عالم متحول… وإرهاب الذين يبررون الإرهاب

إنه عالم جديد، تتبدل فيه التحالفات والأولويات والمعايير السياسية والأمنية والقانونية لمجابهة هجمة غير مسبوقة من قوى ظلامية تكفيرية إجرامية قادرة على تجنيد الشباب باستغلال الدين، مدعومة بأجهزة استخبارات قوية وميزانيات مفتوحة وأبواق إعلامية. يخطئ من يظن أن قواعد اللعبة ستظل كما هي بعد العمليات الإرهابية الكبرى التي ضربت العالم خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، وأصابت قوى عظمى في عقر روحها وفلذات أكبادها.
لا نبالغ عندما نقول إننا أمام مشروع حرب عالمية حقيقية، وليست تمثيلية، ضد الإرهاب. كل من تابع تفاصيل الحملة الجوية الروسية التي أعقبت الاعلان عن وجود آثار قنبلة في حطام الطائرة الروسية لابد أنه شعر بهذا.
الدب الروسي لم يترك سلاحا في ترسانته الجوية والبحرية، باستثناء النووي، إلا واستخدمه: القاذفات الاستراتيجية، الصواريخ بعيدة المدى، الغواصات، احدث الطائرات المقاتلة، وعشرة اقمار صناعية للاستطلاع للتأكد من دقة الأهداف. الحصيلة نحو الفين وخمسمئة طلعة جوية خلال يومين دفعت «اشاوس» داعش إلى الهروب بحياتهم وعائلاتهم وسباياهم ربما إلى الموصل. دليل جديد على انهم لا يعرفون الا الفرار، بعدما حدث في سنجار وعين العرب وديالى وغيرها، فيما لايستأسدون الا ضد الاطقال والنساء الامنين.
نعم كان يوجد جانب استعراضي عسكري روسي واضح ومقصود اثناء الحملة، بعضه موجه ضد تنظيم «داعش» الارهابي، وهو مفهوم ضمن الحرب النفسية، لكن معظمه موجه ضد من يقفون معه أو وراءه، بما في ذلك الولايات المتحدة التي اعلنت أمس رسميا، أن ذلك التنظيم الارهابي «لا يشكل اي خطر ضدها»(..)، ما يفسر تصريحات باراك اوباما اثناء قمة العشرين «بأن واشنطن لن تغير استراتيجيتها ضد الارهاب بعد هجمات باريس».
وكأنه يملك استراتيجية اصلا. اما فرنسا فلم تنتظر وصول حاملة طائراتها شارل ديغول إلى شرق المتوسط وبدأت حربها الخاصة ضد الارهاب بعد ساعات قليلة من الهجمات الدنيئة في باريس، وتهديد رئيسها بالقضاء على «داعش»، فقامت بغارات مكثفة من اراضيها إلى جانب قواعدها في الامارات والاردن. ومع وصول حاملة الطائرات إلى موقعها المحدد خلال يومين، ستتضاعف القدرة التدميرية للغارات الفرنسية ثلاث مرات. والاهم أن تحالفا يمكن تسميته بـ»الامر الواقع» سرعان ما تشكل بين روسيا وفرنسا على الهواء مباشرة، عندما طلب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من قادته العسكريين التعامل مع السفن الفرنسية كحلفاء، وهو ما ردت عليه باريس بالاشادة بـ«الانفتاح الروسي في التعاون ضد داعش». وفي غضون ساعات أعلنت بريطانيا إرسال سفينة «رويال ديفندر» الحربية إلى المتوسط لمساندة فرنسا.
تحالف سيزعج كثيرين حتما، سواء الولايات المتحدة التي شعرت بالتهميش، أو بعض حلفائها في المنطقة، الذين باغتهم ما حدث بعد أن شمتوا في تعرض مصر وروسيا وفرنسا لهجمات إرهابية، فاصيبوا بما يشبه الهستيريا السياسية. أما ردهم فكان مزيجا مثيرا للشفقة من تبرير الارهاب واجتراح «نظريات مؤامرة» صادمة من نوع أن روسيا تقف وراء جريمة إسقاط طائرتها لتكثف غاراتها، أو الترويج لتورط النظام المصري بعد العثور على جواز سفر مصري في موقع هجوم باريس كـ»فتح مبين» قبل أن يتضح أنه لشاب من الضحايا ذهب إلى فرنسا مرافقا لوالدته وأخيه الذي سيجري عملية جراحية هناك، في إطار من الغل والحقد اعتبر ضمنيا أن الارهاب «انتقام مشروع» للمسلمين المظلومين هنا وهناك، وهم كذلك حقا، أو يقدم خدمة للقضايا العربية.
وبدا هذا جليا في بعض التغطيات الصحافية والاعلامية، كما في ردود افعال شعبوية للاسف، أحدها يمكن مشاهدته على اليوتيوب، وتقوم فيه جماهير تركية بالصفير وترديد هتاف «الله اكبر» اثناء دقيقة حداد على ضحايا هجمات باريس في بداية مباراة ودية لكرة القدم (..). وكأن الارهاب يمكن أن يبرر الارهاب، أو كأن القرآن لا يقول «ولاتزر وازرة وزر اخرى». الواقع أن مثل هذا التبرير للارهاب ليس سوى نوع اخر من الارهاب، وهو موجه اساسا ضد المسلمين الذين سيكونون المتضرر الاكبر من ورائه.
انظروا إلى عشرين مليون مسلم في اوروبا وجدوا انفسهم فجأة متهمين بالإرهاب إلى أن يثبت العكس، والمئات منهم الذين سيعتقلون ظلما، واطفالهم الذين سيوصمون بالارهاب في المدارس، ونسائهم المحجبات اللاتي يتعرضن للاعتداءات في الشوارع، والمساجد التي ستغلق، ومئات آلاف اللاجئين الذين ستوصد الابواب امامهم، أو سيعادون إلى بلادهم.
نعم من حقنا ان نغضب من المعايير الاخلاقية والسياسية المزدوجة لدى البعض في الغرب، التي تجعله يرى سقوط الضحايا الابرياء في بلادنا «امرا طبيعيا»، الا ان هذا لا يمكن ان يجعلنا نبرر قتل الابرياء في بلادهم، خاصة ان بينهم عربا ومسلمين.
نعم يتحمل الغرب جـــــزءا كبيرا من المســؤولية السياسية عن انتشار الارهاب في بلادنا، لكن هذا لا يمكن ان يبرر ان نتحول الى مشجعين للارهاب.
الحق أقول إن من يظن انه يساعد المظلومين في فلسطين أو العراق أو سوريا أو سيناء أو اي بلد عربي أو اسلامي بتبرير الارهاب أو الشماتة فيه، هو في الحقيقة ارهابي يساعد في تعميق معاناتهم واطالتها، بل وتقويض قضاياهم العادلة.
أما الجديد هذه المرة، فإن الدول الاوروبية لن تسمح باستمرار «إرهاب ناعم» أو متنكر» كهذا. فرنسا بدأت بالفعل في تطبيق قوانين الطوارئ التي ستكفل إغلاق اي «مكان» سواء كان مسجدا أو جمعية أو قناة فضائية أو جريدة تشجع على الارهاب. ولابد أن دولا اوروبية ستتبعها قريبا. روسيا وجهت تحذيرا واضحا إلى «من يساعدون الارهاب»، حتى البيت الابيض سارع امس باصدار تصريح يحث فيه تركيا على اغلاق الحدود في وجه عناصر داعش (..)، بعد أن رأى الاساطيل الروسية والاوروبية تتجه إلى المنطقة، فيما يتحدث محللون مقربون منها عن أن «المنطقة تحتاج إلى انشاء دول جديدة، بعد أن اصبحت موبوءة بالارهاب والتطرف». فهل ينتبه العرب لما يجري من حولهم، وهل يتوقف من ينفخون في نيران قد تحرق الاخضر قبل اليابس؟
انها ايام حبلى، فترقبوا.

٭ كاتب من اسرة «القدس العربي»

خالد الشامي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية