عندما يصبح القتل عملا عاديا- حكاية الشهيد الطفل محمود شعلان

منذ سقط الطفل الأمريكي الفلسطيني محمود محمد علي شعلان برصاص جندي إسرائيلي على حاجز بيتين الساعة الرابعة والنصف من بعد ظهر الجمعة 26 فبراير 2016، أحسست أن الأرض يجب أن تتوقف عن الدوران قليلا لهول الجريمة. صورة محمود وهو ملقى على الأرض مضرجا بدمائه لم تفارق خيالي، فأنا أعرف عائلته وأقاربه وبلده ومدرسته التي كانت يوما مدرستي، رغم أنني لا أعرفه شخصيا.
أحسست أن مسؤولية ألقيت على عاتقي في كشف ملابسات جريمة الإطاحة بالولد المتفوق خلقيا ودراسيا على أترابه لدرجة الانبهار. محمود لم يقترف أي عمل إلا السير على الأقدام قريبا من حاجز العابرين من وراء البحار، بفرمان تلمودي يعطيهم تبريرا بقتل الأغيار. منذ ذلك اليوم قررت أن أعرف القصة بتفاصيلها ولماذ أردوه بسبع رصاصات كلها أطلقت على ظهر الصبي من الخلف، ومن مسافة لا تشكل تهديدا للحاجز المدجج بالسلاح.
تابعت تفاصيل القضية التي أصبحت موضع اهتمام وزارة الخارجية الأمريكية. مررت على الحاجز الذي أعدم قربه محمود مرارا، وجلست لساعات في مقر جمعية «مساءلة» في رام الله، التي أنشأها صيام نوارة الذي أعدم طفله نديم بدم بارد على حاجز بيتونيا في ذكرى النكبة 15 مايو 2014 فقرر أن يحاكم القاتل، وفي الوقت نفسه ينشئ شبكة حماية لكل طفل دون الثامنة عشرة يعدم برصاص الاحتلال. قدّم لي نوارة الكثير من الصور والرسومات والتقارير والوثائق حول إعدام محمود شعلان. ثم قضيت نهاية الأسبوع الماضي مع عائلة الشهيد في مدينة تامبا بولاية فلوريدا وتحدثت مع والده محمد وعمه سلمان أبوعلي وأخيه الأكبر سلمان وأولاد عمومته وأقاربه وجمعت من التفاصيل والوثائق والأحاديث والتقارير الطبية والبيانات ما يمكنني الآن من إعادة رسم الحكاية كاملة من أولها على لسان الشهيد محمود نفسه.

حكايتي مع الموت ظلما

أنا يا أهلي وإخوتي طفل بريء بسيط ولدت في مدينة ميامي الأمريكية، وفي سن الثامنة عاد والدي بي وإخوتي وأخواتي إلى مسقط رأسي في بلدة دير دبوان الجميلة القريبة من رام الله، لأتعلم لغة بلادي وثقافتها وعاداتها وتقاليدها. تابعت دراستي في بلدتي وكان ترتيبي الأول على طلاب قسمي في كل سنة. كنت مصمما على أن أدخل الفرع العلمي في دراستي الثانوية كي أدرس الطب في الولايات المتحدة. كان هذا حلمي الثابت، لأنني أريد أن أساعد شعبي المقهور المظلوم، فلا يمكن لنا أن نهزم خرافاتهم إلا بالعلم والمنعة والإبداع.
سدوا علينا مدخل بيتين (يسمونه بيت إيل، أي بيت الرب، حيث تنص كتبهم على أن يعقوب صارع الرب هنا وأطاح به أرضا) حتى أصبحت الرحلة إلى البيرة ورام الله تستغرق ساعة بدل عشر دقائق. بدأنا نجتاز الحاجز مشيا على الأقدام. ننزل من سيارة الأجرة قبل الحاجز ثم نجتازه مشيا في خمس دقائق لنصل مدينة البيرة. وقد اجتزت الحاجز مشيا أكثر من مرة لزيارة عمتي التي تسكن في أوائل مدينة البيرة.
في ذلك اليوم، أديت فريضة الجمعة في مسجد البلدة ثم مررت على أمي وأخواتي وودعتهم وقلت سأذهب لزيارة عمتي في البيرة كالعادة. ودعتني أمي وطلبت من الله أن يحميني من كل أذى. نزلت من السيارة قبيل الحاجز وبدأت أجتاز المنطقة مشيا على الأقدام مبتعدا عن خط السيارات إلى الجهة الغربية بأكثر من 50 مترا. سمعت صوتا بلغة غريبة ينادي عليّ ويحرك يده بإشارة تعني «إرجع». درت ثلثي دورة إلى الخلف لأعود من حيث أتيت، أحسست بشيء ساخن يخترق كتفي ومع هذا أكملت دورتي لأعود. توالت بعدها ست طلقات أخرى اخترقت الظهر نفذت منها ثلاث وبقيت ثلاث في جسدي. مرت أمام عينيّ صور كثيرة في لحظات. رأيت صورة أمي وأختي إيمان وتذكرت ميامي وزيتونة قرب البيت وشتلة ريحان وحمامة تجلس على جبيني. وضعت يدي على مصرف الدم واكتشفت أن هناك مصارف أخرى. رأيت قمرين ورفوف عصافير بيضاء وغيوما ساكنة وذبلت عينيّ وارتخت يداي وقبلت تراب الوطن ورحلت وعلى وجهي ابتسامة.

التحقيق في الجريمة

بقيت ممدا ساعتين ونصف الساعة، لم يسمحوا لسيارات الإسعاف بالوصول إلى مكان الحادث. أصدروا البيان الملفق التالي: «حاول شاب فلسطيني أن يطعن جنديا على حاجز بيت إيل، إلا أن الجندي أطلق النار عليه فقتله كرد فعل على الهجوم بالسكين». كيف لأحد ذي حجى أن يهاجم بسكين ثلاثة جنود مدججين بالسلاح أصابعهم على الزناد؟ ولكن لماذا لم يأت في التقرير الطبي أن أيا من الطلقات لم تطلق من مسافة قريبة، ولماذا كلها في الظهر ولماذا سبع طلقات ولماذا منعت سيارات الإسعاف من الوصول؟ وقد شاهدت الجريمة أعداد كبيرة تقدم ثلاثة شهود عيان بعد تردد للإدلاء بشهادتهم خوفا من سلطة رام الله، التي حاولت أن تقفل الملف فورا. عندما علمت السفارة الأمريكية في تل أبيب أنني أمريكي الجنسية طلبت فتح تحقيق رسمي فردت عليها الحكومة رسميا: «لقد أجرت قيادة الجيش تحقيقا في الحادث، وقد راجع المدعي العام للجيش الحقائق التي توصل إليها التحقيق ولم يجد أن تصرف للوحدة العسكرية يثير أي شك في ارتكاب عمل إجرامي، والنتيجة أن المدعي العام للجيش قرر إغلاق ملف القضية».
هذا القرار لم يقنع عائلتي ولا أصدقائي ولا محبي الحق والعدل والقانون. وقد وجهت مؤخرا 15 جمعية حقوق إنسان أمريكية من بينها منظمة العفو الدولية وأفراد مهمون رسالة لوزارة الخارجية لمتابعة التحقيق. أنا لا اتوقع أن يصدروا إدانة للقاتل، لكن فضح الجريمة قد يجعل جنديا ما على حاجز ما يتردد قليلا قبل إطلاق النار، ويكون إستشهادي سببا في إنقاذ حياة أخ لي في هذا الوطن الأسير.

صفحة من كتاب حبي للوطن

وقعت في حب بلادي منذ فتحت عينيّ على هذه الدنيا. وعندما عدت إليها طفلا وجدتها أجمل وأحلى من الصورة التي رسمتها في الخيال. لو تعرفون كم هي جميلة دير دبوان. بلدة تتفاخر ببيوتها وفللها الحجرية الرشيقة المنتشرة بين السهول والتلال، كأنها قطعة من الجنة تحيطها كروم الزيتون والتين والرمان واللوز. أعشقها، أقبل ترابها، أشم هواءها المنعش كل يوم، لكن هؤلاء الأغراب الذين لا ينتمون للأرض أو الحضارة أو الإنسانية أفسدوا علينا الماء والهواء والتراب. أريد أن أعيش في بلدي كما يعيش الآخرون. لكنهم يا أحبتي أفسدوا علينا كل شيء بحواجزهم وبنادقهم وسجونهم ودباباتهم ورصاصهم. يعيشون أعمارهم في دبابة حتى أصبحوا جزءا منها. أنا لا أريد أن أكون رقما في قائمة الشهداء التي تزداد طولا كل يوم. أريد أن أتسلح بالعلم والمعرفة والمهارات لأقف في وجه هذا العدو الغادر الذي يقتل بسبب وبدون سبب. أنا فلاح بسيط وابن فلاحين شرفاء. أنا لست عملاقا ولا جنديا مسلحا وضد أن يتمرن الطفل في بلدي على عضلات البندقية. يقهرني هذا الظلم اللامحدود وعنجهية هؤلاء الأغراب الذين يقتلوننا ويدعون أنهم ضحايا.
«الباكي على شيء يحيرنا- سرقت دموعنا يا ذئب- تقتلني وتسرق جثتي وتبيعها؟».
أنا يا أحبتي ضحية لهذا الجندي الغريب الذي ربما جاء من إثيوبيا أو لتوانيا أو بروكلين. أنظروا إلى سحنته فهو ليس مثلنا ولونه يختلف عن لون التراب والزيتون والزعتر البلدي والشيح والصبار. جاء المهاجر الغريب ليفرغ رصاص الموت في من يحمل مقصا أو عصا أو حجرا أو كوفية. الذي لا يعرفه هؤلاء الأغراب أننا نحب وطننا لدرجة أننا على استعداد أن نضحي بكل شيء من أجل استرداده معافى من كل أدران الحقد والكراهية ليكون وطن الحب والخير والرحمة.
«من حجر سينشئون دولة الغيتو ومن حجر سننشئ دولة العشاق».
محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجرسي

عندما يصبح القتل عملا عاديا- حكاية الشهيد الطفل محمود شعلان

د. عبد الحميد صيام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية