تعودت في نهاية العام أن أتذكر حديث محمود درويش عن ضرورة التفكير في الآخرين وأهمية تربية الأمل. ومع نهاية هذا العام يبدو أن «داعش» هو الوجه الأكثر تأثيرا على الأحداث، حيث تحولت الكلمة إلى معنى تفرع عنه الكثير من التسميات والصفات المرتبطة بالعنف والقمع ورفض الآخر.
وفي عام تسيطر على لمحاته «داعش» الفكرة يبدو الحديث عن تربية الأمل للبعض نوعا من الانفصال عن الواقع، ولكن كيف يمكن أن نحيا في هذا العالم، خاصة في عالمنا العربي، ان لم تكن لدينا القدرة على تربية الأمل والبحث عن النور في نهاية النفق ونهاية عنق الزجاجة، كما تربينا اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا. بالطبع تمر الأيام ونكتشف ان الأنفاق لا تنتهي، وأن كل خريطة طريق تقودنا إلى خريطة أخرى، بدون ان نعثر على الكنز في الطرق الملتفة المحيطة بنا. ونكتشف ان الزجاجة تمتد بعنقها أكثر كلما تصورنا أننا على وشك الخروج منها. ولكننا رغم هذا لا نتوقف عن الاحتفال بكل خريطة طريق والبحث عن بصيص النور في نهاية النفق، والسماء المتسعة في نهاية عنق الزجاجة الممتد.
ومع نهاية عام سيطر عليه الموت والحزن بصور مختلفة في عالمنا العربي، نتيجة لأفعال داخلية في الكثير من الأحيان، وللأسباب الخاصة نفسها بالحفاظ على الوطن وإعلاء راية الله. تبدو الأهداف براقة ولكن الواقع بعيد عنها بمراحل. نتحدث عن قطع الرؤوس بدلا من تنمية الأرض وتربية الأجيال، نتحدث عن أطفال يحملون الرؤوس المقطوعة بدلا من أن يحملوا راية العلم والحياة. ولكن صورة «داعش» المرتبطة بخطاب العنف والموت والتكفير، لا تقتصر على «داعش» الحركه وتوجد حولنا بصور متعددة تختلف عن خطاب الحضارة التي علمت العالم، وعن خطاب وأدوات الدول المتقدمة وسعيها للمزيد من الاختراعات والاكتشافات الجديدة.
تتجاوز «داعش» الفكرة القتل المباشر باسم جماعة، إلى القتل باسم الدولة في حالات يسيطر فيها العنف بوصفه آلية للتعامل مع الناس. أما البحث عن الغطاء الخاص بالعنف وترويجه، والكراهية وتقنينها فهو ممتد أيضا من خطاب تنظيم «داعش» الذي يستند إلى رؤيته للدين، لخطاب السلطة الذي يستند إلى رؤيته للأمن وكيفية حماية الدولة.
عام شهد نضوج خطاب التفويض في مصر وينتهى بالحديث عن التفويض في تونس، وهي تبدأ عهدا سياسيا جديدا يرى فيه البعض النموذج الناجح للثورات العربية، ولكن الواقع هو القادر على إثبات صحة هذا الحكم من عدمه، لأن سنوات الثورات العربية تؤكد أن المقدمات لا ترتبط بالنتائج، وأن فرحة الشعوب مثل الأشخاص قد تكون صعبة التحقق وقصيرة الأجل وسهلة الغياب.
المهم أن البحث عن الشرعية وتقنين الكراهية والقتل لا يتوقف عند حدود «داعش»، ولا يقتصر على خطاب الدين، ولكنه يمتد لكل الأفكار والقيم النبيلة التي يمكن ان تجعل وزارة الحب، هي الجهة المنوط بها القتل والتعذيب وإلغاء شخصية كل من يفكر ويعترض.
في عام «داعش» يمتد خطاب التكفير باسم الدين وباسم الدولة، وإن اختلفت التفاصيل. فالتنظيم الديني الطابع يحتكر الصواب من وجهة نظره في ما يتعلق بالدين وممارسته، ويكفر من يخالف تلك الرؤية حتى داخل الدين نفسه. وفي داخل السلطة نجد من يحتكر خطاب الوطن ورؤية الأمن وكيفية تحققه ويكفر أو يعاقب بقسوة كل من يعارض أو يختلف مع تلك الرؤية. يتحول التكفير باسم الوطن إلى نظرة «داعش»ية، ما لم تكن هناك قواعد قانونية وأساليب تقاض عادلة وأسس محاسبة ومساءلة واضحة وحقيقية. وتتحول رؤية أحمد زكي عن الأمن والدولة في فيلم «زوجة رجل مهم» إلى سلاح تكفير، لأن الحق هو ما يراه، وأمن الوطن ما يعتقده، أما الموت والظلم والتعذيب فمجرد أضرار جانبية وثمن طبيعى – من وجهة نظره- لحماية الوطن.
يغادرنا العام والجدل مستمر في مصر حول قانون التظاهر الذي يصدر أحكاما بالسجن وغرامات مالية تتجاوز ما يصدر بحق نظام الرئيس الأسبق مبارك في قضايا تتعلق بالقتل والفساد والإفساد واستغلال النفوذ وسرقة المال العام.. يغادرنا العام وسط حديث عن إسقاط العقوبة عن رجل الأعمال الهارب ممدوح إسماعيل صاحب «عبارة السلام 98 « التي غرقت عام 2006 وراح ضحيتها أكثر من ألف مصري، بدون محاسبة، وبقرار يثير العديد من التساؤلات القانونية قبل التساؤلات المرتبطة بالعدالة والمحاسبة.
يمتد «داعش» حولنا وهو يخاطب الرغبة في السيطرة والتحكم والقمع لدى كل فرد بذاته، ويعيد اختبار تجربة سجن ستانفورد التي تم تنفيذها عام 1971 في جامعة ستانفورد، من أجل اختبار الأثر النفسي للبيئة المحيطة بالفرد على سلوكه، وتأثير البيئة الشريرة على الفرد الطيب، وهل تنتصر الطيبة أم يسود الشر. التجربة التي خطط لها أن تستمر لمدة أسبوعين، توقفت بشكل نهائي بعد ستة أيام فقط بسبب التطورات التي حدثت للطلاب المشاركين. فبعد أن تم تقسيم الطلاب إلى سجناء وسجانين تحول السجانون إلى أشخاص ساديين والسجناء إلى أشخاص محبطين.
بدوره يحول «داعش» المجتمع المحيط به إلى سجن ستانفورد، وربما اكتشف شخص ما أن جاره أو صديقه الطيب قد تحول إلى قاطع رؤوس أو جاسوس يبلغ عنه، لأنه وفقا لكتاب «داعش» في الحكم لا يمثل الشكل المقبول للإسلام أو المسلم. كما أن خطاب الكراهية والتخوين الممتد في الخطاب الرسمي والإعلامي يتحول إلى وسيلة فرز مستمرة بين السجين والسجان، خاصة مع تشجيع عمليات التجسس والإبلاغ، بوصفها دليل الشرف والوطنية، وهو ما يحول الواقع إلى سجن كبير يعاني فيه البعض من الاحباط، ويعاني فيه البعض الآخر من السادية. ولكن في حين كان لدى العلماء القدرة على إنهاء تجربة السجن بعد ايام، ليس لدينا هذه القدرة في الواقع، حيث المعركة أكثر تعقيدا ومشاعر الاحباط والسادية يمكن لها أن تتعمق وتنتشر بفعل العدوى والتربية وسط مناخ الكراهية. تزرع «داعش» تعريفها للإسلام والجهاد من خلال أطفال يحملون الرؤوس المقطوعة، وتزرع النظم أفكار «داعش» عبر تربية السادية والاحباط من خلال خطاب عاش الملك وماتت الثورة.
يفرح «داعش» في نهاية العام بما يراه انتصارا في معركته ضد العالم وقدرته على الاستمرار، فيهدد ويتوعد بالوصول إلى أوروبا. وتفرح النظم بتقارير عن انتهاكات في الغرب وكأنها أثبتت بهذا أنها تعيش في عالم من الديمقراطية والانجازات الحقيقية. في الوقت الذي يتم فيه التجاوز على إنجازات الغرب نفسه والأعداد التي تحاول الوصول إليه وتموت، وهي في رحلات شديدة الخطورة من أجل أن تغادر عالم «داعش» بكل صوره قبل أن يظهر بينهم «داعش»ي جديد يرى في ديار الغرب عالما من الكفار، كما حدث في عملية احتجاز الرهائن في استراليا.
يتجاوز خطابنا، وهو يركز على السلبيات التي تظهرنا في صورة أفضل، أن الغرب نفسه متنوع مثل عالمنا العربي نفسه. منه من استخدم خطابا عنصريا بعد حادث احتجاز الرهائن، ومن دعم مسلمة في طريق عودتها بعد الحادث حتى لا تتعرض إلى مضايقات، ومن دشن حملات لدعم المسلمين في الأيام التالية للتأكيد على الترحيب بهم وتجنب شعورهم بالتهديد. يتم التجاوز عن أخبار صغيرة رغم عمق معناها، مثل قرار مدينة في الأرجنتين حظر مسابقات الجمال لأنها تقوم على التمييز وتعامل المرأة بوصفها سلعة وتغير مفهوم الانجاز. نتجاوز عن افتقاد المعنى العميق لإيجابيات كثيرة في الألوان المختلفة لنا ولغيرنا لأننا نرغب في أن نكون أفضل عبر إبراز سلبيات الاخرين وتجميل القبيح.
في نهاية العام الذي تسقط أوراقه سريعا لا تسقط أوراق «داعش» وجودا وفكرا بالسرعة نفسها، ويبدو أنها ستظل لفترة. ومع نهاية العام سنشهد الحديث عن الانجازات وخطب الزعماء لدى «داعش» ولدى كل «داعش»ي يحتكر الحقيقة. سيتوقف البعض أمام أحاديث الخليفة، ويتوقف البعض أمام أحاديث الزعيم.. وفي كل الحالات تتعمق اشكاليات التعايش مع الحياة ويدفع الناس الثمن. ولكن يظل من الضروري التأكيد على أن كسر حالة سجن ستانفورد والتخلص من مناخ «داعش» لا يتم بدون تربية الأمل واشعال شمعة في ظلام الأنفاق التي لا تنتهي للتخلص من ثنائية السجين والسجان.
٭ كاتبة مصرية
عبير ياسين