عزل اليمين المتطرف ليس مجدياً

حجم الخط
0

الفاشية خارج زمانها ليست الفاشية. إنّها شيء آخر. علاقة اليمين المتطرّف في البلدان الأوروبية مع الفاشية هي تحديداً مع هذا الشيء الآخر. هي علاقة ملتبسة، مزدوجة: نوستالجيا وتبرؤ، في الوقت نفسه، من الفاشية التي مضت.
تختلف حال اليمين المتطرف في اوروبا من بلد إلى بلد، يتفاوت بعدها أو قربها عن المأثور الفاشي بحسب جملة عوامل، ليس أقلّها توطّد النظام الدستوري التعددي أو حداثته أو هشاشته. عندما يكون الحزب اليميني المتطرف حزباً انتخابياً صرف، حزباً لا يتيح له النظام الدستوري التعددي اقامة تشكيلات قتالية أو دفاعية ذاتية، من الصعب تصنيفه فاشياً. هذا حتى لو رفع الحزب نفسه راية الفاشية ذاتها، فكيف الحال ان كان منها يتبرأ، بل ولا يعد نفسه يميناً متطرفاً على ما يقوله قادة «الجبهة الوطنية» في فرنسا اليوم؟
هذه الجبهة معادية للسامية، مصابة برهاب الإسلام، برهاب المهاجرين، برهاب المثلية، عنصرية، رجعية، لكن كل ذلك لا يجعلها فاشية، ما دامت لا تملك تشكيلات تعبوية – قتالية موازية. هذه التشكيلات ليست نكهة يمكن استحسانها أو لا في الفاشية. إنها لبّ الفاشية. مع فارق كلاسيكي بين التجربتين الفاشية الايطالية والقومية الاشتراكية الالمانية بعد الاستيلاء على السلطة: موسوليني حاول سريعاًً ترويض التشكيلات القتالية السكوادرية، بل تفكيكها، في حين أعملت قوات «الوحدة الوقائية» (اس.اس) السكاكين الطويلة بقوات «كتيبة العاصفة» (اس.ا) في المانيا، لصالح نظام الاس.اس، لا الحزب ولا الفوهرر، بالدرجة الاولى.
في بلدان اوروبا الشرقية، واكثر في الجمهوريات السوفياتية السابقة، وتحديداً في اوكرانيا، يقترب اليمين المتطرف كثيراً من المأثور الفاشي ما دام يتدرّب ويتسلّح في تشكيلات حربية، تستعيد ذكرى جيش التحرير الاوكراني الذي قاده ستيبان بانديرا ضد السوفيات إلى سنوات عديدة بعد اندحار راعيته السابقة، المانيا النازية. أما في اوروبا الغربية فإنّ التعامل مع أحزاب اليمين المتطرف على أنها «فاشية جديدة» هو إسقاط في غير محلّه. في أيام كفاح اليمين المتطرف الفرنسي من أجل استدامة «الجزائر الفرنسية» كان هذا اليمين يتخذ بالطبع منحى فاشياً، ما دام يتوسّل التعبئة العنيفة. لكن، مهما بلغت درجة إسلاموفوبيته وعدائه للمهاجرين حالياً، وبالتالي رفضاً لـ»فرنسا الجزائرية» التي يطاردها كالكابوس، فإنّه لن يكون فاشياً ما دام يقتصر في تنظيمه على الحزبية الانتخابية، ولا ينادي لأخذ الحق من «فرنسا الجزائرية» هذه بالذراع، انما ضمن سعيه للوصول الديمقراطي إلى السلطة.
ستردد حينها المعزوفة اياها، بأن ادولف هتلر وصل إلى السلطة بالانتخابات. نعم، الحزب النازي وصل بالانتخابات، لكنه وصل كحزب يمتلك آلة تعبوية تشتمل على تشكيلات قتالية تمرّست في حروب الشوارع ضد الشيوعيين والاشتراكيين في المانيا العشرينيات، وكحزب يضم نسبة مرتفعة جداً من المحاربين في الحرب العالمية الأولى. ليس سليماً الافتراض بأن جان ماري ومارين وماريون لوبين، وكل العائلة والشلة، يخبئون تشكيلات دفاع ذاتي وقوات شبه نظامية للصدم والتدخل السريع إلى حين ميسرة. نعم، التحقق من الحياة الديمقراطية الداخلية في أي حزب سياسي هو من شروط الديمقراطية السياسية القائمة على التنافس بين الأحزاب، ولا يزال هناك ما ينبغي متابعته في أسلوب صنع القرارات والتوجهات داخل حزب الجبهة الوطنية، وعلى صعيد اليمين المتطرف الانتخابي في اوروبا الغربية بشكل عام، لكن ليس ثمة في حال فرنسا، أجندة أمنية حزبية خاصة ترمي إلى فرض الرأي بالعنف الشوارعي الموجّه. ليست ثمة حزب يقول للدولة: ان كنت لا تستطيعين المواجهة ضمن دستورك وقانونك، انا سأتولاها بنفسي، بتشكيلات قتالية لحماية المجتمع.
لا يلغي ذلك خطورة اليمين المتطرف. ديماغوجيته لا تعني انه لا يعني ما يقوله من تصريحات ضد الإسلام والمسلمين والمهاجرين والحريات العامة والخاصة. بل تعني أنه يستفيد من الشيطنة المنهجية التي تمارس ضده. فمن جهة، هذه الشيطنة تعفيه من محك المسؤوليات، تشريعية أو تنفيذية أو في المحليات، ويضمن بذلك الاستفادة دائماً من أزمات أخصامه. ومن جهة ثانية، هي شيطنة بالكاد تخفي ان اليمين المتطرف بات مصدر البدائل السياسية والاجتماعية والثقافية المقترحة على أحزاب «الاستبلشمنت»، بحيث ان غرض اليمين واليسار الوسطيين يصبح من ثمة الاستيحاء الجزئي والمحدود من عرائض اليمين المتطرف. الشيطنة تضطر اليمين المتطرف الانتخابي إلى تغليف وتحسين شعاراته أيضاً، بحيث تصير الشيطنة نفسها غير مقنعة مع الوقت. وأكثر، هي توحي بأن لليمين المتطرف بدائل تغييرية جذرية جاهزة شاملة لا تنتظر إلى وصوله إلى السلطة حتى تطبق. وهذا وهم، بالمعايير التنفيذية أزمة اليمين المتطرف لا تقل – إذا وصل إلى السلطة، عن أزمة اليسار واليمين المتداولين للسلطة.
الدعوة في معقل اليسار الفرنسي تحديداً لابدال المعركة السياسة والاجتماعية بمعركة ايديولوجية، ثقافية، قيمية، باسم «الجمهورية» ضد يمين متطرف فترت فيه الخصومة مع الجمهورية جيلاً بعد جيل، هي دعوة تماثل بين الجبهة الوطنية وبين الفاشية للايحاء الكاذب بأن فرنسوا اولاند مثلاً هو ليون بلوم على رأس الجبهة الشعبية. لا الجبهة الوطنية فاشية، ولا اليسار الفرنسي الحاكم هو الجبهة الشعبية في الثلاثينيات. اسقاط عناوين فترة ما بين الحربين العالميتين على احزاب اليوم يحرف النقاش عن مساره المجدي.
الخروج من عقلية عزل اليمين المتطرف، اتاحة المجال لاحزابه لنيل التمثيل السياسي، والمشاركة في التداول على السلطة، من شأنه أن يعرض هذا اليمين جدياً لما ظل يتجنبه: ان يوضع امام اختبار عقلاني عملي ملموس. ان يتطبع. ان يفسد.

٭ كاتب لبناني

وسام سعادة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية