عسكر ومشايخ ومثقفون

تمتع الملك ألفونسو الثالث عشر بحاشية على كفاءة عالية، فالوعد الذي بذله الملك لأحد الأطفال المغاربة في مدينة مليلة الخاضعة، إلى اليوم، للسيطرة الإسبانية بأن يضمه للجيش عندما يبلغ السادسة عشرة من عمره، جرى تنفيذه في الموعد المحدد.
صحيح أن انتماءه إلى أسرة أمازيغية عريقة ووالدته لأحد الزعماء المحليين، كان يسهل مسألة التواصل مع العرش الإسباني لمتابعة تنفيذ الوعد الملكي، إلا أن ذلك لا ينفي أن الطفل كان يحمل موهبة كبيرة أوصلته إلى مرتبة رفيعة ومؤثرة في تاريخ إسبانيا، إلى حد ما، يمكن القول بأن المارشال محمد إمزيان من الأشخاص المحوريين الذين دفعوا بصعود فرانسيسكو فرانكو إلى قمة السلطة.
تورط إمزيان في عمليات بالغة الوحشية والعنف ضد الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية، وهو المسؤول عن عملية قتل 200 من مقاتلي الجمهوريين الجرحى أثناء تلقيهم العلاج، ويبدو أنه استند إلى خبراته الواسعة في قمع ثورة الريف المغربي وإنهاء جمهورية الريف التي أعلنها عبد الكريم الخطابي، ولكن ذلك لا يتناقض أصلاً مع سيرته التي بدأت من خلال وعد ألفونسو الثالث عشر، ولكن ما يتناقض مع أي منطق هو ما أقدم عليه الملك الحسن الثاني باستدعاء امزيان للاستعانة به في تأسيس الجيش المغربي ومن ثم تعيينه وزيراً للدفاع، علماً بأنه كان أحد رموز نظام فرانكو.
قصة امزيان تؤشر إلى علاقة الاستعمار بالطبقة العسكرية العربية في مرحلة التأسيس، بالطبع ذلك لا يعني أن أصحاب المناصب العسكرية كانوا من المتواطئين مع الاستعمار، وإلا ما كانت الانقلابات العسكرية تمثل بداية حركة الاستقلال في العالم العربي، ولكن يجب الانتباه إلى مسألة التقاليد العسكرية العربية التي جرت صياغتها في مرحلة الاستعمار وما زالت إلى اليوم حاضرة في الثقافة العسكرية، مع تجنب استخدام عبارة (العقيدة) لأنها مسألة مختلفة تماماً، فالجيش الذي اعتاد أن يكون ضمن النخب الوسيطة التي تربط العقل الاستعماري مع عامة الشعب، تحول إلى ممارسة دور الوساطة بين السلطة ومختلف الفئات الأخرى، في حالة لم يقم بالاستيلاء على السلطة مباشرة، لأنه كان الوريث للعنف المحتكر بقوة السلاح، في وقت لم يكن العسكر ينتظرون فيه تفويضاً من أي جهة كانت.
الدولة الأمنية أصبحت في مرحلة الستينيات والسبعينيات الوسيط الجديد بين الشعوب والسلطة الواجهة، ولكن في مواقف كثيرة كانت يد الجيش الثقيلة تستطيع التدخل وإعادة الأمور لنصابها، كان ذلك واضحاً في أحداث الأمن المركزي في مصر عام 1986 عندما خرجت الطائرات لتقصف معسكرات متمردي الأجهزة الأمنية، وبعد ذلك بربع قرن كان الجيش يغطي الانهيار والانكشاف الكامل لقوات الأمن أثناء ثورة يناير 2011، وتستعيد المنطقة العربية من جديد تراثاً من التقاليد العسكرية وحضوراً مكثفاً للجيوش، أو محاولات استعادة حثيثة، في الدول التي شهدت انهيار الجيش وفشل الأجهزة الأمنية في أداء دوره، وحتى الدول التي لم تكن تاريخياً تهتم بمسألة الجيش على أساس الحماية الضمنية المتوفرة من الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية، أصبحت تشهد تصاعداً لدور الجيوش ووجودها في المشهد العام.
مشكلة الجيش أنه مؤسسة غير ديمقراطية، فالجنود لا يختارون قائدهم ولا ينتخبونه، يجدونه أمراً واقعاً، والقائد المدني بخلفية عسكرية سيجد نفسه أمام مشكلة تسليم السلطة للقوى السياسية الطبيعية من جديد، عدا بالطبع عن هشاشة هذه القوى في الدول العربية، ومشكلة الجيش الأخرى أنه يعتمد على مبدأ الثقة دون الكفاءة، ولذلك فإن عسكرياً من طراز الفريق سعد الدين الشاذلي كان شخصية في غير محل الترحيب في العديد من مراحل مسيرته المهنية، بينما كان الرئيس العراقي صدام حسين يطلع ضباطاً يضمن انتماءهم لأسباب عائلية أو حزبية أو مذهبية، ويترك النخبة من قيادات الجيش العراقي لتعرف بغزو الكويت من خلال نشرات الأخبار، كما أشار الفريق سامي الخفاجي في كتابه «التاريخ يتكلم: معارك الجيش العراقي 1948 – 2003».
الجيوش لن تتخلى عن مواقعها بصورة طوعية، فالعقلية العسكرية لا تترك موقعاً إلا بصورة اضطرارية، والشعوب العربية اليوم تستدعي الجيوش، من دون أن تدرك خطورة ذلك على المدى البعيد، وفوق ذلك توجد مشكلة في الجيوش العربية تتمثل أصلاً في آليات قبول الضباط وترقيتهم، وفي دول لا توجد فيها حالات فرز عرقي أو مذهبي أو طائفي، فإن الفرز الاقتصادي يكون حاضراً، بحيث يمثل الضباط عادة الطبقة الوسطى من المجتمع ويعبرون عن مصالحها ويرون مشاكلها وهمومها، ولذلك فإن ثقافة الرجال من ذوي الخلفية العسكرية يمكن أن تهتم بالمعلمين وموظفي الدولة، ولكنها لن تقدم حلولاً للمهمشين والمسحوقين اجتماعياً، وعلى العكس من ذلك يمكن أن تستهدفهم بوصفهم مشروعات لـ(الخروج) والإضرار بالأمن العام.
الصورة تبدو قاتمة والديمقراطية تتراجع في العالم العربي، ومن لا يمتلك جيشاً فإنه يبحث عن جيش، فالعراقيون يتمنون أنهم يمتلكون جيشاً يستطيع أن يحتفظ بسلامة الوطن الذي اعتادوا على صورته وخريطته المعلقة في أعناق الشابات والشباب في العراق، من دون أن يدركوا أن هذه الخريطة تمثل إشكالية بالنسبة للأكراد الذين يرون أن كردستان أمر مختلف تماماً، ولأجل امتلاك خريطته الخاصة فإن تغييراً جذرياً يجب أن يطرأ على خريطة العراق، والشعوب عادة لا تعترف بهذه الأمور مهما بدت مشروعة، فمثلاً كيف يمكن لأبناء فلسطين أن يعلقوا خريطة بلدهم في أعناقهم إذا كانوا مضطرين للاعتراف بواقع الحال، وأنه حتى القنوات الفضائية العربية صارت تكتفي بمجرد تقديم الضفة وغزة تحت اسم فلسطين، بينما تحتل إسرائيل الجزء المتبقي من الخريطة، وكذلك الأمر في الكتب المدرسية!
هل يوجد مخرج حقيقي أمام الوضع الراهن لبناء دولة مدنية قائمة على أسس المساواة والعدالة، وبحيث يكون الجيش هو أحد الأدوات والوظائف الضرورية لاستدامة الدولة، من دون أي مبالغة في دوره تصل به إلى مرتبة التقديس، وتجعله غير قابل للنقد أو مجرد المساس به؟ وهل توجد ضمانات لعدم استنساخ تجربة المارشال امزيان الذي كان ولاؤه الوحيد لبدلته العسكرية بغض النظر عن الراية التي يقاتل تحتها ومن أجلها؟
على غير مبعدة من طليطلة التي شهدت صعود المارشال امزيان، توجد تجربة ثورة القرنفل في البرتغال، وهي بدأت انقلاباً عسكرياً من خلال بضعة مئات من الضباط والجنود الذين وصلت بهم حالة الاستياء من صلف الطبقة العسكرية المسيطرة على البرتغال للخروج في مغامرة غير مأمونة العواقب في 25 أبريل 1974، وعلى الرغم من محاولتهم إثناء الشعب عن الخروج لمباركة هذه الحركة، إلا أن ملايين البرتغاليين أعطوها الشرعية وكانت زهرة القرنفل التي وضعتها سيدة برتغالية في فوهة أحد البنادق تكتب تاريخاً جديداً للبرتغال.
لماذا نجحت هذه التجربة في البرتغال؟
لأن النخبة الثقافية كانت تتصف بالحيوية وتمتلك الرغبة في النضال، ربما كان البرتغاليون محظوظون لأنهم لم يقعوا تحت وطأة مئات القنوات الفضائية ونظام تعليمي متهالك وطبقة رجال دين تعتبر الدفاع عن بول الإبل من أهم أولوياتها، ولكن لا يوجد بديل أمام الشعوب العربية للمحافظة على حقها في ممارسة الديمقراطية، سوى أن تقدم بنفسها البديل وأن تؤسس المجتمع المدني، فغياب مجتمع المؤسسات والتحالفات سيجعل الطريق إلى السلطة مسألة تبادلية بين العسكر والمشايخ لأنهم ببساطة، وليس غيرهم من قدموا أنفسهم بديلاً، والانتماء للمجتمع بشكل عام، باعتبار أن الفكرة تدور حول تجربة امزيان المنبت عن مجتمعه وأصوله، يقوم من خلال توفير المجتمع لحواضن مختلفة لأبنائه تجعلهم يلتفون حوله ويناضلون للمحافظة عليه.
الوطن ليس علماً مرفرفاً أو سلاماً وطنياً أو خريطة معلقة على الحيطان أو متدلية على الصدور، ولكنه مجتمع يؤمن بحقه في الحياة ويتبادل أفراده الثقة والاحترام.

٭ كاتب أردني

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية