في روايته «اللجنة» الصادرة عام 1981 عبر صنع الله إبراهيم ببراعة عن العلاقة غير المتكافئة بين من يملك السلطة ومن يخضع لها.
وفي نهاية الرواية تأتي تأملات البطل المهمة حول ما كان يفترض أن يقوله من البداية للجنة، حيث يكتشف أن جذور الخضوع التي ظهرت أمامها، مجرد خط متصل بلا انقطاع منذ أول امتحان مر به في حياته، وعمره بضع سنوات. وفي استرجاعه لما حدث أمام اللجنة، يقول انه وقف «عاريا أمام الأعين الباردة اللامبالية لأشخاص ذوي بطش ينتمون إلى عوالم مختلفة عن عالمي (عالمه) وتجري حياة كل منهم في مدار مستقل لا يتوقف بأي شكل على نتيجة المواجهة القائمة بيني (بينه) وبينهم، عكس الأمر بالنسبة له». تلك التركيبة التي تعمل على بناء مواطن تابع للسلطة وليس مصدرا لها، جزء أساسي من المشكلة تكمله رؤية السلطة لنفسها بأنها صاحبة الأمر والنهي. الصورة التي اهتزت بفعل ثورة يناير/كانون الثاني، وما تبعها من توسيع للمجال العام للمواطن في مصر، تشهد محاولات متعددة من السلطة لتغييرها ولإعادة السيطرة على تلك المساحات المكتسبة للمواطن بفعل الثورة، وترسيخ الخضوع لها كضرورة لا تقبل النقاش.
لقطة تعود لتطرح نفسها بصور مختلفة على هامش جلسة إعادة المحاكمة في قضية التظاهر أمام مجلس الشورى، وهي القضية التي تتم فيها إعادة محاكمة 25 متهما، من بيــنهم الناشـــط السياسي علاء عبد الفتاح، للتظاهر بعد صدور قــانون التظاهر من دون إخطار الأجهزة الأمنية، تظاهرة قصد منها الاعتراض على قانون التظاهر نفسه، وعلى مناقشات الدستور الخاصة بالمحاكمات العسكرية للمدنيين.
تعود تأملات الكاتب في الرواية للظهور بشكل خاص في ما استندت اليه النيابة في مرافعتها من «احراز» شملت، فيديوهات عائلية لأسرة علاء عبد الفتاح لا تمس القضية. وضع أثار تعليقات مختلفة داخل مصر وخارجها حول المحاكمة والهدف من عرض الفيديوهات ووضع المرأة في المشهد، بما يطرح تساؤلات مهمة حول الهدف وأسباب تركيز الجدل على المعنى الاجتماعي «للرقص»، بأكثر من القيمة السياسية للمشهد. تساؤلات لا يغير منها قرار المحكمة بالتنحي عن نظر القضية والإفراج عن علاء مع آخرين، ولا تحويل موضوع عرض الفيديو إلى التحقيق، وإلا لتحول الحدث إلى صندوق أسود آخر يتم إغلاقه مؤقتا حتى يفتح في مكان وزمان مختلف.
فما حدث في الجلسة يتقاطع مع فكرة برنامج «الصندوق الأسود» الذي تم إيقافه منذ فترة قصيرة لاعتبارات لا تتعلق بالفكرة، ولكن لتناوله شخصية محددة أدت التشابكات معها إلى الإيقاف. ما عرض في البرنامج من تسجيلات وفي المحاكمة من فيديوهات، يمثل نوعا من التهديد الضمني بإمكانية استهداف اي شخص، ليس فقط بجرائم حقيقية، ولكن بتفاصيل من حياته العادية.
وكما تحولت مقتطفات من مكالمات، تطرح للتساؤل حول قانونيتها وقانونية إذاعتها علنا وعدم تدخل السلطات المعنية لوقفها، إلى قصص إدانة ومجال للنقاش بعيدا عن أصل فكرة خصوصية الأفراد وشعورهم بالأمان الشخصي ومسؤولية الدولة عن حمايته.. يتحول حفل عائلي أو غيره من الأنشطة الأخرى – كالرقص في تلك الحالة – إلى مجال آخر للنقاش العام. وتصبح المرأة كما تعودنا في الكثير من القصص السياسية هي العنصر الأضعف الذي يتم استهداف البطل من خلاله، في تأكيد آخر على ذكورية السلطة ورؤيتها القاصرة للمرأة في المجال العام.
وهنا تبدو الإشكالية المتعلقة بتحديد المستهدف من الحدث، حيث ركز البعض على فعل الرقص والسخرية من الاستناد إليه لتشويه المتهم، وتناقض الدولة في التعامل معه بين الاحتفاء به كمؤشر على التأييد والدعم أمام لجان الانتخاب والاستفتاء وغيرها، وأنه أداة للنقد الاجتماعي. ولكن هل القضية الحقيقية في الفعل الخاص بالرقص، وفي الاحتفاء بدور المرأة وهي ترقص تأييدا، ونقدها وهي ترقص في حفل مغلق؟ أعتقد أن تلك الرؤية أكثر تبسيطا مما يمكن أن يتحقق من الحدث. فمع عدم إغفال المعنى الضمني للتعامل مع المرأة في الإطار الذكوري، والرقص في إطار المصلحة، يظل من المهم عدم تركيز الجدل على تبرير الرقص والدفاع عنه من عدمه، فالأكثر أهمية هو التركيز على المجال الخاص للفرد بغض النظر عن النوع، وحقه في الحماية والاحترام ومسؤولية الدولة في تلك الجزئية لأن أهانة كرامة المواطن هي أهانة للوطن.
القضية الأساسية كما نراها في «اللجنة» وفي برنامج «الصندوق الأسود» والمحاكمة، هي تسريب فكرة القبول بتعرية المواطن/المعارض أمام المجتمع، والتغاضي عنها عبر التركيز على تفاصيل أخـــرى هامشـــية، في الوقت الذي تفرض فيه المزيد من القيود للردع وتوليد الخوف، من خلال التأكيد على أن كل ما يخـــص الحياة الشخصية متاح ويمكن الوصول إليه ويمكن نشره في البرامج وفي المحاكم.
وعندما تتم تلك الممارسات مع الأسماء المعروفة التي تحظى بالدعم والمساندة والاهتمام الإعلامي فإن الأكثر ابتعادا عن تلك الدوائر يفترض أن يخاف بدرجة أكبر، وان يستند إلى أقـــرب جدار للاحتماء فيه أو يدخل الجدار ويغلقه خلفه، وربما يفترض به أن يقوم في النهاية، كما في الرواية، بالبدء في أكـــل نفسه عندما يدرك أنه لا يملك مفرا من السلطة التي تتحول من لحظة لقاء عابرة إلى أسلوب حياة وتفكير.
قد يتعامل البعض مع قرار المحكمة بتحويل موضوع الفيديوهات للتحقيق بوصفه نهاية القصة، ولكن الفرح بوقف برنامج الصندوق الأسود لم يمنعه من أن يطل علينا بصورة أخرى، وستظل الحالة فردية أن ارتبطت بالاسم والاهتمام الإعلامي وردود الفعل الغربية وما أثارته من ردود فعل داخلية، وهو ما يعني أن المعركة الأساسية تتطلب تجاوز اللحظة وتأسيس القاعدة العامة للعدالة والحرية وللوقوف ضد كل صندوق أسود يعاد إنتاجه في المشهد.
المجتمع وحده قادر على إعادة تصويب الأمور في هذا الاختبار وعدم المشاهدة كمتفرج، ولكن كطـــرف فاعل يمكن أن يتم استهــــدافه في لحظة يكتشـــف خلالها متأخرا أن عدم دفـــاعه عـــن حقــوق غيره في الخصوصية والمحاكـــمة العـــادلة لم يترك أحدا للدفاع عن حقوقه، وأن الحقوق والحريات لا يمكن أن تؤجل لأن التشوهات الناتجة ستغير صورة الحياة والبشر.
ما يتردد في مصر لتبرير استمرار الأوضاع هو قدسية أحكام القضاء وعدم التعليق عليها بوصفها العنصر الأساسي في تأسيس دولة القانون، ولكن ما يغيب عمن يردد تلك المقولة، ان القضاء موجود لحماية العدالة والانسان فالقانون ليس الغاية ولكنه الوسيلة لضمان تلك القيم. وبدون عدالة ونزاهة العملية السابقة على أي حكم ستظل الأحكام محل تساؤل يزيد منه إهانة المتهم وانتهاك حياته.
وما يتجاوز عنه النظام وهو يدافع بمقولة قدسية الأحكام ويشهر الصندوق الأسود كأسلوب تعامل مع المعارضين أو المختلفين، ان الكاتب قد بدأ في أكل نفسه في نهاية الرواية بالفعل، ولكن بعد أن أدرك أن جذور التغيير قائمة، وأن ظلم اللجنة وأسلوبها هو الذي يحدث تآكلها، وأن موته مجرد حلقة في سلسلة لابد أن تقود إلى التغيير والإصلاح المطلوب. فالفساد والظلم والقمع هي عوامل الفناء وعدم الاستقرار وليس العكس. قد تستقر المقاعد للجالسين عليها ويتم حماية المكاسب والألقاب وتستمر الصناديق والجدران السوداء في النمو والارتفاع، ولكنها مرحلة لا تملك البقاء الأبدي كالسجن والسجان. وربما يتكرر مشهد الرقص مرة أخرى على هامش بداية واقع إصلاحي حقيقي يهتم بالقيمة والانسان، ولكنه في الأجل القصير قد يظهر في لحظة الإفراج عن متهم حاول البعض تعريته فانعكس الأثر.
٭ كاتبة مصرية
عبير ياسين