وصلتُ إلى عنابة، في أقصى شمال شرق الجزائر، على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، في يوم صيفي حار. بدت لي سماء المدينة مغطاة بسحب بيضاء متفرقة في صمت وفضاؤها يطلق رطوبة قاتلة.
في انتظارنا بالمطار كريم. شاب مهذب وطيب أُوصيَ بالإعتناء بي وعائلتي. نركب السيارة فتتجه بنا صوب منتجع سياحي. فوراً يقرر كريم إنهاء لحظات الصمت. يسأل بلهجة «عنابية» حادة يصعب فهمها:
ـ كيفاش خليتو دزاير (كيف تركتم الجزائر العاصمة)؟
أرد: مدينة منكوبة تئن وتشتكي منا إلينا.
يسأل: منذ متى لم تزر عنابة؟
قلت: قل 20 سنة أو أكثر، وقد أحببتها آنذاك.
رد مبتسما دون أن يلتفت إليّ: عنابة التي تعرفها تغيّرت، فلا تنصدم.
كنت أتوقع مضمون ما سَيَلي من كلام كريم لأنني سمعته عن المدن الجزائرية، قبلاً وسأسمعه ما عشت. في الجزائر قدرة هائلة على «تضييع» المدن، وأنهار من الدموع في بكائها.
نحن بارعون في خراب المدن، وأكثر براعة في الحزن عليها.
استطرد كريم في الكلام: عنابة ضحية سنوات الإرهاب (يقصد الحرب الأهلية في التسعينيات التي أودت بنحو مئتي ألف جزائري). في تلك السنوات لم تـُضرب المدينة، فنزح إليها الآلاف من سكان المدن والأرياف المجاورة بحثا عن ملاذات آمنة. استقروا هنا، اشتغلوا، درسوا، تزوجوا، أنجبوا، كبرت عائلاتهم وبات مستحيلا عليهم أن يعودوا وقد مرّ على مجيئهم 20 سنة وأكثر.
ضحية الإرهاب
يضيف دون أن يمنحني فرصة التعليق: «شفت.. من المفروض أن المدينة التي يضربها الإرهاب هي التي تتضرر، لكن عندنا العكس».
هذا الكلام لا تسمعه في عنابة وحدها. حتما ستسمعه من سكان وهران، وقسنطينة، وباتنة، والعاصمة وكل المدن الكبرى. إرهاب التسعينيات ضرب الأرياف أكثر من المدن، فدفعت الأخيرة الثمن نزوحا أسفر فوضى اجتماعية.
عندما توقف أزيز الرصاص وضربُ السيوف والسواطير، استفاق الناس على الحقيقة الاجتماعية المُرّة: المدينة مختنقة بسكان الأرياف وطقوسهم وعاداتهم وطريقة كلامهم وتصرفهم في الحياة.
ليس ضروريا أن تكون هذه الطقوس وطرق العيش سيئة أو معيبة كي ترفضها عنابة. يكفيها أنها جديدة ودخيلة.
في ثرثرة كريم اللطيفة وجه واحد صادق هو أن عنابة (وأي مدينة أخرى) استقبلت من البشر أكثر مما تطيق. هناك وجه آخر هو أن هذه المدينة (كالمدن الأخرى) ليست مرحِّبة بالآخر. لا تفرح به. لا تتعاطف معه. لا تفتح له ذراعيها. حيثما ذهبت، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، كل الناس أغراب وكلهم يشتكون كثرة الأغراب في مدينتهم الضائعة، ويسرفون في البكاء على أيامها الخوالي. حتى البلدات والقرى لها نصيب من بكاء سكانها.
أحزن على كل المدن الجزائرية. لكن حزني على عنابة مختلف لأنني أحببت هذه المدينة منذ زرتها مرتين قبل عشرين سنة. مدينة تكتنز كل أسباب السحر والإبهار، لكنها موغلة في الحزن والملل. هي اليوم كئيبة فقدت مسببات وشروط المدن. يجب أن نسميها: تجمع للأرواح البشرية، لا غير.
تجمع بشري
أقرر أن أخرج من «منتجعي» وأصطحب زوجتي وولدي إلى قلب المدينة التي زرتها أعزبا.
قبل أن يصيبني الذهول عدتُ إلى كلام كريم: لا تنصدم! وعدتُ إلى قناعتي التي رسّختُها في داخلي منذ سنين: ليست عنابة وحدها.
ترّيفت إجتماعيا. صاخبة لا تطاق. بذيئة الكلام. الإنسان فيها، مهما كان طيبا، لا يمنحك الشعور بالأمان إلا بعد أن تتحدث إليه. أصابتها قنبلة نووية عمرانيا. طرقها مهترئة. عماراتها ذات الطراز الكولونيالي الجميل تعطيك الإنطباع بأنها آيلة للسقوط. تراها مائلة في صمت كأنها تتنازل عن جمالها وكبريائها وصبرها.. عن كل شيء. توقفتُ أمام عمارات في قلب المدينة لم يمسسها دهن منذ ربع قرن وأكثر.
من ذا الذي أجرم بحق مدينة كهذه بهذا الشكل؟
ننزل إلى وسط المدينة. لولا اللهجة «العنابية» لأقسمت أنها أي مدينة جزائرية أخرى. كل المدن تتشابه. بدءا من الذائقة الموسيقية، في عنابة لا تسمع «المالوف» العنابي الجميل يصدح بصوت حمدي بناني أو ديب العياشي، بل أغاني مطربي الكباريهات التي تسمعها في أي مدينة أخرى تمجد الخمر وحياة الليل.
أرصفة ضيفة أصلا باتت ممنوعة على المشاة. تجار الرصيف احتلوها فضاقت بهم. هذا يبيع خبزا ويتقاسم مساحة كالقبر مع آخر يبيع ملابس النساء الداخلية. الآخر يبيع لعب أطفال صينية لا أحد يعرف من أين أتى بها. ثالث يشوي ذرة. رابع يبيع بقدونس. خامس يصرّف عملات أجنبية. سادس يبيع أشرطة وسيديهات مقرصنة. وقربهم جميعا صاحب محل ذو نزعة توسعية يضع أغطية ووسائد على ما بقي من الرصيف لأن المحل ضاق بها، ولأن كل التجار يفعلون هكذا.
على الرصيف
هكذا يجد المشاة أنفسهم «مطرودين» إلى المساحة المخصصة للسيارات فيمشي الأطفال والعجزة والشباب في وسط الطريق.
طبيعي جداً إن كان أحدهم يفاوض على سعر غرض دراسي لابنه، أو يسأل عن سعر رغيف خبز فـ»تحك» خاصرته مرآة خارجية لسيارة تحاول شق طريقها وسط أمواج بشرية.
وطبيعي جداً أن يشمئز سائق تلك السيارة من المشهد فيطلق بحق ذلك الزبون، دون أن يلتفت إليه ودون أن يتركه يسمع بوضوح: … أمشوا فوق «التروتوارات (الأرصفة).. شعب همج».
وطبيعي جدا أن يبتعد السائق ذاته مئات الأمتار فيركن سيارته ويبدأ رحلة مع الأمواج البشرية.. يسأل عن سعر هذه، ويشتري تلك، و»تحك» مؤخرته سيارة أخرى يطلق صاحبها باشمئزاز: امشوا فوق «التروتوارات» شعب همج!
وطبيعي أن لا أحد ينزعج من هذه المشاهد أو يتوقف عندها، لحسن حظ الجميع وإلا كانت حرب المئة عام، في كل المدن.
يصيبني الضجر فأسأل زوجتي بصيغة الأمر: دعينا نعود إلى الفندق.
نحتاج إلى تاكسي. التوقيت بعد العصر. قال لي أحدهم إنها ساعة الذروة فليس سهلا العثور على تاكسي. قلت الذروة عندكم أراها في كل وقت.
سيارات الأجرة في عنابة، مثلها في العاصمة، تنفرد بخاصية أن الزبون هو الذي يسأل صاحب التاكسي عن وجهته، وليس العكس. إذا تطابق اتجاهك مع اتجاه السائق، إركب. وإلا انتظر وأنت وحظك.
في الطريق إلى الفندق القابع على سفح جبل يضع قدمه في مياه البحر، عنابة هي أي مدينة جزائرية أخرى: طرق مهترئة في أغلبها، ضيقة ومزدحمة في كل ساعات اليوم. مئات البنايات والفيلات متراصة غير مكتملة البناء وغير متناسقة الأشكال والألوان. إذا أعملت خيالك ستقول إنها بناءات كانت مكتملة فدمرها قصف أبقى منها على ما ترى عيناك، وليست بناءات تنتظر من يمضي بها إلى نهايتها. مشهد ستشاهده في كل المدن الجزائرية بلا إستثناء.
تاكسي المدينة
أسأل سائق التاكسي: مدينتكم معمّْرة (مزدحمة)، فيتناسق رده مع كلام كريم في البداية: جاوا الناس من الدنيا الكل شوف كيفاش ولاّت (أنظر كيف أصبحت) عنابة.. ما تقدرش تمشي مع أمك أو اختك في الطريق العام.
في تلك الأثناء كان سائق التاكسي يضع شريطا غنائيا بذيئا لم أسمعه في حياتي، ولم يرَ ضرورة أن يطفئه أو يسأل إذا ما أزعجنا أم لا.
أكثر من «البذاءة» اللفظية التي تحدّث عنها السائق، يوجد من يشتكي من تفشي الإجرام. قلت للوهلة الأولى إنها مبالغات يتفتق بها خيال البارعين في البكاء على المدينة.
بيد أن الصحف الجزائرية تنشر بكثرة أخباراً عن جرائم تشهدها المدينة، لكن لا أحد يستطيع أن يجزم بأنها أعلى مما تشهد المدن الأخرى ما لم تكن دراسة موضوعية وموثقة.
نظرية المؤامرة حاضرة هنا أيضا، فتجد أسباب هذا المصير البائس الذي آلت إليه عنابة في رغبة السلطات العليا في البلاد في الإنتقام من المدينة لأنها مسقط رأس مصطفى بلوصيف، أول ضابط في الجيش الجزائري ارتقى الى رتبة جنرال في منتصف الثمانينيات وهو دون الخامسة والأربعين. قيلت أساطير عن نفوذه وسطوته. ثم عـُزل واعتزل إلى أن فتح رفاق دربه ملفات سرية قادته إلى السجن.
زرتُ الرجل في بيته في اليوم السابق لمثوله أمام المحكمة العسكرية وسجنه. كان ذلك في شهر نيسان/إبريل 1992 وكنت آخر صحافي يلتقيه في تلك الظروف. اشتكى بحرقة ظلم رفاقه له وتكالب الصحافة عليه.
توفي وحيداً بين أسرته بمرض السكري ومتاعب صحية أخرى بعد خروجه من السجن في أواخر التسعينيات.
غضب أهل الحكم في بداية التسعينيات على بلوصيف فلحقته لعنتهم وامتدت إلى عنابة. هذا ما تقوله نظرية المؤامرة.
لعنة الجنرال بلوصيف
نغادر المدينة من مطارها. لديّ قصة مع هذا المطار. كنت في السادسة عشرة من عمري عندما أهداني والدي، وشقيقي في سني، تذكرة طيران ومصاريف سفر إلى إيطاليا، فقضيت أربعة أيام بين روما ونابولي تبضعنا فيها وفقا لمصروفنا المتوفر ومداركنا في تلك السن. في رحلة العودة نادى مناد في مطار روما أن رحلة الخطوط الجزائرية باتجاه الجزائر العاصمة تغيّر اتجاهها إلى عنابة، ومنها تواصل إلى الجزائر. عندما وصلنا عنابة تقرر إلغاء الجزء المتبقي من الرحلة بلا سبب واضح وبلا مقدمات. اضطررت، وشقيقي، أن نقضي الليل في مطار عنابة. رغم الرعب الذي أصابني على مرحلتين، تحويل مسار الرحلة ثم إلغاء جزئها الآخر، منحني مطار عنابة شعورا بالراحة والأمان خفف من ذعري. وجدته نظيفا مسالما مرحبا ليس فيه ما يعاب.
عادت إلى ذاكرتي تلك الواقعة عندما هبطت بنا الطائرة «أم مروحتين» في مطار عنابة في ذلك اليوم الصيفي، لكنني لم أمتلك الوقت للتأمل والمقارنة. الوصول إلى المطارات لا يمنح المسافرين فرصة تأملها، المغادرة تفعل، وقد فعلت.
أثناء المغادرة اكتشف مطاراً لا صلة له بالذي قضيت فيه ليلتي قبل ثلاثين سنة. هذه المرة الأمر يتعلق بمطار كئيب، بلا تكييف، بلا حمامات نظيفة، بلا مقهى محترم، بلا عمال نظافة، بلا أكشاك جرائد، بلا كراسي مريحة، بلا ساعات تدل المسافرين الى الوقت، بلا إضاءة كافية، خيوط أنظمته الكهربائية متدلية كيفما كان.
النقطة المضيئة الوحيدة وسط تلك اللوحة الحزينة أن طائرة الخطوط الجزائرية باتجاه العاصمة أقلعت في الوقت المحدد بلا أي تأخير.
فضولي منعني من الصمت وقد اكتويت بنار هذه الشركة مرارا وهي المبدعة في التأخير، فجاءني الرد من أحدهم: الطيار وطاقمه مستعجلون العودة إلى بيوتهم!
عادوا وعدنا، ولا أعرف إلى اليوم هل كان صاحب هذا الجواب جاداً أم يمزح، فالجزائريون يفتون في كل شيء ولديهم أجوبة لكل الأسئلة.
كانت شمس العاصمة تتجه إلى المغيب عندما حطت «أم مروحتين» في مدرج مطار الجزائر و»ركنها» الطيار المستعجل بعيداً عن الطائرات الأخرى الواصلة حديثا، كأنها قادمة من بلاد إيبولا.
توفيق رباحي