لا يمكن فهم الألفية الثالثة بمنطق بدايات الألفية الثانية ولغتها الاستعمارية، وأكبر دليل على ذلك إخفاق تجارب التنمية المستقلّة ومحاولة تصدّي بعض الدول إلى اقتصاد الأوامر الفوقية وعجز الاقتصادات النامية أو المتحوّلة أن تنأى بنفسها عن تأثيرات الاقتصاد المُعولم في الوقت الذي أضحى فيه صندوق النقد الدولي شاملا للعالم بأسره إلى جانب مجموعة البنك الدولي وتعاظم دور منظمة التجارة العالمية، لتتكفّل مجتمعة بفرض الشروط والاملاءات على الدول الضعيفة اقتصاديا ومن يرفض مثل هذه الأوامر الفوقية والتسلّطية يقع في براثن التهميش والتضييق الدولي المُمنهج. فمثل هذه المؤسسات الدولية التابعة للقوى الكبرى ذات الطموح الامبريالي هي التي كرّست الاستعباد الدولي للمسلمين وممتلكاتهم وتواصل سلب كرامة الدول واستغلالها بالتضييق على الاقتصادات الوطنية وذلك باغراقها بالديون تحت مظلّة الإقراض ما يؤدي في المحصّلة إلى إحكام السيطرة على اقتصاداتها ومصادرة قرارها السياسي والاقتصادي لحساب الشركات والبنوك متعدّدة الجنسيات عابرة القوميات خدمة للمآرب السياسية للقوى الكبرى صانعة الامبريالية العالمية ما يجعل الحديث عن انتهازية دول بعينها أمرا مشروعا. في الوقت الذي لم يعد معنى الانصاف الدولي سوى وجهة نظر ضمن الصّراع والتّنافس الذي يحكم العلاقات الدولية.
تتّضح حينئذ حاجتنا المُلحّة في استثمار مكتسبات الحداثة الحضارية والمادية التقنية والاستفادة قدر الامكان من المكتشفات العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية وادراك أنّ تعظيم القدرة الاقتصادية والتكنولوجية هي ركيزة الأمن القومي وفق استراتيجية تكامل عربي اسلامي بعيدا عن نظريات الانكماش حول الذات الحضارية الرافضة لمنتجات العلم والحضارة أو الانغماس الأعمى في لعبة الأمم والسقوط في براثن العولمة وعبوديتها دون الاستفادة من فرصها المختلفة ورسم رؤية استراتيجية للاندماج في البيئة العالمية الجديدة والمتجدّدة والبحث عن موقع التكافؤ والندّية.
فمن الواضح أنّ العقدين الأخيرين يؤكدان أنّ موجة العولمة قد عملت على تعميق تبعية الدول الفقيرة للدول الغنية وعزّزت هيمنة الدول ذات الاقتصاد المتفوّق بين شمال يزداد غنى وجنوب يزداد فقرا، ولم تعد أسئلة الأمس التي طرحناها حول امكانية أن تصُبّ العولمة في سياق تحرير طاقات الشعوب وقدراتها والمجتمعات وفاعليتها في تيه من الجواب مع اتّضاح ملامح النظام الدولي الجديد الذي نظّر له أمثال برنارد لويس وصموئيل هتنغتون وفوكوياما ومورافيتش و بول كندي و توفلر وغيرهم من الذين دفعوا باتّجاه هيمنة الليبرالية الجديدة شعار الرأسمالية المتأخرة وإن نبّه بعضهم في لحظة ما الإدارة الأمريكية بأهمّية الابقاء على الهوية الحضارية المشتركة ودعا هنتنغتون عام 1975 في تقرير عن تطوّر الولايات المتحدة بعنوان « أزمة الديمقراطية « أن يكفّ الغرب بشقّيه الأمريكي والأوروبي عن دعوى كونية القيم التي يقول بها والبحث عن القواسم المشتركة مع الحضارات الأخرى لأنّها أفكار مضلّلة وخطيرة النتائج ولا فائدة ترجى منها عندما قال بوضوح : «انّني أعتقد في سموّ القيم الغربية وضرورة حماية هويتنا وأعتقد أيضا في ضرورة الدفاع عن حقوق الانسان ونشر القيم الليبرالية ولكن يجب أيضا أن نكون واقعيين، فالغرب لم يعد يهيمن على العالم مثلما كان الأمر غداة الحرب العالمية الأولى، فالحضارة الاسلامية على وجه الخصوص تشكّل كتلة أيديولوجية مثل الصين عصيّة تستدعي منّا أن نتخلّى عن كلّ ادّعاء بكونية قيمنا ويجب أن نقرّ بأنّ حضارات كبيرة كالحضارتين الصينية والإسلامية تبحثان عن أسباب القوّة والمناعة حسب وتيرتهما وتوجّهاتهما الخاصة وكلّ رغبة في أن نفرض عليهما تغييرا في النّظم من الخارج إنّما هو عمل غير مرغوب فيه وغير ممكن وعلينا في المقابل أن نبحث عن السُّبل التي تحمي مصالحنا من خلال تدعيم جانب النخب المحلية في هذه البلدان «.
لقد استوعب الغرب جيّدا مسألة دعم النخب المحلية فعمل على أن تبقى الدول العربية تحت سلطة طغاة فاسدين وضمِن أن يكونوا أصدقاء وليس معادين الأمر الذي أنتج لدينا معوّقات مواطنة حقيقية ضمن أنظمة الحكم، فعندما تُحتكر الدولة لصالح نخب معيّنة، البلديّة أو الحاضرة والسّاحل على حساب نخب الوسط والجنوب والشمال الغربي لا يجوز الحديث عندئذ عن صفة المواطنة ومعطى الحوكمة أو الديمقراطية خاصّة وأنّ شرذمة من الفاسدين استمرؤوا الدولة والشعب، يُثقلون كاهل الدولة بالنّهب والسّلب وكلّ ما يقدّم من منح وقروض ومساعدات سرعان ما يختفي في صفقات فساد غير مشروعة تشرف عليها النخب الحاكمة التابعة والذليلة معمّقة بذلك الخذلان والعمالة.
إنّ الأمر يتعلّق حينها بتهذيب العلاقات الإنسانية بعد أن طغت ثقافة المراهقة وانتشرت في العالم بأكمله ممّا جعل الحاضر مقلقا وبائسا ولا يكفّ عن كونه نسيجا من الاقصاءات والصراع المحتدم ما يجعل الظلم الأكثر خطورة ليس مادّيا إنّما أخلاقيا، فهو لا يقاس بالدولارات بل بسُلّم معايير القيم الإنسانية.
هكذا حقّق الغرب رفاهية محلية في حين عمّم البؤس في كثير من بقاع الأرض بفعل الأنانية والغطرسة، فعندما يغيب الانساني ويكون التقدّم مادّيا وتقنيّا فقط فإنّه يعتبر تراجعا بمعنى آخر، وقد لا يعفي أحدا من همّ التفكير في تداعياته.
٭ كاتب تونسي
لطفي العبيدي