عصا شاهد النفي ونايُهُ

حجم الخط
0

ترددت طويلا قبل المجازفة باختيار خمسين مقالا مما نُشر في «القدس العربي» خلال ثلاثة عقود تحت عنوان شاهد نفي، وبعد صدور الكتاب عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، أحسست على الفور بأن ما لم يتضمّنه الكتاب من المقالات هو على موعد مع كتاب أو كتب اخرى، لعدم ارتباطها المباشر بحدث ما أو مناسبة، وكانت تلك المجازفة استجابة مزدوجة لهاجس ذاتي وآخر من أصدقاء أعزاء، في مقدمتهم الشاعر الكبير أدونيس، الذي كان انطباعه عما أكتب هو والناقدة الرائدة خالدة سعيد محرّضا لي للاستمرار حتى في ذروة الإعياء والمكابدة، ولم تكن «القدس العربي» على امتداد عقود ربما كانت الأبهى في العمر مجرّد مُتنفّس تعبيري بقدر ما هي مجال حيوي لرهان ثقافي، فقد أتاحت لي أن أقول فيها ما قد يكون عصيّا على النشر في سواها.
كتبت هذه المقالات في الفترة الحرجة التي أوشكت فيها الجريمة على الاكتمال لندرة الشهود رغم وفرة الشهداء، وهي مقاربات قد تتفاوت في الزمان والمكان وفي منسوب التوتر الناجم عن تفاعل وليس عن انفعال، لكنها تأتلف في سياق نقدي يستقرئ الظواهر وينقل السؤال من هامش الدهشة إلى صميم المساءلة وَمَتنِها المعرفي والتاريخي، ويحاول رصد تجلياتها قدر تعلّقها بثقافة حوّلها العاطلون عن الحياة والمغامرة إلى غيمة مؤدلجة وكوميديا من النبذ المتبادل والإقصاء الذي غالبا ما يبدأ من هاجس الاحتكار وينتهي إلى الإعدام الرمزي، وقد ترددت في اختيار عنوان من ثلاثة لهذا الكتاب الذي اقتصر على مقالات نشرت في «القدس العربي» تحت عنوان شاهد نفي، هي «رماد السنديان» و»العصا والناي» و»السيف والندى» وانتهى بي المطاف إلى العصا والناي لأنه يختزل ثنائية السلطة والمعرفة والخوف والحرية واليأس والحنين، وهذه ليست ثنائيات بالمعنى المانوي الذي يؤدي إلى استنقاعها وسكونيتها بقدر ما هي ثنائيات متجادلة يلد البعد الثالث الذي يجري حذفه كأهم اقنوم في ثقافتنا من المصاهرة بينها.
ولن اتعسّف في اقتراح المشترك المنهجي بين هذه المقالات، لأن مثل هذا المشترك قد يكون في عمق الشجن الذي يجانس بين هواجسها ودوافع كتابتها، وذلك بالقدر الذي تتيحه الحرية أو القدر المتحقق منها في عالم عربي كان تاريخ ثقافته وما يزال صراعا لا تتخلله هدنة بين ما يقال وما يجب أن يقال، وبين الباطني والمتجلي، ذلك لأن الحريات المسموح بها في هذا العالم الذي حوّلته الرأسمالية في ذروة توحّشها إلى رهينة لا تكفي كاتبا عربيا واحدا، كما قال الراحل يوسف إدريس، وإن كان لي أن استسمحه وأضيف فهي لا تكفي مقالة واحدة.
إن العصا في ذروة وظيفتها الآن، أما الناي فهو مغمور بالرمال وقد سملت الأصابع الأمية عيونه.
ولـ«القدس العربي» التي نشرتُ فيها هذه المقالات عصيّها وناياتها، شأن كل مَنْبر لا يبحث عن سعاة بريد يعملون بالإيجار، بقدر ما هم الذين كتبوا الرسائل بأنفسهم وكان المرسل إليه على الدوام في مكان آخر خارج هذا المدار الذي شطره هواة القسمة بالحاسوب الأحمق إلى فردوس مفقود وجحيم موعود.
إن أشق وأعسر ما في هذه المهمة التي يتولاها الكاتب نفسه هي الترك والتخلي وليس الانتقاء، فالمتروك مجرد مؤجّل وليس فاقدا لصلاحية إعادة النشر حتى بعد مرور عشرين سنة.
إن عنوان شاهد نفي يستدعي على الفور شاهدين آخرين، هما الشاهد الملك، وشاهد الإثبات وكلا الاثنين في عطلة قد تطول. إنني اتذكر في هذا السياق ولو على نحو مجازي عبارة سان جون بيرس عن حامل عبء الكتابة الذي يكدح في عزلته من أجل تمجيدها، فالكتابة ليست صدى للحياة بقدر ما هي صوتها، وهي إذ تراوح بين فحيح التحريض واللّدغ الناعم وبين حفيف الكائنات تحاول أن تكون دفاعا ولقاحا باسلا ضد تحوّل الكذب إلى وباء، والأباطيل إلى شرائع، ولأن صفة المثقف في مجتمعات تعاني من أميّة ثلاثية الأبعاد بها الكثير من الالتباس فإن هناك من الأسباب ما يكفي لإعادة النظر في محمولها، فالأعور لن يشهر صولجانه المكسور أمام عميان لا يبصرونه، اللهم إلا إذا قلب المفاضلة إلى مراذلة وجعل من الأقل جهلا مرادفا للعارف وللأقل قبحا بديلا للجميل، وستبدو تكرارا عقيما العودة إلى تعريفات غرامشي عن العضوي والمستولد في أنبوب السلطة أو الحزب أو الطبقة، فتلك تصنيفات باتت كلاسيكية في عالم ما بعد الحداثة الذي يقدم لنا على مدار الساعة مسوخا لكل شيء، ويكفي أن نفتح ملف الإعلانات المتلفزة كي ندرك إلى أي مدى استوطن التجهيل، وعلى سبيل المثال فقط، ثمة إعلان يقدم نقدا لاذعا لجمهورية أفلاطون ليس لأنها عبّرت عن مجتمع أثيني سدسه من العبيد، أو لأنها أقصت الشعراء، بل لأنها تخلو من نوع محدد من أجهزة تكييف الهواء.

* * *

عصا القدس ونايها، مقابل تلك الطبول التي ثقبت كالغربال لكنها تواصل الثرثرة الأشبه بالنقيق أو النّعيب، وإذ أعيد قراءة ما نشر من مقالات في هذا الكتاب لا أرغب في الحذف قدر رغبتي بالإضافة، وأجزم أن الناي سوف يهزم العصا في خاتمة المطاف، رغم أن حرائق بابل ما بعد الحداثة حوّلت حقول القصب إلى رماد.

كاتب اردني

خيري منصور

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية