قبل اختراع الساتلايت، كانت سهرة القناة السورية ليلة رأس السنة بالنسبة لكثير من الأردنيين بمثابة زجاجة الشمبانيا، التي يستقبلون بها عامهم الجديد برفقة فئة من المذيعات اللواتي يمكنك أن تميز التلفزيون السوري من وجوههن قبل أن تميزه من شارته وأنت تحاول تعديل «الأنتين المنزلي» على سطوح بيتكم، بعيدا عن اتجاه الرياح أو الثلوج لتلتقط موجة بث واضحة… فما أن تظهر لك عزة الشرع أو ماريا ديب أو لينا الأسعد أو رائدة وقاف حتى تقفز العائلة بأكملها صارخة من شباك البلكون: مكانك قف، «أجت سوريا»!
أما الآن وقد «راحت سوريا»، فإن البحث عن موجة التقاط بات مستحيلا في زمن التشفير، والحظر الذي لم نعرفه حتى أيام كان البعض قادرا على التقاط موجات بث التلفزيون الاسرائيلي عبر تقنيات معينة تمكنهم من قضاء ليلة لعينة ودافئة على الحدود بلا بنادق ولا خوذات ولا وثائق سفر، والحدق يفهم، وفي هذا إيحاء، فعليكم بي !
مشكلني
المشكلة أننا مشكلة، وأن أي مشكلة تطرأ على عالمنا العربي دليل ثبوتي على أنه لا مشكلة أكبر من كوننا المشكلة الأكبر، وهذه فرادة لم تحظ بها أمة من الأمم، كما حظينا بها نحن، فبرنامج «ذا فويس» – حسب أراء نقدية متعددة – ما هو إلا برنامج استعماري الهدف منه صهر الهوية العربية والثقافة الفنية أو حتى الإجتماعية الخاصة بالقيم الموروثة، وبغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا مع هذا فإنه برنامج عصري يلحق بركب الموضة الإعلامية العالمية بحرفية وميزانية عالية جدا يندر بل يستحيل أن تجدها في أي فضائية عربية إلا إن اعتبرنا أن اللبنانيين ليسوا عربا، كما يحلو لبعضهم أن يعتقد، عندما يتعلق الأمر بـ»ستار أكاديمي» في مواسمه الذهبية على قناة «أل بي سي»، فهل يحق لك كعربي أن تفتخر بهذه الإنجازات أم تلعن أباها؟ في ذات الوقت الذي تشاهدها وتنفعل معها، ويحترق دمك وقد تقسم إيمان طلاق لا يجوز لك بعدها إعادة زوجتك لعصمتك إلا بمحلل شرعي، خصوصا حين يخسر متسابق تشجعه أو تتحيز لموهبته! فلماذا إذن تضع كل الحق على الـ»أم بي سي» وأوباما؟ ألست بالغا وعاقلا وصاحب إرادة وبإمكانك ألا تتابع البرامج التي تنغص عليك بالك فتقاطع مشاهدتها؟ فإن لم تفعل، فهذا يعني أنك تطبق المثل القائل «إفّي، ونفسي فيه» !
كل هذه التناقضات والعقد النفسية والأخلاقية كشفتها بل تحملت وزرها فتاة أردنية من أصول فلسطينية، اسمها «نداء شرارة» قبل «ذا فويس»، و»نداء شيرين» بعد «ذا فويس»، لأن مجتمعها العربي المتناقض صادر حقها بأن تكون صورة عنه بكل تناقضاته، التي عبرت هي عنها بجدارة، وقامت الدنيا ولم تقعد مستهجنة الغناء على عربية ترتدي حجابا مع جينز، كما هي الموضة الآن، بحجة أن صوتها عورة، ولا يمثل مظهرها الملتزم الذي يستدعي رضوخها لشروطه ومتطلباته، فهل كان المجتمع يحارب نفسه ويلجمها حين هاجم شرارة؟ أم أنه خاف أن يجد في هذا التناقض المرآة التي تفضحه وتعريه أمام نفسه؟
وضع المجتمع كل ذنوب الأمة برقبة هذه المخلوقة، ونسي أن رياضة القفز من الجنة إلى الجحيم هي روتين يومي في حياته، فالمسجد على بعد صلوات إبراهيمية من الملهى الليلي الذي يتذكر فيه أن لنفسه عليه حقا بعد خمس فرائض بالتمام والكمال، ثم يحدثونك عن «شرارة»!
زمن العار
إن رأيت رجلا من هؤلاء الذين يحبهم قلبك أيها المشاهد، يقسم بشرفه وعلى شاربيه، أن فلسطين مغتصبة، والدم يفور من حاجبيه قبل دموعه، صدقه، أما إن رأيت أن «شغلة» فلسطين «مطولة» وأنها تضيع بين الفتاوى، وعلامات يوم القيامة، فاعلم أن نداء شرارة لن تحرر فلسطين، كما لن يفعل محمد عساف، وأن قضية فلسطين أو الأمة أو التجنيس في الأردن لم تعقدها أو تمنع حلها هذه الفتاة، وأن من يتواطأ مع أوباما واسرائيل وثقافة الاستعمار هم من ينتقدون ويتنافخون شرفا باسم الوطنية وباسم فلسطين!
مسكينة هي «نداء»، جردوها من إسلامها، ومن وطنيتها وعروبتها، ومن موهبتها، وشرفها، جعلوا منها خائنة وعاقة ومغنواتية، نسوا طغاتهم وعصاباتهم وأعداءهم، وحروبهم الأهلية ونفاياتهم الوطنية، نسوا دواعشهم وبوسات الواوا، واللاجئين السوريين وكارثة مخيم اليرموك، ومشاكل الفقر والجهل والبطالة والعنوسة وارتفاع الأسعار وإدمان المخدرات وانتشار الدعارة ولم يتذكروا إلا نداء شرارة!
هل من العار إذن في زمن العار ألا تكون عربيا! إن كنت لا تريد أن تقع خارج الزمن أيها العربي، فإنني أطمئنك، هذا زمنك الذي يليق بك، فهل أكتفي أم أزيد؟ !
النسوية بين المسيحية والمسلمة
لو فاز علي أو حمزة لفقد البرنامج استثنائيته وتجدده، لأنهما نسختان عن الموسمين السابقين، ولو فاز علي وحمزة، لقلنا إن مجتمعنا ذكوري بامتياز، ولا يعترف بتفوق المرأة على الرجل، أما وقد فازت أنثى، فليس لأن المجتمع «نسونجي»، إنما تطرفي، فالتنافس الحقيقي يفترض أن يكون بين كريستين ونداء، فإن كان هدف البرنامج إثبات الصورة الحقيقية للأمة العربية، ودحض الفكرة الداعشية، أو القالب الفكري المتطرف الذي نتهم به، فهذا يعني أن البرنامج كان عنصريا، ما دام أصر على منح اللقب لمحجبة، وهو إذ حاول التخلص من عبء «داعش» وتهمتها اللصيقة به، وقع في محظور أشد بلوى، فكأنه يلف ويدور ليعود إلى حيث ينتمي، لأن «كريستين سعيد»، التي يفترض من اسمها وبعض الصور التي شاهدتها لها أنها مسيحية، لو كانت فازت لكان يمكن لفوزها أن يثبت للعالم بأسره أننا لسنا أمة «داعش»، أو كنا على الأقل أثبتنا ذلك لأنفسنا ورحمنا شرارة من قذف المحصنات أبشع أنواع التفجيرات في ثقافتنا العسكرية، بالتالي نعطي الأولوية للأجدر حين يتعلق الأمر بنظرة متأنية غير عاطفية إلى المرحلة المقبلة ومن هي الأكثر مقدرة على الإستمرار والمضي قدما وعدم الإكتفاء باللقب كما حدث مع متسابق الموسم الأول الذي لا نعلم إن كان لم يزل على هذا الكوكب أم أنه أصبح مخلوقا فضائيا !
عام الحزن
وعودة إلى الفقرة الأولى من هذه المقالة، فبعد أن تكاثرت الفضائيات، وتغير وجه القمر السوري، ولم يعد سطوح بيتنا في عمان منصة فيروزية لالتقاط إشارات فضائية من الجبهة الإعلامية السورية، ولم نعد نغني ونحن ندير قمرنا الفضائي القديم باتجاه جبل قاسيون: نحن والقمر جيران، فلا نحن، ولا التلفزيون السوري، كما اعتدنا أن نكون، العيد أصبح شاحبا، لا يسهل سرقته بتوصيلة «سلك» من «أنتين» العمارة المجاورة، وليس قابلا للاحتفال ولا الرقص ولا حتى لرفع الأنخاب وتبادل القبل عندما تدق الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الخراب !
لم يعد الفرح طازجا وصادقا كما كان أيام البث البدائي، كل شيء الآن سهل ومباح ومجاني إلى حد الابتذال: الحب والحرب، الجمال والخراب، الدم والورد، الطهر والعهر، الدواعش والفواحش، القبلة والقنبلة، أما الشام… فلقد راحت الشام، ولن تعود حتى لو اضطررت للسطو على سطوح بيتنا القديم لأسرق قمرة فيروز من معطف الآلهة !!
لم يعد في الموت متسع للمزيد من الجثث، ونحن على مشارف خراب جديد، فماذا تقول أيها العربي؟ عروبتك لم تعد أكثر من مسابقة تصويت، وفلسطين مجرد حب قديم، شاخت ذكراه ولم يعد بإمكانك أن تمارس معه العروبة خارج طقوس استقبال ضيوف طارئين من ريحة فلسطين على جسر الملك حسين !
هذا عام الحزن ..
كاتبة فلسطينية تقيم في لندن
لينا أبو بكر