لم يتورع مارك بيتس، رئيس تحرير مجلة «بريتيش أركيولوجي» عن إطلاق صفة «السوريالية» على العملية التركية الأخيرة، «فرات شاه»؛ التي استهدفت نقل ضريح، ورفات، سليمان شاه، جدّ عثمان الأوّل مؤسس الإمبراطورية العثمانية. «فكرة نقل رفات أشخاص أيقونيين ينتمون إلى الماضي أمر مألوف بالفعل، لكن هذه العملية تحديداً تنطوي على باطن غريب يوحي بسوريالية تامة»، قال الرجل في تصريح لصحيفة الـ»غارديان» البريطانية. ذلك لأنّ الهدف بدا أيضاً، في الحصيلة، وكأنه تذكير بـ»سيادة» تركية دائمة على جزء من الأراضي السورية، وليس مجرد حرص على رفات رمز أيقوني؛ بدليل أنّ العملية نقلت الضريح إلى بقعة أرض داخل سوريا، حتى إذا كانت على مبعدة 180 متراً فقط من الحدود الرسمية التركية، ورفعت العلم التركي، وكأنّ أنقرة تقول: لم نخسر أرضاً سورية كانت قد مُنحت لنا بموجب معاهدة 1921 مع فرنسا، التي كانت تحتل سوريا تحت نظام الانتداب.
فإذا توقف المرء أكثر عند الأصالة الأركيولوجية للضريح، وللرفات، فإنّ الحقائق تشير إلى أنّ سليمان شاه غرق في مياه نهر الفرات سنة 1236؛ وأنّ السلطان عبد الحميد الثاني أعاد ترميم ضريحه في القرن التاسع عشر، على مقربة من نهر الفرات، قبل أن يصبح تحت الوصاية التركية داخل الأراضي السورية دائماً؛ ثم يُنقل، في سنة 1973، أبعد قليلاً عن ضفاف النهر بعد بناء سدّ الفرات. وبذلك فإنّ الضريح الأخير، الذي أقامه الجيش التركي قبل أيام، هو الموقع الرابع عملياً؛ وبالتالي يصبح مشروعاً السؤال البسيط: ما الذي تبقى، حقاً، من القيمة الأركيولوجية للضريح، في موقعه الجديد؟ «يحتاج المرء إلى دليل يبيّن أن ما نقلوه من الموقع يظل على صلة، أياً كانت، بسليمان شاه أو بضريحه الأصلي»، يعلّق بيتس.
طراز آخر من السوريالية يخصّ موقف المتفرج، وربما المشارك المساعد، سواء من جانب «داعش»، التي تبسط سيطرتها على منطقة الضريح قبل نقله؛ أو من جانب الميليشات الكردية، التي يُفترض أنها تسيطر على كوباني، من حيث توغلت القوّة العسكرية التركية إلى ميدان العملية (وللتذكير: تألفت تلك القوّة من قرابة 40 دبابة، و57 عربة مدرعة، و100 ناقلة جنود، و562 جندياً!). وإذا كنّا لا نملك، بعدُ، مادة فوتوغرافية حول دور «داعش» في العملية، فإنّ صورة دراماتيكة مذهلة أظهرت جنوداً أتراك يرفعون العلم التركي في أرض الموقع الجديد للضريح، وقريباً منهم يقف عناصر «وحدات الحماية الشعبية الكردية»، وقد رُفعت صورة الزعيم الكردي التركي عبد الله أوجلان!
حسيب كابلان، عضو البرلمان التركي عن «حزب الشعب الديمقراطي»، المؤيد للأكراد، ذهب إلى درجة الحديث عن «عملية مشتركة» بين الجيش التركي والميليشيات الكردية: «القوات التركية، وعناصر وحدات الحماية الشعبية، وهم الذين كانوا في حرب طيلة الثلاثين سنة الأخيرة، نفّذوا عملية مشتركة للمرّة الأولى. هذا منعطف كبير». كذلك أوضح كابلان، بنبرة تفاخر لا تخفى، أنّ موقع الضريح الجديد يقع ضمن الأراضي التي يحكمها الأكراد، في كوباني. وعلى نحو ما، بدا الفخار القومي التركي (العثماني، في نهاية المطاف، المتناقض تاريخياً مع حقوق الأكراد السياسية والثقافية في تركيا)؛ متلاقياً مع فخار كردي، حتى إذا كان محلياً، مصدره مشاركة وحدات الحماية في العملية!
وأمّا طراز السوريالية الثالث، فقد كان موقف النظام السوري: خارجيته اعتبرت عملية نقل الرفات «عدواناً سافراً»، وأذاعت «سانا»، وكالة أنباء النظام، إنّ الحكومة التركية أبلغت قنصلية النظام في إسطنبول أنها تنوي نقل الضريح، «إلا أنها لم تنتظر الموافقة من الجانب السوري على أساس النصوص الواردة في اتفاقية 1921 بين تركيا وسلطات الاحتلال الفرنسي آنذاك»؛ مما «يحمّل الحكومة التركية المسؤوليات القانونية المترتبة». من جانبها، استفاقت القيادة القطرية لحزب النظام من سباتها، فاعتبرت العملية «خرقاً فاضحاً للقوانين الدولية، وقوانين مجلس الأمن، وإساءة كبيرة للعلاقات الوثيقة بين الشعبين السوري والتركي».
والحال أنها أكثر من هذا كله، فهي صفعة جديدة يتلقاها نظام لم يعد يستقوي إلا على السوريين، بالبراميل والصواريخ والقاذفات والأسلحة الكيميائية؛ وسلّم مقدّرات البلد إلى الغزاة من جنرالات «الحرس الثوري» الإيراني وميليشيات «حزب الله»، وشّذاذ الآفاق والمرتزقة من كلّ حدب وصوب. طائرات التحالف الأمريكي تنتهك أجواء سوريا في كلّ ساعة ونهار، وليس لرأس النظام من فخار إلا التشديد على أنّ طرفاً ثالثاً، عراقياً أو حتى إيرانياً، يُبلغه بعمليات التحالف. كذلك فإنّ العملية التركية، مختلفة ـ في النوع والنطاق، فقط ـ عما يُمارس في أرض وسماء وبحار سوريا من عربدة الغزاة الأغراب، أياً كانت أجنداتهم وعقائدهم. وليس غريباً، والحال هذه، أن يردّ رئيس الوزراء التركي، أحمد داود أوغلو، على جعجعة النظام اللفظية بالقول: «لا قيمة لتهديدات الحرب التي يطلقها مَنْ لا يتمكنون من السيطرة على أراضيهم»!
من جانب آخر، جيو ـ سياسي أعرض ربما، تبدو العملية التركية وكأنها عودة، حتى بخطوة أولى قصيرة ومحدودة الأغراض، إلى مبدأ ضمان الأمن القومي عن طريق استخدام «القوّة الخشنة». ولعلها، في هذا، ترتدّ مبدئياً عن خيار نظير، أو نقيض، كان داود أوغلو نفسه قد سنّه، في كتابه الشهير «العمق الستراتيجي: موقع تركيا الدولي»؛ حين اعتبر «أنّ الدول التي تمارس النفوذ العابر لحدودها، عن طريق استخدام القوة الناعمة هي التي تفلح حقاً في حماية نفسها». وثمة، ضمن التطوّر ذاته، ما يذكّر إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما بأنّ تركيا قد تخرج، في كلّ حين مواتٍ جيو ـ سياسياً، وقابل للاستثمار السياسي والرمزي داخلياً، عن «المحظورات التي رسختها واشنطن في سياسته العسكرية تجاه الملفّ السوري، وجعلتها مُلزمة، عملياً، لحليفاتها الأطلسيات.
فإذا طُويت ركيزة أولى في فلسفة داود أوغلو حول السياسة الخارجية التركية، فإنّ ركيزة آخرى ما تزال قائمة، بل لعلها تتسلح يوماً بعد آخر بعناصر القوّة والرسوخ: تركيا ـ في فلسفة داود أوغلو، التي يتبناها أردوغان بالحرف تقريباً ـ قوّة إقليمية أوّلاً، ودولية ـ أطلسية استطراداً، ويتوجب عليها أن تتصرّف على هذا الأساس، فتعمل على خلق منطقة تأثير ستراتيجية، سياسية واقتصادية وثقافية. باستيحاء عناصر هذا التركيب، كله، كانت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلنتون قد ثمّنت عالياً، ومراراً، المرونة التركية في التعامل مع محاور مسلمة ومسيحية ويهودية، في العالم العربي والإسلامي، وفي أوروبا وإسرائيل، فأطلقت على تركيا لقب «القوّة الكونية الصاعدة».
البعض، ليس خارج تركيا فحسب، بل في داخلها أيضاً، يفضّل استخدام اصطلاح نظير، أكثر تعبيراً عن واقع الحال ربما: إمبراطورية عثمانية جديدة، وليدة، ناهضة من رماد ذلك «الرجل المريض» الذي ساد، ثمّ تفكك، دون أن تبيده العقود تماماً. وبهذا المعنى فإنّ البُعد السوريالي، الذي توقف عنده الكثيرون في الإشارة إلى عملية نقل رفات سليمان شاه، هو جزء لا يتجزأ من المعمار الرمزي الذي يلجأ إليه «حزب العدالة والتنمية»، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان شخصياً، كلما دغدغت صورة الإمبراطورية العثمانية أذهان الأتراك.
فكيف إذا امتزجت فلسفة الإحياء العثمانية، بنزوعات الإحياء الإنكشارية (والأطلسية، على نحو ما) لدى الجنرالات الأتراك؛ على خلفية هذا المشهد المعقد الذي تعيشه الجارات، في سوريا والعراق ولبنان، في مصر وليبيا وفلسطين واليمن والسعودية، ثمّ… في إيران وإسرائيل!
٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
صبحي حديدي