عصر اللايقين: كلاب من قش ومقامرات مفتوحة

حجم الخط
1

 

«مرحباً بكم في عصر اللايقين»، يقول عنوان مقال مسهب نشرته صحيفة الـ»غارديان» البريطانية لأحد كتّابها المخضرمين، ستوارت جيفريز؛ المختصّ بوسائل الإعلام الجماهيرية والتلفزة والثقافة الشعبية، إلى جانب مساهماته في أعمدة الرأي. وهذا العصر، الذي نُرحّب بالعيش فيه، يتيح للارتياب أن يجبّ الثقة، ليس بمعنى الشكّ الفلسفي الديكارتي، بل قياساً على أسئلة حائرة لا تجد لها إجابات شافية. مثل هذه، على سبيل النماذج التي اختارها جيفريز نفسه: هل سيقع الـBrexit حقاً، فتغادر بريطانيا الاتحاد الأوروبي؟ هل يمكن أن يفوز دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية؟ هل وظيفتي مضمونة البقاء؟ ألا يبدو المستقبل غامضاً بعيداً عن التكهن؟ هل هنالك وسيلة لتفادي هذا الخوف، والقلق، والشلل؟
وإذْ يقتبس جيفريز أفكار مواطنه الفيلسوف جون غراي، وتحديداً كتابه الأشهر ربما، «كلاب من قشّ: أفكار حول بني البشر وحيوانات أخرى»؛ فإنه، للغرابة، يسوق أفكار الكتاب على سبيل ثقة غراي بالمستقبل، حتى إذا كان ذلك المستقبل يمكن أن يقلب حسابات توفير المواطنين إلى ما يشبه المقامرة المفتوحة. لكنّ الكتاب كان قد أثار الكثير من اللغط بالطبع (وهذا لم يكن جديداً على كتابات غراي)، ولكنه هذه المرة خلّف مزيجاً من الذعر والذهول والاستغراب والاستنكار في آن معاً. وكيف لا يفعل، والكتاب يقول إنّ الإنسان، كما يفيد العنوان، لم يعد مختلفاً كثيراً عن الحيوان، أو بات يشبهه في جانب مركزي واحد على الأقل: أنه لم يعد يحتلّ مركز الصدارة في ترتيب عناصر الكون! محاججة غراي الأساسية، خلف هذه الفرضية التي تبعث على القشعريرة، بالغة البساطة مع ذلك: التراث اليهودي ـ المسيحي، وهو الفلسفة الإجمالية التي يرتكز إليها وجدان الغرب أسوة بعقل الغرب، كان يُفرِد الإنسان عن الحيوان في مواهب كبرى، مثل الإيمان والاختيار والعقل واللغة والإبداع؛ الأمر الذي لا يتراجع اليوم، أو ينحطّ أو ينعدم، عند بني البشر، فحسب؛ بل هو ينقلب إلى «حيوانية» صريحة صارخة، مجانية مدمّرة، أين منها سلوك الحيوان!
يكتب غراي: «على الفلاسفة وعلماء الاجتماع والأدباء أن ينبذوا إلحاحهم على مركزية الإنسان واستقلالية عقله، لأنّ المدينة باتت أشبه بقفير النحل، والإنترنت باتت تشبه اسمها تماماً: شبكة العنكبوت!». وأمّا أفكاره الأخرى فتقول التالي، على سبيل الأمثلة: صحيح أنّ الأنظمة الشيوعية فشلت، وحاول اقتصاد السوق فرض نموذجه الطوباوي الخاصّ على البشرية جمعاء؛ لكنّ ما جرى في أمريكا يوم 11/9/2001 ينبغي أن يؤذن بنهاية تلك الحملة الصليبية. لماذا؟ لأنّ اليقين الذي ساد خلال العقد الماضي (حول نهاية التاريخ، وصعود الليبرالية التجارية في سياق مدّ لا تقاومه أمّة، أو سوق، أو ثقافة، أو فلسفة…)؛ اهتزّ من جذوره أمام مشهد انهيار برجَيْ مركز التجارة الدولي، تماماً كما تنهار قصور الكرتون، وبات طبيعياً أن يهتزّ إيمان الأسواق بحصانة العولمة.
لكن جيفريز يذهب إلى شخصية غربية أخرى مارست تأثيراً بالغاً في الحياة السياسية ـ الاقتصادية الأوروبية المعاصرة: جون كنيث غالبريث، الاقتصادي الكبير والشهير، الذي كان ـ إلى جانب مؤلفاته الكثيرة اللامعة ـ قد أنتج، في عام 1977 لصالح الـBBC، مسلسلاً تلفزيونياً بعنوان «عصر اللايقين»، ذاع صيته في أربع رياح الأرض. وفي موازاة «اليقينيات الكبرى في الفكر الاقتصادي خلال القرن الماضي»، أقام غالبريث تضاداً مباشراً مع «اللايقين الكبير الذي تُواجَه به المشكلات في عصرنا». هنا أيضاً، وكما فعل في مثال غراي، يغضّ جيفريز النظر عن سلسلة من «اليقينيات» التي ارتبطت بالاقتصاد الرأسمالي، وبالفلسفة الليبرالية ذاتها التي يدافع عنها غالبريث.
ففي معظم أطراف المعسكر الرأسمالي المعاصر (إذْ لا يزال يستحقّ صفة «المعسكر»، حتى بعد غياب المعسكر الاشتراكي النقيض)، في فرنسا كما في الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا واليابان؛ تتابع أخلاقيات السوق العيش وفق قواعد «ثقافة الرضا»، حسب تعبير غالبريث. إنها جسم إيديولوجي اجتماعي ـ اقتصادي يلبس لبوس الديمقراطية (حين لا تكون هذه خيار مجموع المواطنين، بل أداة أولئك الذين يقصدون صناديق الاقتراع دفاعاً عن امتيازاتهم الاجتماعية والاقتصادية)؛ وتفرز أجهزة حكم لا تنطلق في تطبيقاتها السياسية من مبدأ التلاؤم مع الواقع والحاجة العامة، بل من طمأنة الخلايا الدقيقة المنعَمة والراضية، التي تصنع الأغلبية الناخبة. والفكر الاجتماعي الرسمي، من حول هذه الثقافة، لا يلحّ على قضية أخرى قدر إلحاحه على الطبقة، أو بالأحرى على غياب مفهوم الطبقات. وبدلاً من هذا التوصيف الكابوسي الذي يرجّع أصداء الماضي، يلجأ ذلك الفكر إلى البلاغة فيتحدث في أمريكا عن «الطبقة السفلى Underclass، وفي فرنسا عن الذين «بلا عنوان دائم» SDF، وفي بريطانيا عن «المشردين» Homeless. لكن المحتوى في جميع الأحوال يصف ملايين الفقراء والعاطلين عن العمل، ويصف طبقات جديدة، وأخرى عتيقة.
الموقف من الزمن التاريخي (أي ذاك الذي يرتد إلى الماضي من المستقبل، مروراً بالحاضر) هو إحدى السمات المكوّنة في لاهوت ثقافة الرضا، كما وصّفها غالبريث. إنها لا تنكر التأزّم (حيث يتعذر الإنكار)، لكنها تسعى إلى تأجيل الفعل اللازم لحله، وتنحي جانباً كل ما يثير الاضطراب: مظاهرات، إضرابات، نتائج انتخابية تقلب المعادلات الراسخة رأساً على عقب… واليوم، بعد مرور عقود على النظريات التي تبشّر ببزوغ فجر الرأسمالية واقتصاد السوق مرّة وإلى الأبد، ليس عسيراً أن نشهد استقطابات عميقة تتحرّك في السطوح الأعمق من السياسة اليومية؛ الميدان المعلن الذي يتبدّى فيه عجز الاقتصاد الرأسمالي عن تطويع الحياة اليومية. ويكفي أن يتابع المرء ما يجري في أيّ من البلدان الرأسمالية الأساسية، في أمريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، بصدد السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو الثقافة أو الحرب أو السلام… لكي يتذكّر المرء نبوءة كارل ماركس الرهيبة حول برجوازية لا تملك سوى أن تخلق حفّاري قبورها!
في المقابل، يتحاشى جيفريز تناول موضوع ذي صلة مباشرة بحال اللايقين، خاصة في تلك الهوامش المتقاطعة بين الاقتصاد والاجتماع والسياسة والتكنولوجيا والعولمة والثقافة؛ أي فلسفة «السبيل الثالث»، الذي تتغنى به بعض القوى والأحزاب الاشتراكية التقليدية في أوروبا، من طراز حزب العمال البريطاني والحزب الاشتراكي الفرنسي، وبعض تيارات الخضر. والحال أنّ السبيل الثالث هذا هو خطّ الوسط القديم ـ الجديد، دون سواه: خطّ الوقوف عند نقطة متساوية بين أقصَيَين، وخطّ التوسّط بين اليسار واليمين في عبارة أوضح. ومنذ أن دعا البابا بيوس الثاني عشر إلى «سبيل ثالث» بين الاشتراكية والرأسمالية في نهاية القرن التاسع عشر، كان المصطلح يصعد هنا وهناك في الثقافة السياسية الغربية، وكلما اقتضى الأمر هذا أو ذاك من أشكال التصالح أو التحالف أو المساومة. وكان غالبريث، نفسه أيضاً، قد رفض هذا السبيل، وأعلن صراحة عجزه عن فهم طبيعته الملموسة: «هل يُراد منه احتلال موقع وسيط بين الصحيح والخاطئ؟ وفي الأساس، ما السبيل الأوّل والسبيل الثاني اللذان يُفترض في السبيل الثالث أن يتجاوزهما أو يتخلص منهما»؟
«نشرب لكي نخمد أسباب قلقنا، ولكي نُخرس ـ لساعات قليلة ـ الشكوك الملحاحة التي تتملكنا باستمرار»، يختم جيفريز مقالته المسهبة؛ التي ـ وإنْ تقصدت غضّ النظر عن عوالمنا، نحن، حيث تتحالف تكنولوجيا القوى العظمى مع رثاثة البراميل المتفجرة، في الفتك بمواطنينا ـ تظلّ، مع ذلك، راهنة مرتبطة بما يجري عندنا. مأساة اليقين هنا تفجّر مقامرة اللايقين هناك، سواء بسواء!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

عصر اللايقين: كلاب من قش ومقامرات مفتوحة

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية