عن الوطن والاحتلال ـ الرسالة الخامسة والأخيرة ـ من بيت الشهيد إلى سرير الجريح

■ ها أنا ألملم عذاباتي وجراحي وأحزاني وأعود. أربعون يوما كانت مليئة بالأحداث والتطورات المتسارعة في كافة أنحاء الوطن، قضيتها مهرولا من مكان إلى آخر وبودي لو كانت الإجازة أطول. سرت في جنازات الشهداء وشاركت في بيوت العزاء وانضممت إلى المظاهرات والاحتجاجات ووقفت على رؤوس الجرحى وطفت أجزاء كثيرة من الوطن المقهور المحاصر المعذب، من بيت لحم إلى الناصرة. وصلت هنا في الليلة نفسها التي اكتشفت فيها جثث المستوطنين الثلاثة، كما يدعون. وأعود ووقف إطلاق النار المؤقت (مع أنني لا أتفق مع هذا المصطلح) ما زال ساريا. وكم من المآسي وقعت بين التاريخين، خاصة في غزة. كم من العائلات أبيدت وكم من الأطفال قصفت أعمارهم بغير وجه حق، وكم من البيوت هدمت على ساكنيها وكم من المؤسسات والمستشفيات والمساجد والمدارس استهدفت لأنها تأوي المدنيين، فالفلسطيني في عرف الدولة المارقة مستهدف لذاته بدون مبرر أو عذر. في هذه الأيام التي قضيتها مع أهلي وأبناء بلدي ورفاق طفولتي على تراب وطني الأسير والملطخ بالدم صورة جلية عن بشاعة هذا الكيان الذي زرع عنوة فوق صدورنا، حيث انتزعوا من الأمة واسطة عقدها وأجمل بقاعها وأغناها تاريخا وحضارة وآثارا وتنوعا جغرافيا. في هذا الفصل الأخير من الصراع اتضح بشكل لا لبس فيه كم ساهم النظام العربي البائس في زراعة هذا الكيان وتثبيته ثم إعطائه الشرعية وصولا إلى الاصطفاف معه ضد الشعب الفلسطيني. لقد وضحت هذه الحرب/الجريمة أيضا عبثية الاعتماد على كذبة المجتمع الدولي المنحاز بشكل حقير إلى جانب القاتل، والباكي على جندي قيل إنه مخطوف في ساحة المعركة وغير ملتفت لمئة ضحية من رفح، دفعوا حياتهم ثمن تلك الكذبة الرعناء ليتبين ان الجندي لم يخطف بل قتل في معركة. فأي ميزان عدالة اتكأ عليه ذلك الكوري الببغاء الذي يردد ما يقوله أوباما بطريقة غبية؟
سأتوقف في مقالي الأخير هذا من الوطن عند محطات ثلاث عسى أن تنقل صورا إضافية لمعاناة الناس وصمودهم في بلاد ينطبق عليها قول أحمد شوقي عندما وصف دمشق وهي تئن تحت قهر الاستعمار الفرنسي فقال «جلال الرزء عن وصف يدق».

في بيت الشهيد ساجي

ساجي شاب في ربيع العمر لم يصل بعد سن العشرين. من بلدة بيتين قرب رام الله، التي حول الأغراب اسمها إلى بيت إيل أي بيت الله، حيث تدعي كتبهم أن يعقوب صارع إيل فيها وتغلب عليه ورماه أرضا (تكوين 24:32). طويل كرمح رقيق كوردة، مليء بالحيوية كـنمر. يهوى الخيل وركوبها، يحب الطبيعة ونورها والأغنام وخيرها والأرض وفلاحتها. متفوق في دراسته في قسم الإعلام – السنة الثانية في جامعة بير زيت. يعود من الجامعة ويجد متعة في ركوب حصانه الأشهب، ثم يقوم بمساعدة والده صايل الذي بعد سنوات في المهجر الأمريكي قرر العودة ليعتني بالأرض والأغنام وتربية الأولاد. في 30 نيسان/أبريل عام 2013 تعرض عشرة مستوطنين معا لأبي ساجي وهو يفلح الأرض. نصبوا له كمينا. جاء أولا أربعة فشاهدوا رجلا مفتول الزند يحمل عصا يستطيع أن يحطمهم بها فتظاهروا بالانسحاب الهادئ، ثم عادوا بعد أقل من نصف ساعة ومعهم ستة آخرون وبصحبتهم كلب. طوقوه من كل جانب فطرح أولهم بحجر كبير في صدره وطوح الثاني بعصاه الغليظة وإذا بهراوة تنزل على رأسه من الخلف فتفقده توازنه وينهال عليه القطيع المتوحش ضربا وركلا حتى تركوه وهم واثقون من أنه ميت إن لم يكن بسبب الضرب فمن شدة النزيف. نقله فلاحون مروا من المكان بسرعة إلى الإسعاف فوصل المستشفى وهو في الرمق الأخير لشدة النزف. لكن كتبت له السلامة بعد عديد من العمليات للرأس والرجلين واليدين والظهر. شيء ما حفر جرحا في قلب الولد «المهر». شيء ما اعتمل في نفسه وكأني في ضميره وهو يقول: «لا بد أن أنتقم لأبي من هؤلاء الكلاب». بدأ يختفي بعد صلاة العشاء، قال لنا والده المؤمن الذي احتسبه شهيدا عن الله: «يا ولدي»، قلت له مرارا، «مشروعك الجهادي الآن هو النجاح في الدراسة وبعد التخرج إختر الطريقة التي تريد أن تجاهد فيها وأنا معك. طلب العلم هو نوع من الجهاد ولن ننتصر على عدونا إلا بالعلم أولا والجهاد ثانيا».
تابع صايل القصة: «مساء التاسع من آذار/ مارس 2014 رأيت في المنام أن حماما أخضر يحط على يديّ منها حمامة بيضاء تحدق فيّ بعينين واسعتين. تعجبت من هذا الحلم. في نهار اليوم التالي وبعد صلاة العشاء ذهبت أقصّ رؤياي على والدتي المسنة. سمعت هرجا ومرجا وجاءت أختي تستفسر عن أصوات إطلاق النار. خرجت بسرعة مذهلة وهرولت مع الذاهبين إلى حيث المصدر. تكاثر الناس من حولي. هواجس خوف داهمتني فأصبحت خطوتي أثقل من جبل. شدني أحد الأصدقاء بدون أن أعرف لماذا. اقتربنا أكثر لنعرف أن زين الشباب ساجي لم يمهله القتلة كي يتمتع بشبابه. رصاصات الغدر أطلقت باتجاهه من الجانب الآخر من الطريق الالتفافي 60 ومن البؤرة الإستيطانية/السرطانية جفعات أساف فأردته شهيدا». وراء الجنازة سارت البلاد كلها، وفي المقدمة طلاب بير زيت الذين نعوه بحسرة. أما الأشهب فقد قطع عنانه وملأ البلدة صهيلا. بحثنا عنه فوجدناه في المقبرة قرب ضريح الشهيد، أعدناه إلى الإصطبل. وبعد يومين فقدنا الحصان مرة أخرى. جبنا البلدة مرة أخرى وإذا به يصهل قرب القبر. قلت لأم ساجي لا أستطيع أن أبقي على الأشهب. لقد رأيت دمعتين متجمدتين في عينيه الواسعتين.
دعه يجد مأوى آخر في بلد آخر غير بيتنا لأنه سيقضى كمدا إن بقي على مقربة من ضريح ساجي. تعال يا ابن الساوية وخذ الأشهب معك بثمن أو بدون ثمن لعله ينسى رفيقه وسيد صهوته العالية ساجي صايل درويش، ولعل اختفاءه يهون عليّ وعلى أمه التي انفطر قلبها ولم يلتئم بعد على زين الشباب. آه كم حرق هؤلاء الأغراب من قلوب أمهات وآباء.

مع الجرحى في مستشفى المقاصد

واحد وثلاثون مصابا من جرحى حرب الإبادة على غزة وصلوا مستشفى المقاصد بالقدس. من بين عشرة آلاف جريح سمح لنا بأن نستقبل 31 فقط، توفي اليوم واحد منهم وخرجت اليوم فتاة معافاة وعادت إلى غزة، فالغزاوي لا يقبل بديلا عن أرضه وبلده، قال لنا الدكتور رفيق الحسيني رئيس مستشفى المقاصد. تدخلت منظمات عديدة للسماح للمصابين باجتياز معبر إيرتس كالصليب الأحمر والهلال الأحمر ومراكز حقوق إنسان عديدة وجمعيات طبية. أكثر المصابين من الأطفال وستصطحبكم الدكتورة سامية كرد في جولة لزيارة عينة من المصابين. ودعني أقدم مجموعة منهم وسأحاول أن أكون رحيما بقلوبكم:
يامن أبو جبر(ثلاث سنوات ونصف السنة). قتلت كل عائلته في مخيم البريج. مصاب بكسر في الجمجمة، ليس له أحد. المتطوعة رُلى التونسي، حياها الله، ترافقه في الغرفة. سألتها عن صلة القرابة مع يامن، «صديقة لأمه على الفيسبوك. لا أعرفها شخصيا ولا تعرفني. استشهدت هي وعائلتها ولم يبق إلا يامن. أحسست أن الله اصطفاني كي أعتني به مع أنه في شبه غيبوبة دائمة». سجى هاني منصور (14 سنة) أصيبت أثناء نومها جراء صاروخ أطلق من طائرة في دير البلح. مصابة بكسور في الرأس وبقية جسمها مصاب بجراح. هي الآن في شبه غيبوية دائمة مع أنك تشاهد عينيها مفتوحتين وتتحركان إلا أن ذلك يتم بصورة آلية غير واعية. في وجهها ذبول كاصفرار الورد قبل اليبسان. لا تعرف كيف تجمدت تلك النظرة الشاردة في عينيها المتقلبتين بدون وعي.
خميس أبو حصيرة (33 سنة) ـ من غزة ـ المينا. مهندس مدني- عنده أربعة أطفال- ساقه اليمنى مبتورة ويده اليمنى مكسورة. قصف البيت الذي كان يزوره لأحد الأصدقاء بثلاثة صواريخ يوم 22 تموز/يوليو. قتل صديقه أمام عينيه. تحدثنا معه مطولا حول الحرب والتضحيات وحماس والحصار. قال إن حماس لم تأت من الخارج بل من معاناة الناس. كل سكان غزة يعانون من الحصار والإغلاق والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة ونقص المواد الأساسية كالماء والكهرباء، فماذا ينتظر العالم منا؟ أن نستسلم، أن نموت بصمت.. من هنا كانت المقاومة وسيلة احتجاج ورفض لهذا الذل. آه – ماذا أقول لابنتي التي تتصل بي وتقول لي متى سترجع يا بابا؟
رحمة العطوي (33 سنة) غزة- التفاح «أنا مصابة بشلل نصفي بسبب شظايا في العمود الفقري. قذف البيت بثلاثة صواريخ بدون تحذير وقتلت أمي وبنتي تالة وعمرها 7 سنوات. والبيت دمر تماما.» قالت لنا الطبيبة المرافقة إنها لا تعرف أن بنتا ثانية من بناتها الأربع قتلت أيضا.
عهد سلامة (14 سنة)- رقيقة كملاك صغير. مصابة بكسر في الجمجمة والحوض. قصف بيتها بثلاثة صواريخ فاستشهدت أمها وأخوها. تصرخ في نومها من الخوف. تطلب من خالتها أن تشدها إليها.

صورة عن الجيل القادم:
أربع فتيات جامعيات في بيت لحم

حلا وأفنان ولارا ونور أربع فتيات في عمر الزهور تتراوح أعمارهن بين السنة الأولى والرابعة الجامعية. يدرسن العلوم السياسة والإعلام والترجمة والهندسة. التقينا بهن أنا والمخرجة السينمائية نورما مرقص، التي تريد أن تستكمل فيلمها الوثائقي عن ردود الأفعال الشعبية على الحرب. يعتقد من يتسرع في الحكم بأن مثل هؤلاء الفتيات ليس لهن اهتمام في السياسة أو قضايا الوطن. طرحنا عليهن مجموعة أسئلة حول الحرب والسلطة والحراك الشعبي في القدس وما العمل وكيف الخروج من المأزق. من بين ما قلن:
«في هذه الحرب خذلنا العرب أكثر من كل مرة. لا أحد يريد أن يرى المقاومة مستمرة مع أن إسرائيل لا تفهم إلا لغة المقاومة. لم يكن تجاوب الضفة متناسبا مع مذبحة غزة. وهذه الظاهرة لها أسباب كثيرة، أهمها أن الناس هنا تحولوا إلى موظفين مرتبطين بمعاشاتهم. نحن نحمل هوية القدس ولا نخاف منهم. وقد حرك مقتل الطفل محمد أبو خضير مشاعر المقدسيين الذي كانوا إلى حد ما هادئين. والقدس ستكون نقطة التماس الجديدة، خاصة مع المتطرفين اليهود. في مناهجهم يجبروننا أن نتعلم عن تاريخهم المصنوع ولا يأتون على ذكر القضية الفلسطينية إلا ما لا يمكن تجاهله، لكن ممارساتهم على الأرض وتمييزهم وعنصريتهم هي أكبر معلم لنا، نحن الأجيال الجديدة. النظام التعليمي في الضفة الغربية من أسوأ ما يكون. فامتحان التوجيهي يجب أن ينتهي ويستبدل بتقييم أداء الطالب في السنوات الثلاث الأخيرة. نريد جيلا متعلما يقارع الحجة بالحجة والرأي بالرأي. قضيتنا أعدل قضية في التاريخ، ولكننا فشلنا لغاية وقت قريب بتعميم هذا الحق على العالم، بينما نجحوا في تسويق باطلهم. كل واحدة منا تملك طموحا كبيرا ولا نريد أن نكتفي بشهادة البكالوريوس.
قلت لنورما، رغم أن حالة اليأس والإحباط والقهر تملأ النفوس، إلا أنني عندما التقي بعينات من هذا الجيل الواعي يعود لي شيء من أمل وأقسم في نفسي أن الغلبة في النهاية ستكون لهذه الأجيال الصاعدة، التي تعرف «كيف يقاوم الأعزل وكيف يمسك قبضة المنجل» وكيف تنتصر الكف على المخرز وكيف تجعل حياة الآخرين جحيما في وطننا. إنه صراع طويل ومرير وسينتصر في النهاية من يتمسكون بحقوقهم التاريخية ولا يفرطون بشيء منها.

٭ أستاذ جامعي وكاتب عربي
مقيم في نيويورك

د. عبد الحميد صيام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية