الجزائر ـ «القدس العربي» من كمال زايت: تعتبر مدينة عنابة الجزائرية واحدة من أجمل مدن البلاد وثاني أهم مدينة في الشرق الجزائري بعد قسنطينة مدينة الجسور المعلقة. كانت تسمى من قبل «بونة» وهي حاضنة القس أوغسطين الذي لا تزال كنيسته تطل على هذه المدينة الساحلية وتحتضنها، في تعايش وتسامح ديني كانت الجزائر دائما رمزا له، رغم فترات التطرف التي عاشتها خلال تسعينيات القرن الماضي.
يعود تأسيس المدينة إلى عهد الفينيقيين والنوميديين حوالي القرن 12 قبل الميلاد، وعرفت في البداية باسم «هيبون» لكن الرومان سموها في وقت لاحق هيبو ريجيوس، وبعد أن تحالفت هيبو مع قرطاج أصبحت من المدن المهمة، لكن المدينة احتلت من طرف الملك غايا ملك قبيلة الماسيلي التابعة للنوميديين، وذلك خلال الحرب البونيقية الأولى ما بين 264 و241 قبل الميلاد، لكن القرطاجيون استعادوها بعد ذلك، ليصبح اسمها «ريجيوس».
أصبحت المدينة من أغنى المدن الافريقية التي يسيطر عليها الرومان، وذلك في القرون الثلاثة الأولى بعد الميلاد، وتحولت إلى مركز للفكر المسيحي، ولذلك عاش فيها واحد من أكبر الشخصيات في الفكر الديني المسيحي وهو القديس أوغسطين، الذي ولد في مدينة سوق أهراس التي كانت تسمى «طاغست» وكان أسقفا في مدينة عنابة.
لم يكن أوغسطين هو القديس الوحيد الذي اشتهرت به مدينة عنابة، إذ يوجد قديسون آخرون، بينهم ليونتيوس فاليريوس، وثيوجينس، وفيدينتيوس، بالإضافة إلى أوغسطين، الذي وجدت في عهده ثلاثة أديرة مسيحية.
تعرضت مدينة هيبو إلى هجوم من الوندال سنة 431 قاده ملك الوندال جينسرك، وسقطت في أيدي المهاجمين، بعد أن تعرضت لحصار دام 14 شهرا، وتعرضت إلى دمار شبه كامل، لم تنج منه إلا كاتدرائية أوغسطين ومكتبته، حتى وإن كانتا قد تعرضتا إلى أضرار، ثم أصبحت المدينة بيزنطية بعد أن عوض هؤلاء الوندال عام 533، واستمرت كذلك إلى غاية الفتح الإسلامي سنة 679 لتحصل على اسم جديد وهو عنابة، وتعود التسمية لكون المدينة غنية بأشجار العناب، وقد سقطت كغيرها في يد الاستعمار الفرنسي سنة 1830، لكن تم تحريرها مؤقتا من طرف سكانها والحامية العثمانية، لكنها احتلت من جديد سنة 1832.
كان للمدينة دور في حرب التحرير الجزائرية، فقد ولد فيها عمار بن عودة أحد أعضاء مجموعة الـ22 التاريخية التي خططت وقررت تفجير ثورة التحرير الجزائرية في أول تشرين الثاني/نوفمبر 1954. كما أن المدينة كانت منطقة عبور للتراب التونسي، وواحدة من مدن الشمال القسنيطيني، وتبقى شاهدة على بطولات جيش التحرير، الذي كانت قواته تمر فيها لتخريب خط موريس، وهو عبارة عن سياج كهربائي يبلغ ارتفاعه 2.5 متر على مسافة تصل إلى 460 كيلومترا مع تونس، ويسري في هذا السياج تيار كهربائي بقوة 5000 فولت، بالإضافة إلى حقل من الألغام، والذي كان الهدف من إنشائه مع خط شال في الجهة الغربية، هو منع الجنود الجزائريين الدخول إلى التراب التونسي وإلى المغرب، وقطع التموين بالأسلحة والذخائر عن الثورة الجزائرية، ولكن جنود الثورة نجحوا في عديد المرات من اختراق هذا الخط الشائك وتخريبه، ودفع المئات من الثوار حياتهم ثمنا لاختراق هذين الخطين.
آثار خالدة
تحتوي مدينة عنابة على عدة آثار مختلفة تعود إلى عصور مختلفة، مثل مسجد أبي مروان الذي تم بناؤه سنة 425 ميلادي، وبالتحديد في عهد الدولة الزيرية، خلال عهد المعز بن باديس الصنهاجي. وقد بني المسجد بطراز أندلسي وعلى ركائز أسطوانية، كما استخدمت في بنائه أعمدة من الآثار الرومانية، وقد سمي بمسجد أبي مروان نسبة إلى عبد الملك بن مروان بن علي الأزدري الذي ولد بمدينة إشبيلية، وكان المسجد منارة علمية ودينية، كما كان حصنا لرد الهجمات القادمة من شمال البحر الأبيض المتوسط، وكان يضم حديقة الرباط، وهي عبارة عن ناد لضباط البحرية، وقد حول بعد الاستعمار الفرنسي إلى مستشفى، ليعاد ترميمه بعد استقلال الجزائر.
ومن الآثار التي تبقى شاهدة على التواجد الروماني في هذه المدينة، نجد آثار هيبون، أو التي تعرف باسم «لالة بونة»، التي تقع بين تلال المنطقة الجنوبية للمدينة، وتضم آثارا رومانية مختلفة، مثل مساحة الفوروم، التي تضم بقايا مسرح ومدرجات أوكسترا، وكذا قبور وتماثيل مختلفة، مثل تمثال القديس أوغسطين، وهاكيوس، واسكولاب، وأفروديت، وتوجد أيضا كنسية كاثوليكية تعود إلى فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر، تحمل اسم «السلام» تأسست سنة 1842 بتشجيع من أسقف الجزائر لافيجري، الذي أمر بنقل بعض رفات القديس أوغسطين لدفنها هناك، وجرى أول قداس في هذه الكنيسة سنة 1886.
يوجد في عنابة حي القصبة الذي يشبه القصبة الموجودة في العاصمة، ويحتوي على عدد من البيوت توجد فيها حدائق وقاعات واسعة، تبقى شاهدة على الطراز المعماري العثماني، وتنتشر فيها أيضا الصناعات التقليدية الغنية، مثل الألبسة التقليدية والخزف والجلود والطرابيش والزرابي والنقش على الخشب، ويعتبر هذا الحي من الأمكنة التي يحرس الزوار على التجوال بين أزقته وبيوته المتلاصقة ببعضها.
أما متحف هيبون فيعتبر من أهم المعالم الأثرية والتاريخية في المدينة، ويحتوي على عدد من الآثار القديمة التي تبقى شاهدة على عصور وحضارات سابقة، وتوجد فيه أواني فضية ونحاسية مختلفة، وآثار أخرى.
وجهة سياحية
تعتبر مدينة عنابة من أجل المدن الجزائرية، وتزخر بإمكانيات سياحية طبيعية كبيرة، تؤهلها لأن تكون وجهة سياحية من الطراز الأول، لكن شأنها شأن المدن الجزائرية الأخرى تعاني من عدم وجود سياسة سياحية حقيقية. فالجزائر، رغم ما يقوله الخطاب الرسمي، لم تستثمر بما فيه الكفاية لتطوير السياحة، بل إنها تشجع السياحة إلى دول مجاورة، مثلما فعلت السلطات الصيف الماضي تضامنا مع تونس، لتجد نفسها في هذا الصيف بأمس حاجة إلى مداخيل مالية، بسبب تراجع أسعار النفط، وكان بإمكان السياحة أن تعوضها. ويكفي أن نقول إن العديد من شركات السياحة في تونس، تضم زيارة كاتدرائية القديس أوغسطين ضمن البرنامج الذي تسطره إلى السياح الذين تأتي بهم إلى تونس، وتدخلهم إلى التراب الجزائري عن طريق البر، لزيارة الكاتدرائية، ثم تعود بهم إلى تونس.
وتمتد الشواطئ التي تزخر بها عنابة على مسافة تبلغ 80 كيلومترا، وهي من أجمل شواطئ الشرق الجزائري، وتمتد من شاطئ القطارة إلى غاية رأس الحمراء، وتشتهر بعدة شواطئ مثل «سانكلو» و»البوني» و»جنان الباي». وتشتهر المدينة أيضا بمنطقة سرايدي، وهي منطقة جبلية وغابية ترتفع عن مستوى البحر بأكثر من 800 متر، وتعتبر مقصدا بالنسبة لسكان المدينة وزوارها، إذ تطل سرايدي على المدينة وعلى شواطئها الساحرة، وتمنح مناظر خلابة يتمازج فيها اللونان الأخضر والأزرق ما بين الغابة والبحر، ويوجد فيها مستشفى لمعالجة المصابين بأمراض صدرية، وخاصة الربو، لما توفره المنطقة من مناخ يساعد على شفاء المصابين بهذا المرض.
ورغم الإمكانيات المتواضعة، من حيث الفنادق وهياكل الاستقبال، إلا أن المدينة تشهد إقبالا خلال فصل الصيف، فأكثر من 1.5 مليون مصطاف يحجون إلى شواطئها، لكن الرقم هذا يمكن أن يتضاعف أكثر لو توفرت الفنادق والمرافق السياحية مثل ما هو موجود في تونس مثلا.
عادات وتقاليد
تزخر مدينة عنابة كغيرها من المدن الجزائرية بعادات وتقاليد خاصة بها، وتظهر أكثر في الأعراس، إذ تعتبر حفلات الزفاف التي تطبق فيها هذه التقاليد مكلفة للغاية، فالعروس ترتدي جبة «القشابية» في اليوم الذي توضع لها فيه الحناء، وهي لباس تقليدي مطرز، والمرأة العنابية ترتديه مرة واحدة في العمر، وإذا ارتدته ثانية يعتبر ذلك نذير شؤم، وتحتفظ به العروس ضمن ألبستها بعد انتهاء حفل الزفاف، ولا تهديه لأحد، ولو كانت أختها، وترتدي المرأة خلال حفل زواجها ما لا يقل عن عشرة ألبسة تقليدية مختلفة، يدفع ثمنها أهل الزوج، مثل لباس «الدلالة»وهو لباس تقليدي أزرق اللون مصنوع بـ»الفتلة» الذهبية ومطرز، بالإضافة إلى المجوهرات التي تلبسها العروس، وتضع المرأة على رأسها «اللفة» مرفقة بقبعة أو كما تسمى «الشاشية» مرصعة بالذهب، أما بالنسبة للحناء، فإن العروس تضعها على أصابعها فقط، ويسمى ذلك «عشق وفريد»، أما الزوج فيضع الحناء ليلة العرس في منتصف الليل، وتتكفل بهذه المهمة أربع فتيات غير متزوجات وغير مخطوبات وسط أهازيج وزغاريد وطلقات البارود.
لما تخرج العروس من بيت والدها ترتدي الفستان الأبيض وفوقه برونس تقليدي، وفي اليوم التالي أي صباح العروس، ترتدي اللون الوردي، وتضع اللفة فوق رأسها، ثم تلبس الأبيض وبعدها الأزرق، ثم يأتي طفل صغير يضع لها حزاما، حتى تصبح سيدة بعد ذلك.
ذكرى أليمة
وتبقى مدينة عنابة كذلك شاهدة على ذكرى أليمة، ما تزال دماؤها تنزف رغم مرور 24 عاما عليها، ويتعلق الأمر باغتيال الرئيس الأسبق محمد بوضياف في 29 حزيران/يونيو 1992، يوم أسود بلون الدم يبقى كابوسا في حياة كل من عاشه. بوضياف لم يكن رئيس دولة فقط، بل كان رمزا من رموز النضال ضد الاستعمار الفرنسي، ورمزا من رموز المعارضة لنظام ما بعد الاستقلال، اختار أن يعارض النظام ويعرض حياته للخطر، ويضحي بكل الامتيازات التي كان بإمكانه الحصول عليها، لكنه اختار المنفى والعيش بعيدا عن الوطن الذي ساهم في تحريره من براثن الاستعمار الفرنسي.
كانت الجزائر تعيش مخاضا عسيرا نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، بعد قرار النظام فتح الباب أمام تعددية سياسية سرعان ما تحولت إلى فوضى، برز فيه الإسلاميون كنتيجة منطقية لكره الشعب لنظام الحزب الواحد، ورغم ذلك أصر النظام على تنظيم انتخابات برلمانية نهاية 1991 في وقت كانت فيه أطراف كثيرة، حتى من داخل النظام، تحذر من خطورة تنظيم انتخابات في تلك الظروف، لكن الانتخابات جرت، وحصد فيها الإسلاميون الأغلبية، في وقت بدأ فيه العنف اللفظي يمهد الطريق أمام عنف السلاح.
وفي لحظة تاريخة فارقة، قرر الجيش إلغاء نتائج الدور الأول من الانتخابات، واستقال الرئيس الشاذلي بن جديد، ودخلت البلاد في فراغ دستوري، وفتحت الأبواب على المجهول، وخلال نقاشات المجلس الأعلى للأمن، الذي كان هو صاحب القرار، رغم أنه من الناحية القانونية مجرد هيئة استشارية، طرح اسم محمد بوضياف، الذي كان يقيم في المغرب، وأرسل إليه صديقه علي هارون وزير حقوق الإنسان، الذي كان ضمن المجموعة التي دعمت قرار إلغاء الانتخابات، ورغم أن بوضياف رفض، إلا أنه عاد ووافق، بعد أن أقنعوه أن الجزائر في خطر.
لم تدم فترة حكم بوضياف إلا ستة أشهر، رغم أن وصوله إلى السلطة أعاد الأمل، فالرجل كان يتكلم بصراحة وطلاقة، بعيدا عن لغة الخشب، وكان قريبا إلى الشعب، ورفع شعار اليد الممدودة، لكنه في الكواليس اصطدم بأشياء كثيرة، منها نفوذ المؤسسة العسكرية، والبروتوكولات التي لم يتعود عليها.
في 29 حزيران/يونيو1992 كان بوضياف على موعد مع سكان مدينة عنابة، وبعد استقبال شعبي حافل برجل تاريخي كان يحمل الأمل في مستقبل مختلف، كان الرئيس على موعد مع ممثلي المجتمع المدني، وبعد دقائق من خطاب كان بوضياف يلقيه في هدوء تام، وفي وقت قال فيه جملة :»الأمم التي سبقتنا، بماذا سبقتنا؟ بالعلم، والدين الإسلامي…»، وبمجرد أن تلفظ بوضياف بالكلمة الأخيرة سمع دوي انفجار، التفت الرئيس ليتلقى وابلا من الرصاص في ظهره ورأسه. أحد الحراس المكلفين بضمان أمنه، أفرغ رشاشه في رمز من رموز الثورة، ورئيس دولة في زيارة رسمية. هذه على الأقل الرواية الرسمية، بعد دقائق من ذلك كان الملازم لمبارك بومعرافي قد سلم نفسه إلى مركز الشرطة، معترفا أنه هو من اغتال الرئيس بوضياف، الذي فارق الحياة قبل بلوغ المستشفى، في فوضى عارمة، وغياب احترام أدنى إجراءات الأمن في مثل هذه الحالات.
رغم أن الرواية الرسمية تقر أن الملازم لمبارك بومعرافي هو من اغتال لوحده الرئيس محمد بوضياف، بسبب ميوله الإسلامية، ولأنه كان يرى في بوضياف رمزا للنظام المعادي للإسلاميين، إلا أن الكثير من الجزائريين لا يصدقون هذه الرواية لأسباب كثيرة، أهمها أن بومعرافي لم يكن ضمن الفريق المكلف بحراسة الرئيس، وأنه أضيف في آخر لحظة، وكذا أن أرملة الرئيس بوضياف تقول إن الصور التي رأتها لقاتل الرئيس، تختلف عن صورة بومعرافي، من حيث البنية الجسمانية، وكذا بسبب غياب معظم المسؤولين الكبار عن هذه الزيارة، وفي مقدمتهم وزير الداخلية الأسبق الجنرال العربي بلخير أحد أصحاب القرار في تلك الفترة، وأكثر من ذلك الإشاعات التي راجت عن صراعات بين الرئيس بوضياف وجنرالات الجيش حول الصلاحيات، وحول الموقف من قضية الصحراء الغربية، ومن العلاقة مع المغرب ومع الملك الراحل الحسن الثاني، وبالرغم من أن بومعرافي حكم عليه بالإعدام، إلا أن الحكم لم ينفذ حتى اليوم، وما زال يقبع في السجن حتى يومنا، ليبقى اغتيال الرئيس بوضياف واحدا من الأسرار التي يصعب أن تكشف يوما ما كل الحقيقة حولها.