كنت ذات مساء جالسا في القطار اقرأ صحيفتي، في طريق عودتي من عملي إلى بيتي، سرحت بتفكيري في متاهات وتعقيدات المشهد السياسي العربي التي كان آخرها الانقلاب في البلاط الملكي السعودي الذي يذكرنا بمسلسل «حريم السلطان» التركي، وربما يترتب عليه، كما يقول العارفون في دواخل السياسات السعودية، تعقيدات وانعكاسات قد تتدحرج فيها رؤوس.
ولم يكن ذاك الانقلاب ببعــــيد عن الاملاءات وشــــروط الإذلال والاستسلام غير المسبوقـة، التي تحاول «ثلاث شقيقات» مما كان يسمى بمجلس التعاون الخليجي، السعودية ممثلة بولي عهدها الجديد الشاب محمد بن سلمان، ودولة الإمارات ممثلة ايضا بولي عهدها محمد بن زايد، ودولة البحرين، زائدا النظام المصري ممثلا برئيسه عبد الفـــــتاح السيسي، فرضـــها على دولة قطر والاستئساد عليها، في إطار الترتيبات والتحالفات الجديدة التي يشرف عليها صــهر الرئيس الامريكي الشاب جاريد كوشنر، التي ترتكز بالاساس على العداء لايران «الشيعية» لتبرير الانفتاح والتطبيع مع الكيان الصهيوني، الذي سيكون حامي حماهم من هذا الخطر «الشيعي».
هذا من المنظار السعودي طبعا، لأن هذه الأنظمة عاجزة عن الدفاع عن نفسها، والعداء للاخوان المسلمين من وجهة النظر الاماراتية، رغم ان دولة الامارات «العظمى» تدعم الاخوان في اليمن، وتحتفظ ايضا بعلاقات تجارية واقتصادية قوية مع إيران، تصل قيمتها الى عشرات مليارات الدولارات، وهناك من يقدرها بنحو35 مليارا. كما تحتفظ دولة الامارات بعلاقات امنية وصحية وثيقة مع دولة الاحتلال.
اما بالنسبة للدولتين الاخريين، البحرين وهي اصغر واضعف دولة في العالم العربي، فهي ترتكز بموقفها على إبقاء الحماية السعودية، وتأتمر بأمرها، فبدونها ستكون لقمة سائغة لاي عابر سبيل. أما مصر «الشقيقة الكبرى» فعين نظامها على «الدولار» سواء كان مصدره السعودية أو الامارات.
وأمام هذا المشهد العربي المشوه، ومن دون مقدمات قفزت الى ذهني أنشودة كنا في ايام طفولتنا وصبانا نرددها بفخر واعتزاز وهي قصيدة للشاعر السوري السياسي والعسكري والصحافي المرحوم محمود فخري البارودي (1966- 1887) الذي قارع الاستعمار البريطاني في فلسطين، والاستعمار الفرنسي في سوريا وذاق عذابات النفي والحبس على أيدي المستعمرين. الأنشودة من أشهر الاناشيد القومية العربية، وربما لم يسمع بها الملايين من الشباب في زمن «الربيع العربي»، الذي قلبته القوى الخارجية والدول الظلامية وحولته الى جحيم وميادين لتجريب اسلحتها الفتاكة وشلالات دم وساحات للقتل والتخريب والتدمير: تقول الأنشودة
بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان
ومن نجد إلى يمن إلى مصر فتطوان
فلا حد يباعدنا ولا دين يفرقنا
لسان الضاد يجمعنا بغسان وعدنان
لنا مدينة سلفت سنحييها وإن دثرت
ولو في وجهها وقفت دهاة الإنس والجان
فهبوا يا بني قومي إلى العلياء بالعلم
وغنوا يا بني أمي بلاد العرب أوطاني
وتحاكي كلمات هذه الانشودة، ايام الزمن الجميل، لا زمن الانحطاط والانحدار الذي تعيشه المنطقة. الزمن الذي كان ارتباط الشخص بدول الاستعمار كبريطانيا وفرنسا ومن بعدهما امريكا، يلطخ اسم ذاك الشخص مدى الحياة ويصبح منبوذا، وربما تنتقل تركته وسمعته السيئة الى اولاده واسرته من بعده، وليس الزمن الذي نعيشه والذي تبرر فيه دعوات الولايات المتحدة والدول الغربية للتدخل وقتل عشرات الآلاف من المدنيين الابرياء، واصبحت فيه هذه الدول تتمنع وهي راغبة، حتى تحصل على الثمن المناسب، عبر صفقات سلاح لا مبرر لها، كالتي وقعتها السعودية مع بريطانيا، والاخطر منها التي توصف بصفقة القرن، مع الولايات المتحدة تكريما لرئيسها الذي قد يقصر أجل رئاسته، جراء فضائحه، وقيمتها مئة وعشرة مليارات دولار.
ابيات الشاعر البارودي تصور منطقتنا التي كانت تنبض بالحياة والعنفوان والكرامة والاستعداد لمقارعة الاحتلال والاستعمار والتعايش بين الاديان والطوائف والاعراق.. لا الواقع الذي تعيشه المنطقة الان.. زمن الانحطاط.. زمن التمزق الجغرافي والسياسي والديمغرافي.. زمن الاستقطاب الديني والطائفي والإثني، زمن الاحقاد التي بذرت حبوبها لتخلق أجيالا جديدة تنهل الكراهية مع حليبها.
ولم اجد افضل من هذه الكلمات للتعبير عن واقعنا.. وهذه ليست بأي شكل من الاشكال، محاولة لكتابة الشعر، ولكني وجدت فيها ما يعبر عن دواخلي وربما دواخل الكثيرين. أقول للشاعر البارودي «عفوا استاذي أنشودتك لم تعد تصلح.. واسمح لي باستبدالها على الاقل مرحليا بالكلمات التالية.
بلاد العرب محتلة من الأقصى الى عكا
من سينا الى الشام من الموصل الى الرقة
ومن طبرق الى صنعا ومن بغداد الى مكة
من الخرطوم الى العقبة ومن حيفا الى غزة
فلا ضاد ستجمعنا ولا تاريخ سيرحمنا
ولا دين يحركنا ولا اخلاق ولا ذمة
فامريكا ستحلبنا واسرائيل ستعقرنا
فلا داعش تحررنا ولا الاحرار ولا النصرة
فغنوا يا بني قومي بلاد العرب محتلة
فعاد يا بني عُرْبي زمان داحس والغبرة
نقاتل بعضنا بعضا بلا اخلاق بلا رحمة
فنذبح فيها اطفالا ونسبي فيها نسوانا
فوا «معتصماه» غائبة والدعوات لن تُسمع
ولا اجراس راح تقرع ولا آذان راح يرفع
فلا عرب ولا كرد ولا شيعة ولا سنة
فهذي فتن مصطنعة لعن الله موقظها
افيقوا يا بني امي فلا ندم غدا ينفع
فقولوا يا بني قومي بلاد العرب محتلة
هذه من وجهة نظري تلخص اوضاعنا في صورتها الحالية، وليس ثمة ما يشير الى إمكانية تحسنها او تغييرها الى الافضل، على الاقل في المستقبل القريب. وإذا كان هناك مؤشر فإن الاوضاع ربما تزداد وتشتد الازمة ويطول قليلا ظلام ليل «الربيع العربي».. ولكن كما يقول المثل «اشتدي يا ازمة تنفرجي».
وها هي الازمة تشتد بـ»مؤتمر المصالحة» بين «ثوار الربيع العربي» في ليبيا. فمن الاخبار التي تبعث على «الأمل» ان ليبيا الثورة» تقدم على خطوات جريئة، تحت غطاء «المصالحة مع يهود ليبيا»، وهم بذلك ليسوا افضل من نظام العقيد القذافي، والحقيقة ان القذافي في هذه القضية لم يقدم على الاقل علنيا على خطوة المصالحة مع اسرائيل الرسمية. فحسب وسائل الاعلام الاسرائيلية فان «مؤتمر مصالحة» عقد في جزيرة رودس اليونانية، شارك فيه ليس فقط اعضاء من الجالية اليهودية الليبية، بل مسؤولون اسرائيليون، امثال ايوب قرا الوزير بلا حقيبة في حكومة نتنياهو، وهو العربي بالاسم لكن افكاره اشد تطرفا من وزيرة القضاء ايليت شاكيد من حزب البيت اليهودي، التي دعت الى بقر بطون الحوامل الفلسطينيات، لانها لا تحمل سوى الافاعي. وعدد اخر من المسؤولين والصحافيين الاسرائيليين.ومن الجانب الليبي شارك وزير الاعلام والثقافة السابق عمر القويري، الى جانب المرشح لرئاسة الحكومة معيد الكيخيا، وسفير ليبيا في البحرين، والمرشح لوزارة الداخلية الدكتور فوزي عبدالله العلي، والكاتب والصحافي الليبي أحمد رحال. وناقش المؤتمر إمكانية إقامة علاقات رسمية بين ليبيا وإسرائيل.
واختتم بما قاله الصحافي التركي ابراهيم فراغول، وهو لسان حال الرئيس اردوغان: «إن هذه القطعة الجغرافية تدار من قبل امريكا وبريطانيا.. وهما من توزعا التعليمات والاوامر والمسؤوليات والصلاحيات.. والشيء الثابت هو سهولة تجزئتها وتفريق مجتمعها وخلق الحروب الاهلية. كل ما اخشــــاه ان تكون نهاية هذه المنطقة على ايدي اهلها».
وقد يكون، إذا ما بقيــــنا على هذا الحال.. وهل يمكن ان يلام فراغول في مقولته ونحن الذين، انظــــمة ومعارضة لا فرق، وصلنا الى وقت نـقـــبل فيه ايادي القوى الخارجية لانقاذنا، حتى إن كان على حساب ارواح مئات الاف الضحايا وتدمير تاريخنا وآثارنا ومعمارنا، فتبا لنا..
٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
علي الصالح