عبد الرشيد محمودي يناقش محنة الفلاسفة في الأندلس

حجم الخط
0

 

يتخير الكاتب الروائي والباحث عبد الرشيد محمودي الأصعب والأعـــــمق، فيـــنأى عن المتداول والمطــــروق من الأفكار والقضايا ويمــــنح العقل فرصة أكبر للتفاعل والاشتباك. ويرى أن جل الحراك الفكري وجوهرة يكمن دائما في المضمون مهما اختلفت مراميه ظاهره منها وبواطنه.
ففي كتاباته المتباينة السابقة لم يخرج الكاتب عن هذا النسق التفاعلي بينه وبين القارئ، سواء في الإبداع الروائي كما في روايته «بعد القهوة»، أو كتابه «طه حسين بين السياج والمرايا» الذي قدّم من خلاله تفسيرا وافيا للنهج الفكري والنقدي عند طه حسين، وردود الأفعال التي أحدثها أدبه على مستويات عديدة في مراحل مختلفة.

الفلسفة الإسلامية ودورها التنويري

وفي سياق ذي صلة بتجليات الإبداع الفكري وزوايا التنوير وإضاءات العقل، يأتي كتابه الأحدث «فلاسفة الأندلس.. سنوات المحنة والنفي والتكفير» الصادر عن الدار المصرية اللبنانية، متضمنا ثلاثــــة من الفلاسفة الكبار، ابن باجـــة وابن طفــــيل وابن رشد، في محاولة لإعادة قراءة الفلسفة الإسلامية مره أخرى، ومنحها ما تستحقه من مجهودات البحث والدراسة، لدحض مزاعم المستشرقين الذين يرون أنها مجرد نسخ مشوهة من مذاهب يونانية ليس لها حظ من الأصالة والابتكار، وهو ما ترتب علية رواج شائعة خطيرة تعمل على تهميش دور الفلسفة الإسلامية بافــــتراض أن الأولوية صارت لعلم الكلام والتصوف، أما الفلسفة ذاتها فقد بات أمرها متروكا لبعض المستشرقين، الذين يترجمونها ويشرحونها بلغاتهم ويصدرون عن الفارابي وابن رشد وابن ســينا أعمالا تمثل مرجعية مهمة لا نظير لها في دوائر البحث العربية وهي مفارقة جـــد عجيـــبة وخطـــيرة! وعبر عناوين ذات دلالة يستعرض كتاب «فـلاسفة الأندلس» العديد من الأفكار والطــــروحات والمحاور، تقود كلها إلى الفكرة الرئيسة المستهدفة، وهي عمق الفلسفة الإسلامية وتأثـــيرها الإيجــــابي في العقل الجمعي ودورها في حـــركة التنوير العالمية، ويركز على المفارقة المثيرة وهي غربة الفلسفة الإسلامية في المجتمع الإسلامي كاشفا من جديد عن القضية ذاتها التي شغلت فلاسفة الأندلس الكبار.

القارئ العربي والفلسفة الإسلامية

ويشير الكتاب الذي يقع في 196 صفحة من القطع الكبير إلى الفجوة المعرفية بين القارئ العربي وتاريخ الفلسفة الإسلامية، لاسيما المرحلة الخاصة بفلاسفة الأندلس الثلاثة المشار إليهم، ابن باجة وابن طفيل وابن رشد، وهم من كانوا متقاربين زمنيا ومترابطين فكريا، فقد كان ابن طفيل واسطة العقد، أخذ العلم عن ابن باجة وتأثر به واشتبك معه نقديا في قصة حي بن يقظان، كما كان ابن طفيل راعيا لابن رشد ومزكيا له وهو جوهر التوافق الفكري بين أقطاب الفلسفة الإسلامية الثلاثة الذين نحوا نحو إدراك الحقائق وأسسوا منهاجهم على العقلانية والتحليل. ومن بين المحاور الرئيسة التي وردت في الكتاب المهم محورا وضعه الكاتب تحت عنوان «الأخلاق في ظل التوحد» وأكد فيه على حرص ابن طفيل تضمين مسيرة حي بن يقظان لفلسفة كاملة تشمل جانبا عمليا وأخلاقيا، بالإضافة إلى الجانب العلمي النظري وهو الجانب الذي أهمله الباحثون وأراد عبد الرشيد محمودي أن يكون له حيز مهم في دراسته الاستثنائية المتعمقة كنوع من التوثيق.
وتحت عنوان «الفيلسوف المقاتل» يورد صاحب الدراسة ما يثبت أن ابن طفيل هو الذي قدم ابن رشد للخليفة الموحدي أبي يعقوب يوسف، وأشار عليه أن يكلف الفيلسوف الشاب بشرح أعمال أرسطو، وهو ما فعله ابن رشد على نطاق واسع وأصبح بفضلة جديرا بلقب الشارح الأكبر للمعلم الأول، ولابن رشد أتباع وتلاميذ في فرنسا فباريس كما تقول الدراسة هي مهد الرشدية اللاتينية التي ظهرت بين أساتذة وطلاب كلية الآداب في جامعة باريس في القــــرن الثالث عشــر الميلادي، ثم انتقلت في القرن الرابع عشر إلى بعض مدن الشمال الإيطالي، وكانت لها امتدادات في مدن أوروبية أخرى، وقد استمر نشاط الرشديين اللاتينيين طيلة ثلاثة قرون وحتى مشارف العصر الحديث.

٭ كاتب وناقد مصري

عبد الرشيد محمودي يناقس محنة الفلاسفة في الأندلس

كمال القاضي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية