عدوان غزة واتفاق المصالحة

حجم الخط
0

لم يلبث صهيل معركة الاحتلال الإسرائيلي ضدّ قطاع غزة أن ارتدّ خائباً في «بنك أهدافه»، خلا جرائم متراكمة بحق الشعب الفلسطيني، حتى علا صوت الانقسام مجدداً بين حركتي «فتح» و»حماس»، متجاوزاً ما تم توقعه مؤخراً نحو اجترارّ مشاهد خلافية تشي عن وهن أسّ اتفاق المصالحة في تثبيت دعائم الوحدة الوطنية، وبناء قاعدة جمعية مضادّة لمساعي المحتل استلاب الأرض والتاريخ معاً.
وتنقل التجاذب الإعلامي الحادّ بين الطرفين، منذ حادثة «خطف» المستوطنين الثلاثة، في 12 تموز/ يوليو الماضي، وما تلاها من حيثيات عدوان الاحتلال في الضفة الغربية ومن ثم قطاع غزة، بين عناوين المسؤولية عن الاختطاف والورقة المصرية الأولى، وتالياً اتفاق «وقف إطلاق النار»، وتجاوزات كلا الحركتين ضدّ الأخرى وشرعية عمل حكومة الوفاق في غزة، قبل أن تحط مفاعيلها عند قضية الرواتب، بدون أن تجدّ حلولاً حاسمة في خانة جهود إنهاء الانقسام.
ولأن عناوين الخلاف تخفي تغايراً بينياً حاداً؛ فقد طفح على السطح عند رفض «حماس» الورقة المصرية الأولى، لعدم تلبيتها شروط المقاومة في وقف العدوان وفك الحصار وإعادة اعمار غزة، وشمولها فقط، بحسب الحركة، وقف إطلاق النار مع ترحيل القضايا الأخرى، بدون ذكرها صراحة، للتفاوض في ما بعد، خلافاً للاتفاق اللاحق الذي تم التوصل إليه، بوساطة مصرية، وجاء وفق موقف فلسطيني موحد وانعكاساً لمعادلة المقاومة في الميدان ضدّ الاحتلال، بينما رأت «فتح» تماثلاً في الاتفاقين، وانتقدت موقف «حماس» من رفض الأول والقبول بالآخر، بعد تكبيد الشعب الفلسطيني زهاء 2140 شهيداً و10 آلاف جريح و35 ألف منزل مدمر تدميراً كاملاً أو جزئياً، و360 ألف مشرد جراء العدوان.
وقد احتدمّ التلاسن الحادّ بين الطرفين لدى اتهام «فتح» حركة «حماس» باستهداف كوادرها في غزة خلال العدوان وتعريض حياتهم للخطر، مقابل اتهام «حماس» أجهزة أمن السلطة بالاعتداء على العشرات من مناصريها، خلال مهرجانات نظمتها في الضفة الغربية احتفالاً بنصر غزة.
وبلغ الخلاف أشدّه عند اتهام السلطة لحركة «حماس» بعرقلة عمل حكومة الوفاق الوطني، التي تشكلت بعد مخاضّ عسير، في 2 حزيران/ يونيو الماضي، ومن ثم تأكيد الرئيس محمود عباس، في 6 أيلول/سبتمبر الحالي، «عدم قبول السلطة لأي شراكة مع «حماس» إذا لم تقبل الأخيرة بدولة فلسطينية واحدة وسلطة واحدة وقانون وسلاح واحد»، ما قابلته «حماس» بدعوتها إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة إزاء «فشل حكومة التوافق الحالية في معالجة الأزمات الداخلية»، وإصرارها على أن تكون طرفاً في عملية إعادة الاعمار وإدارة المعابر، وهو الأمر الذي ترفضه السلطة باعتباره جزءاً من مهام الحكومة.
وقد حضرت تجليات الخلاف، مؤخراً، في أزمة رواتب موظفي الحكومة المقالة في قطاع غزة، الذين عينتهم «حماس» سابقاً ويقدر عددهم بين 40 -50 ألف موظف، والتي لم تهدأ حتى اليوم، إزاء إلقاء كل من الطرفين مسؤولية دفعها على الآخر.
وإذا كانت فتح قد بادرت الى تشكيل لجنة خماسية للحوار مع «حماس» حول مختلف القضايا بهدف ترسيخ الوحدة الوطنية وإزالة العقبات أمام إنهاء الانقسام، وتثبيت أسّ الاتفاق الأحدث بين الطرفين، الذي جرى توقيعه في 23 نيسان/ إبريل الماضي، بعدما اسّتل موقعه المغاير من مأزق الطرفين الحرجّ الذي قارب حدوداً غير مردودة، فإن التساؤل يدور حول مدى إمكانية تذليل مواطن خلاف أساسية أبعد ما تكون عن مجرد مسائل وقتية قد تجد تكييف منفذها في اتفاق آنيّ بين الطرفين، إذ تطلّ قضية التنسيق الأمني بين أجهزة السلطة والاحتلال برأسها الثقيل على أفق الاتفاق البينيّ، نظير انتقاد «حماس» لمضيّ السلطة في ما جرّه (التنسيق) من عذابات فلسطينية وإضرار بالمصالحة، مقابل انتقاد ما تسبب في إيذاء الشعب الفلسطيني، واعتباره (التنسيق) «ليس عيباً، بل من مصلحة السلطة لحماية الشعب الفلسطيني»، بحسب كلمة الرئيس عباس أمام مجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي خلال اجتماعهم بجدة في 18 يونيو الماضي، التي جاءت على خلفية التنسيق مع الاحتلال حول حادثة خطف المستوطنين الثلاثة، قبيل إيجاد جثثهم.
وتبعاً لذلك؛ يكون التنسيق الأمني لأجهزة السلطة مع الاحتلال مسألة بديهية وتحصيلاً لموقع السلطة من الرؤية الإسرائيلية باعتبارها جزءاً من فرض الأمر الواقع الذي يحرص الاحتلال على ديمومته واستتباب مساره في الأراضي المحتلة.
ولم يشفع الإدراك الفلسطيني لخطورة الأهداف الإسرائيلية الكامنة خلف التصعيد الأخير، في تشكيل حالة التفاف جمعي حول استراتيجية وطنية موحدة لمواجهة عدوان الاحتلال وجرائمه المتواصلة ضدّ الشعب الفلسطيني، إزاء ما يعتقده فعلاً بعيداً عن ضغط المساءلة نظير الانحياز الأمريكي المفتوح له، وانشغال الدول العربية بقضاياها الداخلية والتفاعلات المصاحبة للأحداث والمتغيرات الجارية في المنطقة، منذ زهاء الأربع سنوات تقريباً.
ويستترّ وراء مصدر القلق الإسرائيلي من وحدة وطنية فلسطينية من شأنها كسّر الأمر الواقع الحالي، وعرقلة مشروعه في الضفة الغربية المحتلة التي يريدها مقسّمة الأوصال بين «دولة»، زهاء 631 ألف مستوطن اليوم، يسعى إلى زيادتهم للمليون مستعمر خلال الأعوام القليلة القادمة، ضمن نحو 62٪ من مساحة الضفة في المناطق المسّماة «ج» والغنيّة بالإمكانيات الاستثمارية والاقتصادية والزراعية، إلى جانب حكم ذاتي فلسطيني، باسم سلطة أو حتى دولة، ضمن الأجزاء المقطعة الخارجة عن يدّ الاحتلال، معنيّ بالشؤون المدنية والحياتية للسكان، خلا السيادة والأمن الموكولتين للاحتلال، مقابل غزة معزولة بدولة ونظام مستقلين، وفق تحذير مسؤولين فلسطينيين، غداة قضمّ المساحة المخصصة لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967، وإخراج القدس من مطلب التقسيم.
ويقف تباين البرنامج السياسي حجرّ عثرة أمام تنفيذ اتفاق المصالحة عند الإيغال بعيداً في تطبيقات لجنة تفعيل وتطوير منظمة التحرير، التي تستهدف دخول حركتي «حماس» و»الجهاد الإسلامي» تحت مظلتها، إزاء استلال «حماس» للمقاومة المسلحة، وعدم الاعتراف بالكيان الصهيوني، وتحرير كامل فلسطين التاريخية، وسعيها لإيجاد برنامج وطني جامع، وفق أسّ المقاومة بشتى أشكالها، للمرحلة المقبلة، مقابل أخذ «فتح» بمسار التفاوض خياراً استراتيجياً أوحد، وبالمقاومة الشعبية السلمية فقط ضدّ عدوان الاحتلال.
وبينما تطالب «حماس» بإبقاء سلاح المقاومة دونما مساس، مع دمج أفراد الشرطة والأمن في قطاع غزة ضمن إطار الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة، إلا أن الأخيرة صرحت أكثر من مرّة بأن الدولة المنشودة ستكون منزوعة السلاح. ويدخل في هذا السياق تباين منظور الحركتين حيال تفسير بنود اتفاق المصالحة، والمغزى المستفاد من مضمونه، الذي قُدّر له التغلغــــل في مفاصل عمل الحكومة، وربما في مسارها أيضاً، فيما ما يزال الخلاف يراوح مكانـــه حول طبيعة الحكومة نفسها؛ فبينـــما ترى «فتح» أنها ستكون «ملتزمة بالـــتزامات السلطة والاتفاقيات الموقعّة وبالبرنامـــج السياسي الذي أقرته مؤسسات منظـــمة التحــرير»، ما يعني الالتزامات المبرمة مع الكيان الإسرائيلي والاعتراف به، فإن ذلك الأمر «مرفوض كلياً» بالنسبة إلى «حماس»، التي تجدّ في الحكومة «مرحلة انتقالية لأداء مهام معينة وفق سقف زمني متفق عليه مسبقاً»، بستة أشهر.
وفي المحصلة؛ فإذا كانت الهجمّة الإسرائيلية المحمّومة ضدّ الشعب الفلسطيني تستهدف إعاقة المصالحة حدّ إفشالها، فإن حساب عنصر الزمن، الذي يعدّ عند كثيرين التحديّ الأكبر أمام إنجازها، قياساً بسقفه وديناميات سرعته، لا يستقيم، مهما طال أو قصر، مع ملفات داخلية شائكة تم تأجيلها من مشاهد «توافقية» سابقة، وفي مقدمتها الأمن ومنظمة التحرير والانتخابات، التي يرتبط الاحتلال بها، بشكل أو بآخر، ما لم تتوفر الإرادة الجادّة لتغليب هدف تحقيق وحدة وطنية تشكل أسّ مرحلة التحرر الوطني من الاحتلال.

٭صحافية وباحثة من الأردن

د. نادية سعد الدين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية