لم يكتف الزميل ماجد عبد الهادي، في تقريره عن الطفل السوري عمران، بالتأثير الهائل الذي حملته صورة الطفل الحلبي، فأبى إلا أن يستنهض عدّته الشعرية كاملة، ليقول ما لا يتحمّله تقرير إخباري تلفزيوني «هذا طفل آخر نجا، إلا قليلاً، في حلب، لأن يداً ما من ضباب، يداً ما إلهيةً أسعفته، وفق كلمات قالها محمود درويش في موقف مشابه». هذا مطلع التقرير، الذي بثته قناة «الجزيرة»، ولا يكتفي الزميل بذلك، ففي جعبته كلام آخر «سمّوه المومياء، فمسح الدم عن طرف جبينه»، إلى أن يقول على لسان الطفل «إني صورة عالمكم. عالمكم هو المومياء المتنكرة في حلب. وأنا الطفل الحلبي الجريح القلب والوجدان. نجوت من الموت، إلا قليلاً (يبدو معدّ التقرير مسحوراً بهذه العبارة المكررة، كما لو أنها لازمة شعرية) لأصبح ظلكم المفضوح في مرايا العار».
واضح أن هذه اللغة لا تليق مهنياً بقناة لها هذه الشهرة وهذا التأثير. كما لا يبرر الحدث هذه اللغة، فهي ليست مثل دمعة خرجت عن السيطرة، بل تقرير مكتوب على مهل، يفترض أنه على مسافة تجعله يتوخى الأصول المهنية.
لكن، للحق، لغة هذا التقرير ليس نادرة أو نافرة عن المشهد الإعلامي العربي، فالرغبة بكتابة الشعر عميمة وراسخة، كما لو أن الإعلاميين قد قرروا العودة إلى الجذور، حيث «الشعر ديوان العرب».
عالم الأخبار هو عالم الوقائع والمعلومات والأرقام، أما كلام الشعر والقوافي والضباب و»ظلكم المفضوح في المرايا» فليترك للمراكز الثقافية الرسمية، المهملة غالباً، هناك لن نعدم وجود من يستمع إلى أمسية عبد الهادي الشعرية.
خلايا «فرانس 24» من جديد
تناقش «فرانس 24» موضوعاً في غاية الأهمية في حلقة من «منتدى الصحافة» تحت عنوان «الأطفال في تغطيات الحروب: بين المعاناة والتوظيف السياسي». فالقناة، التي قررت، “دوناً” عن معظم الإعلام شرقاً وغرباً، عدم بثّ فيديو عمران «احتراماً للضحايا»، لديها أسئلتها وشكوكها بخصوص استخدام صور الأطفال في الحروب، وإشكالية توظيفها في الدعاية السياسية ومدى تأثيرها في تشكيل الرأي العام.
حتى ذلك السؤال حول هوية المصور وإن كان يؤثر في أهمية الصورة وتأثيرها لن يكون إلا بمثابة سؤال مهني ضروري، لكن حين يقرر واحد من أهل البيت، أي من بيت «فرانس 24» كما تقدمه الزميلة المذيعة كوزيت إبراهيم، هو جان بيير قسطنطين، وسيط «فرانس 24» والإعلام الخارجي الفرنسي مع الجمهور، أن لمصور الطفل عمران «ارتباطات مشبوهة إلى حد بعيد»، سيصبح ذلك موقفاً للقناة في قضية، هي مجرد شائعة تتحمل الصح والغلط، لكنها انطلقت من قنوات ممانعة ومساندة للنظام السوري، وكان لا بدّ من التدقيق بصحتها قبل أن يبتّ فيها قسطنطين.
بدت هذه العبارة (الارتباطات المشبوهة) وكأنها فحوى هذه الحلقة من «منتدى الصحافة»، وكأن الرسالة هي التشكيك بصورة عمران، أو تبديد أثرها على نحو ما يفعل ذلك السؤال المكرر عند كل حدث مشابه: «وماذا عن صور الضحايا من الجانب الآخر؟»، والبرنامج لم يقصر في إثارة هذه المقارنة، حين راح يسأل عن صور أطفال العراق واليمن وسواهم.
الغريب، كما هو واضح في هذه الحلقة، أن يلتقي موقف القناة الفرنسية، مع قناة «روسيا اليوم»، فقد استضاف «منتدى الصحافة» أيضاً محمد حسن، نائب رئيس تحرير في تلك القناة، ليؤكد أن القناة الروسية اختارت أن تطمس عيني صورة عمران، كما تفعل دائماً مع صور الضحايا الأطفال، على حد زعم حسن الذي قال «نحاول دائماً عدم إظهار صور الأطفال»! يعني ولا كأن هؤلاء ضحايا القصف الروسي على البلاد. ولا كأن فضائح «روسيا اليوم» بالجملة بالتزوير والتلفيق حول سوريا بالذات.
لكن إذا كانت «روسيا اليوم» ممثلاً صريحاً لسياسات روسيا في المنطقة، فما بال «فرانس 24»؟ ألا تهدأ «خلاياها النائمة» قليلاً؟
عنصرية مقلوبة
بياتريك باز، مصور في «وكالة الصحافة الفرنسية»، تحدّث من بيروت عمّا يجعل صورة الطفل السوري عمران مؤثرة إلى هذا الحدّ، فقال «عمران أشقر، أبيض، له ملامح غربية. وإذا أردت أن يتأثر شخص أعرض عليه ما هو قريب إليه. كذلك كانت صورة آلان الكردي (الذي قضى غرقاً)، فقد كان الغرب في إجازة على البحر، يرتدي الثياب نفسها التي يرتدونها، وقد كان الغرب في إجازة على البحر».
في الواقع لم أجد أردأ من هذا التفسير لأثر الصورة، وقد يكون نوعاً من عنصرية مقلوبة.
من دون أن يكون المرء غافلاً عن مصائب الغرب وسلبياته، أو يكون مأخوذاً بكل ما ينتج، لا بد من القول إن من بين إنجازاته منظمات إغاثة وحقوق إنسان، من بينها «أطباء بلا حدود»، و»مراسلون بلا حدود»، وهناك الكثير من صحافته وإعلامه التي لها إنجازات في مجاهل أفريقيا أكثر من مكان آخر يشبهها. وربما من الغبن القول إن الغرب تأثر لأن الولد أشقر، أو أن المذيعة الأمريكية بكتْه لأنه أقرب إلى لون بشرتها.
بعضنا يحب أحياناً «التفصحن» و»التفهمن»، ولكن حبذا أن لا يكون ذلك على حساب قضايانا الكبرى.
داريا سابقاً
من بين الفيديوهات التي ظهرت لحي بابا عمرو الحمصي الثائر هناك واحد مميز صُور بيد عسكر النظام السوري، وفي مطلعه قدّم الجندي/ المصور «شريطه» بالقول «بابا عمرو سابقاً». وكان الحي قد دمّر، وهجّر سكّانه بالكامل.
نترقب أيضاً، منذ هجرة سكان داريا الثائرة مدينتهم، أشرطة مماثلة، فالمدينة، ذات الصمود الأسطوري، كانت محطّ أنظار سينمائيي النظام حتى أثناء الحصار، فقد أرادوها موقع تصوير «طبيعي»، كما فعل المخرج نجدت أنزور، الذي رقّي إلى مرتبة نائب رئيس مجلس الشعب (البرلمان) السوري، عندما صور مسلسلاً تلفزيونياً على تخوم المدينة فيما القتال مشتغل فيها.
نترقب غداً من جنود النظام الخلّص، السينمائي جود سعيد والممثل دريد لحام والمذيع أمجد طعمة والموسيقي طاهر مامللي والمايسترو ميساك باغبودريان والحكواتي كفاح الخوص… أفلاماً ومهرجانات مسرح وحفلات على الأنقاض، لكن تذكروا شيئاً واحداً رجاءً، أن يكون عنوان أعمالكم «داريا سابقاً».
كاتب من أسرة «القدس العربي»
راشد عيسى