عندما تمطر السماء نقوداً في الغرب وخراباً في أرض العرب!

إنّه بالفعل خبر حقيقي وليس تكهنات مختلطة بتمنيات المفقرين في الغرب، ومفاده أن الحكومة البريطانية، على شاكلة غيرها من الحكومات الغربية، تدرس إمكانية إنعاش اقتصادها عبر تقنية مبتكرة من سياسات التيسير الكمي تدعى (نقود الهليكوبتر)، وتتمثل في إيداع ما قد يصل إلى ما يعادل ألوف الدولارات، على مراحل متعددة، في حساب كل مواطن بريطاني، لأجل تشجيع مواطنيها على الإنفاق، بما ينتج عنه في المآل الأخير تحرك عجلة الاقتصاد، وانتشاله من معدلات النمو شبه الصفرية؛ إذ ما زالت الاقتصادات الغربية تجاهد للخروج من شبح التقهقر الاقتصادي العميم، الذي بدأ بتهاوي بنك ليمان بروذرز في عام 2008، ولم يخرج العالم منه فعلياً حتى الآن، ولا يبدو أنه خارج منه في الأفق المنظور.
ويقدر العالم الاقتصادي جوزيف ستيغليتس، الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد، بأنّ الحكومات الغربية، متضمنة اليابان كنظام اقتصادي منخرط في منظومة سيطرة السيد الأبيض شبه المطلقة على اقتصاد الكوكب، وعلى شعوبه المظلومة بدرجات مختلفة، متفق مع توصيف المفكّر نعوم تشومسكي للنخبة الحاكمة في اليابان بأنّهم «بيض فخريون»، قامت بطبع ما تصل قيمته إلى 11 تريليون دولار من المال الإلكتروني الرخيص، على شكل أرقام في ملفات حاسوبية، وهو المال الذي لا يكلف تلك الحكومات الغربية حتى الحبر والورق المطلوبين في الأحوال الاعتيادية من الحكومات التقليدية ،حينما تطبع أكداساً جديدة من عملتها الورقية، أو تصدر صكوكاً، وسندات استثمار في خزائنها المالية الوطنية؛ حيث أنّ تلك الحكومات الغربية غير مضطرة وفق مفاعيل قسمة المنتصرين عقب الحرب العالمية الثانية، التي حددت الدولار الأمريكي كعملة تبادل عالمي، ومن ثم تبعه صندوق النقد الدولي كأداة ملحقة بالاقتصاد الأمريكي في تصنيف العملات الصعبة المعتد بها عالمياً كاحتياط مالي ذي قيمة تبادلية، وحصرها بعملات بريطانيا، والاتحاد الأوروبي، والين الياباني، والدولار الكندي، والفرنك السويسري، وهو ما أنتج سلطة خارقة للعادة في يد الحكومات الغربية، تخولها طباعة طوفان من المال الرخيص الذي لا أحد يرغم تلك الحكومات على التفكر بآثاره الجانبية على المستوى العالمي، وهي كثيرة وكارثية في آن معاً، سوى عند ارتفاع معدلات التضخم في بلدانها أكثر من 3% سنوياً، وهو بما يعني تحويل السياسات المالية في الغرب إلى منهج ميكانيكي بسيط، يستند إلى اعتبار الاقتصاديات الغربية اسفنجة ماصة للنقود، لابدّ من الاستمرار في سكب سيل المال الرخيص عليها مادامت قادرة على امتصاصه، والتوقف عن ذلك هنيهة إن ظهرت علائم الإشباع عليها، وبدأت بنضح ما استشربته قبلاً، مفصحاً عن نفسه بارتفاع معدل التضخم في الاقتصاد المعني.
وجدير بالذكر أن كل الكميات الهائلة من النقود التي طبعتها الحكومات الغربية، ليس لها أي سند فعلي في احتياطيات من الذهب والمعادن النفيسة في خزائنها المركزية، وهو الحال منذ أن قررت الولايات المتحدة في عام 1971 تفكيك معادلة بريتون وودز وإلغاء ارتباط الدولار كعملة تبادل عالمي بالذهب.
وفي أرض العرب، يُسحق المواطن المصري المقهور أبداً، تحت وطأة ماكينة التهشيم الكلياني التي يقودها صندوق النقد الدولي نفسه، والتي تلزم الحكومة المصرية بما يدعوه الصندوق كرأس حربة للاقتصاد الأمريكي «متطلبات التصحيح الهيكلي للاقتصاد المصري»، وهي في جوهرها اشتراطات بتخلي الدولة عن أي دور لها في حماية الفئات المستضعفة من شعبها، وتحولها إلى ناطور قائم بأعمال حماية الاستثمارات الغربية في أرضها، وضامن لتسويق منتجاتها الاستهلاكية دون قيود أو ضوابط تنتصر لأولئك المسحوقين الذين تخلت الدولة عنهم وبشكل مطلق. وكل تلك الجلجلة التي يئن في خضمها الرهط الأكبر من المجتمع المصري المقهور، من أجل قرض بقيمة 12 مليار دولار ، لابد من النظر إليه بأنه لا يتجاوز نسبة واحد بالألف من قيمة المال الرخيص الذي تمّت طباعته من دون قيود في الغرب منذ عام 2008، والذي به يديم الغرب سيطرته على موارد فقراء العالم، الذين لا خيار لديهم سوى الغرق أكثر في معاناتهم، في ضوء قسمة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي أفرزت في ما أفرزت من خَبَثٍ، أمساخاً سياسية على شكل دول عربية لم يرحل عنها مستعمروها إلا في الظاهر، وما تلون به ذلك الأخير من قشور.
وعلى المقلب الآخر تدعو الفاجعة المقيمة في أرض العرب إلى الاستبصار المتعمق بحقيقة أن العرب، ومنذ تفكيك اتفاقية بريتون وودز السالفة الذكر في عام 1971، ظلوا يبيعون ثرواتهم الطبيعية بالمجان للغرب، حيث أن كل عوائد ثروات النفط والغاز العربيين كانت تباع بالعملات الصعبة، التي ما انفك الغرب يطبع المليارات منها مجاناً كلما احتاج اقتصاده ذلك، من دون أن يكون ذلك متاحاً للعرب الملزمين وفق قوانين صندوق النقد الدولي بعدم طبع أموال جديدة تتجاوز احتياطياتهم السائلة من العملات الصعبة، وإلا تمّ تخفيض تصنيفهم الائتماني، تمهيداً للفظهم من منظومة الاقتصاد العالمي التي يسيطر عليها الغرب بشكل مطلق.
وتكتمل كارثة حلقة البؤس الاقتصادي العالمي كما وصفها العالم الاقتصادي يانس فاريوفاكيس في مقاله الأخير في صحيفة «الغارديان»، «حينما تقوم تلك الدول باستثمار ثرواتها في سندات الخزينة الأمريكية نفسها»، في سياق حديثه عن كل الدول المنهوبة ثرواتها، ومنها كل الدول العربية دون استثناء؛ إذ تتحول ثروات العرب، التي يشترط أنها حق الأجيال العربية القادمة، إلى أرقام ترجع في المآل الأخير كاستثمارات في سندات المصارف المركزية الغربية، التي قامت أصلاً بتخليق تلك الأرقام بالمجان، لتقرضها للشعب المصري المظلوم، أو تشتري بها نفط العرب دون مقابل سوى تلك الأرقام، التي سوف تبقى راقدة هناك في حواسيب منبعها وموئلها السرمدي، تنتظر أوان تبخرها الكلي مع ارتفاع معدلات التضخم الحقيقي في الغرب إلى حوالي 4-5 % سنوياً، وتراجع أسعار الفائدة على سندات الخزائن الغربية إلى ما يقارب الصفر، حتى تبدو الحكاية كأنها كوميديا سوداء على شكل كابوس عربي شامل عمقاً وسطحاً لا فكاك منه إلا بربيع عربي جديد للإطاحة بنواطير الغرب في أرضه، الخوف كل الخوف أن يكون أكثر إيلاماً ودموية في مخاضه المتعسر، كما كان مخاض الربيع الأوروبي في 1848، الذي أفضى إلى تشكل الدول الغربية الحديثة بشكلها الديمقراطي لشعوبها، والاستعماري العنصري المنفلت من كل عقال أخلاقي لغيرها من شعوب العالم المقهورة، التي طالما سابق العرب بجدارة لم تنقطع منذ مأساة حسين- مكماهون للاحتفاظ بموقع الصدارة في قائمتها المفجعة.
كاتب سوري

عندما تمطر السماء نقوداً في الغرب وخراباً في أرض العرب!

د. مصعب قاسم عزاوي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية