عقلانية الجنون العربي

حجم الخط
0

لا نشكّ في أن معيشنا العربي يُنبئ بطغيان عقلية الجنون على كلّ العقلانيات المألوفة فيه. فالجنون لم يعد وضعا صحيا يجعل الواحد من بني آدم مُستثنى من فضاء المعقول الذي تسكنه مجموعته الاجتماعية «إما لنُقصانٍ جُبل عليه الدماغُ في أصل الخلقة، وإمّا لخروج مزاج الدماغ عن الاعتدال بسبب خلطٍ وآفةٍ، وإمّا لاستيلاء الشيطان عليه وإلقاء الخيالات الفاسدة إليه» على حدّ قول التهانوي، وإنما صار، في نسخته العربية الحديثة، حالةً عقلانيةً شعبيةً لها مؤسّساتها السياسية والدينية والاجتماعية، ولها قِيَمها الأخلاقية والحضارية الناسفة لجميع ما استقرّ في مجتمعاتنا من توقٍ إلى تأصيل ملمحها المدنيّ الحديث.
والظاهر أن جنوننا العربيّ، في أقصى تمظهراته العقلية، وفي أصفى أحواله المحمولة في مشاهد القتل المجاني التي تكتظّ بها فضائياتنا منذ انطلاق ثورات الربيع العربي، هو وليد نكوص حضاريّ استفحل في جسد دولة الاستقلال العربية منذ خمسينات القرن الماضي، وظلّ حاملا آمالا شعبية خائبة في الحرية والكرامة، عبّرت عنها خطابات زعمائنا الذين عسكروا، بوطنيّتهم العالية جدا، كلّ الموجودات المادية والرمزيّة المتاحة في بلدانهم لأجل تصنيع قداساتهم وبقائهم على رقاب رعاياهم، حتى صرنا لا نسمع في توصيف بعضهم إلا عبارات «الزعيم» و»القائد الخالد» و»ملك الملوك» و»معلّم الأجيال»، وغير هذا من شبيهات الألقاب الشريفة كثير. ولئن كان من الصعب على كل عقلانية جديدة أن تكسب لها مُريدين وفقهاء ودعاة ومناصرين يسهرون على استشرائها بين عموم الناس، فإنّ عقلانية الجنون العربي خالفت هذا الشرط، وباتت في ظرف وجيز «موضة» فكرية يُكفَّر مَن لا يؤمن بدينها، بل قد يُهجَّرُ من أرضه أو يُسحل في الشوارع أو تُسحل أحلامه حتى في المنام.
ويبدو أن من أهمّ ميزات جنوننا العربي الحديث هو نهوض «مشروعه» الحضاريّ على أقوى ثلاث دعائم لا توجد إلا مندمجة ولا ينجح أيّ مشروع فكريّ دونها، وهي الدين والسياسة والمال. إذْ لا يَخفى في هذا الجنون نزوعُ قادته إلى جعله تجارة رابحة، هي الآن تستشري في معيشنا العربي في إهاب مُعلَّبات من التقوى الدينية المليئة بليبيدو جنسي جارف أو من التقوى الوطنية المليئة بليبيدو سلطوي ماكر، وكلّ تقوى تنافس الأخرى، ويسيل لكليهما اللعاب. وهي بالتوصيف تجارة تمثّل سبيل هؤلاء إلى تحقيق لذائذهم الـ»بشرية» التي ظلّت تضطرم بحيوانية في لاوعيهم الجمعي حتى كشفت عنها فوضى الربيع العربي. فصار الانتقام من الناس وتقتيلهم لعبة يلهو بها «المجاهد» أو «الوطني» أو «الانقلابي» وتنقل مَشاهدَها الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي لحظة بلحظة نقلَ الترهيب والترغيب معًا.
فمن معقولياتنا المجنونة أن تتحوّل «أمّ الدنيا»، بعد ثورتي 25 يناير و30 يونيو، إلى دُويلة تعيش على ما يُلقى لها من فُتات الموائد، وتخسر بين ليلة العدوان على غزّة وضحاها رصيدها النضالي الرمزيّ المحفوظ في بُنوك المتخيّل القوميّ العربي. ومنها أيضا أن تصبح تونس، زعيمة الربيع العربي، فضاء للإرهاب الأعمى الذي يمارسه شباب مشحون بطاقات تكفيرية وعدائية كبيرة لكلّ ما هو مدنيّ وحداثي، وهو ما حفز أحد كتابها لأن يقول: «في تونس، كنّا نتمنى بعد الثورة أن نعيش حياة طبيعية، فأصبحنا نتمنى أن نموت ميتة طبيعية». وقد يمدّنا واقعنا بمظاهر أخرى لمعقوليتنا المجنونة، كأنْ يقول لنا أحد أتباع الخليفة أبي بكر البغدادي (علما وأن صفة «خليفة» تُدخلنا حيّز أهل الذمة لكوننا لم نعتنق بعدُ دِين الديمقراطية وهو ما يستوجب منا دفع الجزية مقابل حفاظنا على أصنام آبائنا الدّيكتاتوريين) أن هناك معجزة إلهية حدثت على يد الخليفة، وصورتها أن اثنيْن من الجنّ قد أسلما لدولة الخلافة وبايعا البغدادي. أو كأنْ يخاطبنا أحد الشيوخ التلفازيين قائلا: «أبشروا، ستكون لكل واحد منكم 19600 حورية في الجنة»، شرط أن نتزوّج أربع نساء، فتكون لكل واحدة منهن 70 حورية، ولكل حورية 70 وصيفة، أمّا حدث الحبّ، فإنه يدوم وفق هذه البُشرى 70 سنة ممّا نعدّ من أيّام الله.
لكلّ شكلٍ من أشكال الجنون تعبيراته وأجساده وإلهه الذي يحميه، هكذا يوصّف ميشيل فوكو الجنون، ويضيف فيه قوله الذي عرّبه سعيد بن كراد: «إن الجنون يتحدّث عن نفسه من خلال نفسه، يُدان ويُدافع عن نفسه، ويُطالب بأن يكون قريبا من السعادة والحقيقة والعقل، أن يكون أقرب إلى العقل من العقل ذاته». وكأن فوكو، يقدّم لنا، بمحمول هذا الشاهد، نبوءته التي نلقى لها أثرا في معيشنا الراهن، وصورتُها أنْ: سيأتي زمن عربيّ تنهار فيه حضارة العقل وتسود فيه حضارة الجنون. وهي حضارة مدعومة بحشود من آلهة أرضيّة لا تُجيد سوى عَدّ الأرواح التي تَستلّها من أجساد بني آدم قبل أوانها وتتلهّى بالتمثيل بها على مرأى أعين اليوتيوبيين والفيسبوكيين.
اللافت للانتباه أن جنون العصر الكلاسيكي الذي درســــه فوكو كان مليـــــئا بالإجرام في حقّ المصاب به، ولكنه كان أيضا موضوعا للخطابات الأدبية والفلسفية والدينية، بل لقد «وصـــل الأمر إلى حدّ أنه ابتـــداء من القرن 15، سيستوطن الجنون مخيال الإنسان الغربي»، وبسبب هـــذا الاستيطان ظهـــرت أعمـــال أدبية وفنيـــة عظيمــة ما تزال خالدة إلى الآن، على غرار كتاب «سفـــينة الحـــمقى وزورق المجنونات» لجــوسي باد وكتاب «حوار بين الحب والجنون» لصاحبته لويز لابي.
فهل سيتمكّن المبدعون العرب من روائيين وشعراء وتشكيليين وعلماء اجتماع وفلاسفة من التخلّي عن التنديد بمعقوليتنا المجنونة والعمل على جعلها سبيلهم إلى تثوير جنونهم الإبداعي الذي قد يمنع دولهم من التردّي في سفيل المهاوي؟

٭ كاتب تونسي

عبد الدائم السلامي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية