لطالما شاهدنا، كمواطنين تلفزيونيين، صور استقبالات ووداعات الرؤساء العرب لضيوفهم من دون صوت الحوار الدائر، فاللقاءات تتم إما مع موسيقى كلاسيكية، هي نفسها موسيقى الجنازات، أو مع صوت المذيع وهو يقرأ الخبر. أما الرئيس التونسي الباجي السبسي فقد كسر تلك القاعدة وهو يكرّم عادل إمام بأرفع وسام تونسي، فأتاح لنا أن نستمع لدقائق بحالها من الحوار بين السبسي وإمام، وسرعان ما تمنى المرء لو أننا عدنا إلى موسيقى الجنائز. كان ذلك أرحم من التلعثم، الذي بدا عليه إمام، والكلام الفارغ الذي ساقه وهو يتلقى التكريم التونسي.
لكن ذلك التلعثم «كوم» والكلمات التي توجّه بها إمام للصحافيين «كوم» آخر، حين قال «الحمد لله أن القاهرة ما زالت مركز إشعاع فني خاصة للإخوة التوانسة». هي عبارة، على الأقل، مخلّة دبلوماسياً، إذ يفترض أن يتحدث الفنان المكرّم عن فضائل بلد التكريم، ولم يكن الوقت مناسباً كي يتحدث عن فضل القاهرة وإشعاعها على تونس.
لا أحد يستطيع أن ينكر فضلاً لتلك البلاد العظيمة، غير أن تلك العبارة بخصوص «إشعاع مصر»، حملت كثيراً من صلف «الزعيم» وفوقيته بخصوص بلد جميل جاء يكرّمه فقوبل بالإهانة.
هذا بالإضافة إلى ما اعتبر ناشطون توانسة أنه إهانة من عادل إمام بحق وزير ثقافتهم، عند استقبال الوزير له وإهدائه باقة من الورود. وهم احتجوا أيضاً على مبلغ طائل من المال قدّم لقاء قبول إمام بالمجيء إلى تونس. ليس بالوسع التأكد من نوايا إمام في إهانة الوزير، ولا من المبلغ المشار إليه، لكن عبارة «الإشعاع الفني» صريحة وواضحة. فما هكذا، يا زعيم، يقابل المرء تكريم البلد الجميل!
داريو فو على «فرانس24»
لشدّ ما سررت لدى مشاهدة الزميل كمال البني، الإعلامي في قناة «فرانس24»، وهو يقدّم في فقرة «ثقافة» مطالعة بخصوص المسرحي الإيطالي الراحل أخيراً داريو فو، قلت أخيراً سنرى الزميل في مكانه الحقيقي، فهو المخرج والممثل المسرحي، قبل أن يتورط بالعمل الإعلامي، ومنْ أحسن منه لإعطاء صورة مقربة للمسرحي الإيطالي الكبير.
لكن التقديم لتلك المطالعة كان غريباً بعض الشيء، إذ تبدأ المذيعة (حسنية مليح) فقرتها بالقول «تتويج المغني الأمريكي بوب ديلان بجائزة نوبل للسلام (دعك من الخطأ الوارد في سؤال المذيعة وهي تقول «نوبل للسلام» بدلاً من «نوبل للآداب»، فربما كانت مجرد زلة لسان) يبقى طاغياً على أخبار الثقافة»، فيجيب البني «هذه المفاجأة.. وقد كرستُ هذه الدقائق للحديث عن مبدع آخر حصل على نوبل للآداب عام 97 هو داريو فو»!
كان في إمكان الزملاء أن يفردوا تقريراً عن داريو فو بمناسبة رحيله وحسب، لا بمناسبة حصول بوب ديلان على «نوبل»، حيث تستحق مفاجأة بهذا الحجم، وغموض كهذا حول توجّه الأكاديمية السويدية إلى ديلان، محاولةً من القناة لتقديم جواب يفك اللغز. لكن بدا الأمر كما لو أننا عجزنا أن نفعل شيئاً في مكان صعب فذهبنا إلى المطرح السهل.
المفاجأة، فوق ذلك، أن هذا السهل لم يكن سهلاً بالنسبة للزميل، الذي حسبنا أنه يسرح في ملعبه، فبدلاً من تقديم فهمه الخاص كمسرحي لداريو فو، راح البني يقرأ من شريط مقابل سطوراً محضّرة سلفاً (لنترك جانباً تلعثمه في القراءة مراراً)، هي أقرب إلى مطالعة أكاديمية منها إلى حديث للعامة من متلقّي التلفزيون. لغة أكاديمية في تقديم مسرحيّ شعبي أقرب إلى صورة المهرج.
لم تفلح محاولة الزميلة المذيعة في إضفاء حيوية على خطاب البني الأكاديمي، لأن أسئلتها لم تبتعد عن الصنف نفسه، كلام من دون اجتهاد، أو تعب، من قبيل «ما هي الخصائص التي يمكن التوقف عندها في تجربة داريو فو في المسرح»؟
شكل التقديم كان أقرب إلى محاورة بين المذيعة وضيفها البني، لكن في الجوهر كان البني يذيع وحسب، يقرأ بشكل آليّ، ولا يتفاعل هو نفسه مع ما يعنيه داريو فو في المسرح والثقافة.
اعتقال وترحيل «الموناليزا الأفغانية»
ألقت السلطات الباكستانية القبض على الأفغانية شربات جولا، التي عرفت حول العالم بـ «موناليزا الحرب الأفغانية». هي التي اشتهرت كصورة – أيقونة بعد نشرها على غلاف مجلة «ناشيونال جيوغرافيك» عام 1985.
اعتقلت السيدة الأفغانية بسبب «أوراق إقامة» مزورة تحملها للتمكّن من العيش في باكستان. هذه التي اضطرت أخيراً تحت ضغط مؤسسات حقوقية وإغاثية للإفراج عن السيدة وترحيلها مع عائلتها.
وجه السيدة الأفغانية ذات العينين الخضراوين المقهورتين معروف جداً حول العالم، ربما لا يفوقها شهرة إلا الموناليزا الأصلية في متحف اللوفر. وكان مصور قد التقط صورة لذلك الوجه في مخيم للاجئين في باكستان حين لم يتعدّ عمر الفتاة عند ذاك اثنتي عشرة سنة.
جولا تجبر اليوم للعودة إلى بلادها المنكوبة بالحرب والفوضى، مريضة بالتهاب الكبد الوبائي، وفي حضنها أربعة أطفال، توفي والدهم منذ أعوام.
الموناليزا الأفغانية لم تعد تمثّل أيقونة للّجوء وحسب، إنها تمثّل أيضاً النفاق العالمي في قضية اللاجئين ومآسيهم، فالعالم يقدّر الصورة تقديراً عالياً ويحتفي بها، لكنه لا يكاد يفعل شيئاً لأصحاب الصورة الأصليين، سكان الخيام والأرصفة والحدود العارية. إن لم نقل إنه يزيد التنكيل بهم.
كما لو أن العالم يريد اللاجئ ميتاً وحسب، يحبه ميتاً، صورة تصلح للمتاحف. أما شربات جولا فبإمكانها أن تقيم على صدر أعرق أغلفة الكتب والمجلات وشاشات العرض وصالات الرسم ودور الأزياء، لكنها في الواقع لا تستحق حتى الإقامة في مخيم للاجئين في باكستان.
كاتب من أسرة «القدس العربي»
راشد عيسى