ظننت الشيب وقارا وشفيعا فخاب ظني

حجم الخط
7

شر البلية ما يضحك. بعدما بلغت من العمر عتيا واشتعل الرأس شيبا، اخترت على ما يبدو نسيان تلك الأيام التي كان يوقفني فيها رجال الشرطة في مطارات العالم المختلفة لمجرد الشكل.
في تلك الأيام وهنا نتحدث عن سبعينيات القرن الماضي، التي كان فيها الشعر الطويل داكن السواد، وكذلك الذقون التي كان يطلق لها العنان تيمنا بأيقونة الثورات الثائر المدافع عن الفقراء والمسحوقين، تشي جيفارا، حتى تمكنت منه المخابرات المركزية الامريكية «سي اي ايه» واغتالته بدم بارد وهو جريح في بوليفيا، وتصادف بعد غد الذكرى الخمسون لرحيله.
في ذاك الزمن الجميل زمن المد الثوري لم يكن أعضاء جماعات الإسلام السياسي، وما تسمى زورا وبهتانا الحركات الجهادية، هم الملاحقين والمستهدفين أمنيا في مطارات وبلدان العالم المختلفة، بل اليساريين الذين كانوا يمثلون ويدعمون الثورات ضد الاستعمار والأنظمة التي يدعمها، من دول امريكا اللاتينية غربا وحتى فيتنام وكمبوديا وغيرهما شرقا، مرورا بدول إفريقيا، تضاف اليها عمليات اختطاف الطائرات التي كانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مختصة بها، وكانت ليلى خالد رائدة هذه العمليات، وكذلك منظمة ايلول الاسود التي نفذت عملية احتجاز الفريق الاولمبي الاسرائيلي في ميونخ في سبتمبر 1972، للإفراج عن 236 معتقلاً في سجون الاحتلال، وانتهت بمجزرة على ارض مطار فورشينفليد، بادر اليها رجال الموساد الاسرائيلي الذين أبوا ان ينتصر عليهم رجال المقاومة، وقتل في العملية أعضاء الفريق الاولمبي الاسرائيلي الـ11 وخمسة من منفذي العملية وشرطي وطيار مروحية ألمانيان.
اعتقدت لسنوات طويلة خاطئا إن ملامحي التي تغيرت مع العمر وراحت عنها سمة القساوة، بعد ان حل الشعر الابيض القصير محل الاسود الطويل، واكتسب شعر الذقن الداكن الطويل، لون الثلج، واستبدلت قساوة الملامح لنقل بملامح اقل قساوة، ظننت ان هذا التغيير الكبير في الشكل الخارجي، سيعفيني من هذه المضايقات، التي تسببت لي بعقدة، رافقتني معظم سنين حياتي، حتى بعد الحصول على جواز السفر البريطاني. كنت مخطئا فقد وقع المحذور واوقفني في الاسبوع الماضي رجل امن بريطاني في طريق عودتي من رحلة في البرتغال، الى مطار لوتن وهو احد مطارات لندن ويقع الى الشمال الشرقي منها.
بعد حصولي على جواز السفر البريطاني قبل نحو 20 عاما لم يوقفني رجل شرطة او اي مسؤول جوازات في اي مطار في العالم، باستثناء3 مطارات، الاول مطار الملكة عالية في عمان. ففي عدد من الرحلات وبعدما انهينا مشاكل السبعينيات بزيارة مقر جهاز المخابرات الاردنية غير مرة في عام 1998 اي بعد غياب نحو28 عاما، صرت أسافر بانتظام للقاء الاهل بعد طول غياب. وفي كل مرة أمر فيها في مطار عمان، أو عبر الحدود الفلسطينية الاردنية، يوقفني مسؤولو الجوازات حتى يتأكدوا من هويتي عبر اسم امي، الى حد انني صرت انزعج جدا من هذا السؤال. فسألت عن السبب الذي يسأل فيه عن اسم امي في كل مرة، ليأتي رد المسؤول ان هناك تشابه اسماء.. فجاء ردي التلقائي السريع.. معقول يا رجل ان هناك شخصا يحمل الاسم الرباعي نفسه ورقم جواز السفر البريطاني نفسه، وظل هذا الازعاج قائما لبضع سنوات.. وتوقفوا عن السؤال عن اسم امي والتأخير غير المبرر.
المطار الثاني مطار تونس، زرت تونس3 مرات إحداهما كنت في مهمة صحافية لإنجاز ملحق مدفوع الأجر عن تونس للصحيفة التي كنت أعمل فيها، وكان ذلك في عام 1993. صحيح أنني في المرة الأولى كنت أحمل فيها وثيقة سفر بريطانية، وليس جوازا، ولكن صحيح أيضا أنني حصلت على تأشيرة من السفارة التونسية في لندن. وفي مطار قرطاج أوقفت ووضعت في غرفة جانبية، بدون ابداء الأسباب. وكنت أعلم في حينها انه لا يسمح بدخول اي شخص من أصل فلسطيني، الى تونس إلا بعد الحصول على موافقة السفير الفلسطيني حكم بلعاوي، شفاه الله، الذي كان يتمتع بنفوذ قوي. واختصارا للمعاناة طلبت من المسؤول ان يتصل ببلعاوي، فغضب غضبا شديدا، وقال هذه تونس ونحن المسؤولون هنا. وما هي إلا لحظات حتى رن جرس الهاتف.. وسمح لي بالدخول بعد موافقة البلعاوي الذي اتصل بي مكتبه ليهنئني بالوصول.
ولن أنسى ذاك اليوم من عام 2002 الذي كنت فيه مغادرا مع زوجتي تونس عائدا الى بريطانيا. انتظرت دوري حتى وصلت الى مسؤول الجوازات، وكنت حيئذ احمل جواز السفر البريطاني، ولكن اسمي ولون بشرتي، لم يسمحا لمسؤول الجوازات، بمعاملتي كغيري من المواطنين البريطانيين ذوي السحن الشقراء والاسماء الغربية. ما علينا.
سلمت جواز سفري للمسؤول الذي راح يدقق ويحملق فيه طويلا؟ ويردد كلمة «غريب» اكثر من مرة ويسألني، كيف دخلت الى تونس؟ كبقية السياح أجبت، فيردد مجددا «غريب». فأرد عليه يا سيدي ما غريب إلا الشيطان، «شو المشكلة؟». ويكرر الكلمة اياها، إلى ان وصل السيل الزبى وطفح الكيل وبدأت أفقد اعصابي وصوتي يعلو.. عندئذ طلب مني الوقوف جانبا حتى جاءني رجل مخابرات أو أمن قومي سيان. قلب المسؤول في جواز سفري ليفاجئني بسؤال غير متوقع، هل انت طالب. ابتسمت وقلت وانا في سن الواحدة والخمسين، اذا اردتني ان اكون طالبا فسأكون. وسأل هل لك نشاطات سياسية، نعم وما دخلك انت وتونس بنشاطي، اذا كانت اسرائيل لا تحاسبني على نشاطي ضدها ايام الطلبنة «جاي» انت بعد ربع قرن تحاسبني. واخذت جواز سفري منه وقلت وانا أدير له ظهري انا مغادر ولن تستطيع فعل شيء. ووقف مذهولا لثوان قبل ان يعود الى مكتبه يجر اذيال الخيبة.
اما في مطار تل أبيب فحدث ولا حرج.. فالمساءلة ليست وأنت قادم كما هي العادة فحسب، بل وأنت مغادر، واحيانا تكون اكثر صعوبة. ولكن لا ضير في ذلك.. فأنت أمام عدو يعتبر كل فلسطيني متهما حتى تثبت براءته.. وإن حصل ولم أخضع للسؤال، فإنني أشعر بالانزعاج.
وقبل ذلك بسنوات وتحديدا في اواسط سبعينيات القرن الماضي، وكنت في حينها ما أزال احمل جواز السفر الاردني، وصلت الى مطار هيثرو في لندن، من الكويت محملا بما لذ وطاب من شغل الوالدة، رحمها الله، اضافة الى جهاز تسجيل اسطوانات على شكل حقيبة سامسونايت. ومن بين مئات المسافرين اختارني رجل الامن لأقف جانبا. وبدأ عملية الاستجواب وتفتيش المتاع، التي طالت لاكثر من ساعة، جهاز التسجيل الذي طلب مني فتح حقيبته. وما أن هممت بفتح الحقيبة حتى ابتعد مهرولا، وعندما تأكد من انها ليست حقيبة مفخخة عاد وفتشها بدقة. وانتقل بعدها الى علبة الكنافة النابلسية، هدية اساسية يجلبها كل مسافر الى الاصدقاء الذين كانوا تواقين لمثل هذه الحلويات ويحنون إليها، التي لم تكن أصلا موجودة في لندن السبعينيات، خلافا للندن الالفية الثالثة التي تحتضن مئات، إن لم يكن الاف المحلات التي تبيع هذه الحلويات وما لذ وطاب من المأكولات والحلويات الشرقية. وفعل رجل الأمن مع علبة الكنافة ما فعله مع حقيبة المسجل. ومرّ ايضا على اكياس الزعتر والنعنع والميرمية الى اخره من المشهيات، قبل ان يصطحبني واثنان من زملائه واخضاعي للتفتيش الجسدي الدقيق. هذه واحدة فقط من مرات عديدة.
ولن أنسى ذاك المسدس الذي وضعه رجل أمن فرنسي على مؤخرة رأسي في مطار تشارلز ديغول، بعدما رن جرس الباب الالكتروني، خلال مروري به. والامثلة عديدة جدا وتحتاج الى مجلدات.
عادت هذه الذكريات كأنها شريط مسجل، وأنا اقف مساء يوم السبت الماضي، امام رجل الامن البريطاني الذي كان في غاية الادب، لكن لم يكن لديه ما يقوله سوى سؤالي عن المكان الذي قدمت منه.. ثم فاجأني بسؤال إن كنت احمل في حقيبتي مخدرات.. وأجبت مبتسما، انها مليئة بها، ثم سألني إن كنت احمل سلاحا، ورددت عليه بسخرية.. نعم معي في الحقيبة رشاش واحد فقط.. فاستدرك خطأه وسمح لي بالمرور.
واخيرا نقول للمطرب العراقي الراحل ناظم الغزالي.. إن الشيب لم يكن وقارا في مطار لوتن ولم يكن شفيعا امام رجل الامن البريطاني الذي ينظر إلى سحنة الشخص بحثا عن لاجئ غير شرعي، غير مكترث بشيب الشعر.
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

ظننت الشيب وقارا وشفيعا فخاب ظني

علي الصالح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية