إنتاج ثورات للجياع المدفوعين بالعوز والحاجة.
الفتية المتأنقين، أو اليابيز حسب المصطلح الأمريكي لم يقتصر وجودهم في الدول العربية على العمل الخاص، فترابط الخاص بالعام واختلاط المال بالسلطة دفعهم أيضاً للاستيلاء على مواقع قيادية في أجهزة الإدارة العامة حيث تصرفوا بوصفهم وكلاء للقطاع الخاص لتطويع الحكومة لمصلحته، ولأن أحداً لم يكن على استعداد للتدقيق في فوضى المصطلحات في خضم التراشقات بين البيروقراطيين وهذه الفئة من الشباب الصاعدين والمترابطين عضوياً ونفسياً في مجتمعاتهم الخاصة، فإن وصفهم بالليبراليين الجدد أتى ليكون عبارة مريحة تقدم واقعاً غير حقيقي، فالليبرالية يجب أن ترتبط بقواعد منظمة مثل الشفافية والمحاسبة، وتجدر الإشارة إلى أن الليبراليين كانوا تاريخياً من المناهضين لهذه الفئة من المهنيين الذين أدخلوا قواعدهم المنظمة لتكون في موازاة الحكومة من خلال روابطهم ونقاباتهم، وكان الرئيس ثيودور روزفلت ممن تنبهوا مبكراً لما تشكله هذه الفئة من كارثة محدقة بالاقتصاد الأمريكي، فوصف الحالة الاحتكارية التي أنتجوها بالوحوش المخيفة التي أوجدتها المؤسسات المستنيرة مطالباً بسحقها تحت الأقدام، ولكن ليس بسرعة كبيرة.
ليس بسرعة كبيرة لأن المنظومة المتشابكة والمعقدة التي تربطهم تتمدد بشكل سرطاني في الاقتصاد الأمريكي، وبعد قرن من الزمن أصبحت هذه الفئة تمثل السرطان الذي يضرب العالم، ولذلك تنتشر رسومات الجرافيتي التي تدعو اليابيز للعودة إلى منازلهم.
اليابيز في الدولة العربية الحديثة هو المبتعث الذي تحصل على شهادة جامعية من الخارج، وعند عودته ألبسوه ثوب المخلص الذي سيوظف خبرته من أجل تقديم حلول لجميع المشكلات، ودعوا الجميع لاتباعه وطاعته، ولأنه خارج أي إطار سياسي ديمقراطي فعلياً، وبدون أن يرى عصا المحاسبة قريبة منه، تمددت صلاحياته وسلطاته ليتحول إلى الطفل المعجزة الذي يصعد إلى المناصب الحكومية بدون أي جهد أو استحقاق انتخابي، ويمكن التأمل لتجد هذه الفئة من المتأنقين في كل مكان يزكمون الأجواء برائحة الكارثة.
كاتب أردني

ظاهرة الفتية المتأنقين والطفل المعجزة في الدولة العربية

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية