عصر البلطجة الإعلامية

■ ليس المقصود بهذا المقال شخصا أو قناة فضائية أو صحيفة أو معسكرا أو بلدا بعينه، بل انه يناقش من منطلق مهني بحت ظاهرة أصبحت عابرة للحدود سواء الجغرافية أو التكنولوجية أو السياسية.
ومن الانصاف القول انه غير مسبوق، ما نشهده اليوم من «توحش» لظاهرة البلطجة الإعلامية في العالم العربي، حتى تكاد تتحول إلى «ثقافة» تسهم في صنع الأحداث أحيانا ثم تلوينها ضمن أجندة معدة مسبقا للتدليس على الرأي العام.
وليكن واضحا انه أيا كان الخطاب السياسي أو الايديولوجي الذي تتبناه، أو القضية التي تدافع عنها، تبقى وسائل «البلطجة الإعلامية» مدانة وبأشد الكلمات. كما ان اللجوء إلى «البلطجة» لا يبرره الحاجة إلى الرد على «بلطجة» الآخرين سواء لأسباب تتعلق بالسياسة أو نسب المشاهدة أو الأرباح الاقتصادية.
وتأتي البلطجة الإعلامية في أشكال وأحجام وأساليب مختلفة بل وشديدة الاختلاف، ويحاول بعضها ان يرتدي قناعا زائفا من المهنية، في تضليل إضافي للمتلقي، الذي يجب عليه في النهاية ان يخضع إلى حالة «غسيل المخ مع سبق الاصرار والترصد».
حيث أصبحت الأسئلة «الموجهة» نوعا من الأوامر الضمنية للضيف إلى تأييد تحليلات أو سيناريوهات مثيرة للسخرية أحيانا لكنها تخدم الهدف المباشر من الحوار، ما يضطره إلى قول كلام لا يتناسب مع عقليته الأكاديمية أو القواعد أو اللغة المتعارف عليها للتحلـــيل السياسي. وبالنسبة للإعلامي المحترف، فان مثل هذا الشكل لا يقل فجاجة عن أشكال أكثر صراحة من البلطجة لا تتورع عن السقوط في حضيض السب والقذف والخوض في الأعراض، بل والاشتباك بالأيدي ان لزم الأمر.
ومع هيمنة البلطجة متمثلة في انتشار ثقافة العنف اللفظي أو المادي على بعض الفضائيات، المستندة إلى أجندات سياسية أو طائفية تعمد إلى اقصاء الآخر أو تكفيره أو اغتياله معنويا، يغيب الأمل في التأسيس إلى لغة حوار موضوعي يبدو حتميا لتفكيك قضايا معقدة، ومواجهة تهديدات وجودية غير مسبوقة.
وانه لأمر مثير للاشمئزاز ان نرى بعض المحسوبين ظلما وبهتانا على الإعلام مؤخرا يفلتون من العقاب على جرائم واضحة كالشمس، استغلوا خلالها أبواقهم في الطعن في شرف خصومهم والتشكيك في وطنيتهم ونزاهتهم، لمجرد انهم يتبنون رؤى سياسية مخالفة لتلك المطلوب ترويجها.
ولا يتورع بعض «بلطجية الإعلام» عن الاستسلام لهواجس ذواتهم المتورمة التي تصور لهم انهم «زعماء شعبيون « أو «محققون عسكريون» أو «خبراء بتوع كله» أو «قضاة يصدرون الأحكام» أو غير ذلك، ولا يخجلون وهم يتصرفون مثل «الطاووس»، بعد ان تحولوا إلى عملاء لهذا الجهاز الأمني او ذاك، بدلا من ان يكونوا ساعين متجردين لتأمين تدفق نزيه للمعلومات للجمهور، ومنحازين إلى حقه في معرفة الحقيقة من كل جوانبها.
كما لا يتورعون عن اللجوء إلى لغة سوقية مبتذلة، وكأن «الردح الإعلامي» أصبح «نضالا وطنيا» أو «موقفا سياسيا» في هذا الزمن الرديء، غير مبالين بخطر ما يبثونه من سموم على تكوين الشباب الذين يمثلون الأغلبية الساحقة من مستخدمي المادة الإعلامية.
ومع انفجار «بركان التواصل الإعلامي» خلال السنوات الأخيرة، واتساع قاعدة التأثير السياسي للإعلام، حتى ان خبراء قالوا اننا نعيش عصر «الميدياقراطية» اي حكم وسائل الإعلام، تقاطعت الحاجة إلى الاستخدام الأمني للبلطجة الإعلامية مع تواطؤ بعض المشاهدين الذين أقبلوا عليها أو حتى استحبوها فأصبحت محل تشجيع من القنوات سعيا إلى زيادة حصيلة الإعلانات.
ولا يبدو ان هناك حدودا يمكن ان تقف عندها تلك البلطجة، بل انها تحطم كل ماعهدناه من قيم وتقاليد عربية، ناهيك عن الحد الأدنى من القيم الأخلاقية والدينية. وهكذا تجد أبواقا تدعو صراحة إلى القتل والسحق بل والحرق على الهواء مباشرة، وهذه جريمة تستوجب نفس عقاب من ينفذها حسب القانون.
ومن غير شك فان الأنظمة الديكتاتورية تجد في البلطجة الإعلامية طريقة مثالية لنقل المعركة إلى أرض الخصم، وحرف الأنظار عن المشاكل والأزمات الحقيقية التي تعصف بالمتلقين.
لكن في النهاية لا يمكن ان تخدع كل الناس كل الوقت، وسيأتي حتما اليوم الذي يقرر فيه المتلقون ان يقلبوا الطاولة، وان يسألوا عن الأجندة الحقيقية سواء لمن يسعون لفرض مفاهيم أو سياسات معينة عبر أبواق فقدت مصداقيتها منذ زمن بعيد.
وفي غياب وسيلة للمحاسبة، أو أمل في التوصل إلى ميثاق شرف إعلامي عربي، تبقى المقاطعة الشعبية سلاحا شرعيا قادرا على منع البلطجة الإعلامية من تحقيق أهدافها، وبالتالي إجبار من يدعمونها على البحث عن وسيلة أخرى للوصول إلى الرأي العام. لكن هذا لا يعفي الإعلاميين الحقيقيين من مسؤوليتهم المهنية والأخلاقية في فضح اولئك البلطجية وعزلهم نقابيا، ان تعذرت معاقبتهم جنائيا.
وللمتلقي في النهاية مصلحة ذاتية في رفض البلطجة الإعلامية، لما تمثله من إهانة لعقله وانتهاك لحقه في معرفة الحقيقة، وخطر محدق بدفعه وأسرته إلى التطرف والتعصب والعنف بكافة أشكاله.

٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»

خالد الشامي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية