غزة – لا موت ولا انتحار بل إعلان عن جدارتها بالحياة
غزة تعيش هنا في الشوارع والحارات – غزة حاضرة في المساجد والمآذن ودعاء التراويح. لا حديث لأحد إلا غزة وأبطالها وصمودها وضحاياها. الناس في لحظات المواجهة لا ينتمون إلا إلى غزة وينسون رام الله. يتابعون الحرب لحظة بلحظة ويذرفون الدمع على أطفالها الذين تمزق أجسادهم الطائرات، وينتشون عندما يسمعون دوي صفارة الإنذار إيذانا بسقوط صاروخ. رأيت ذلك مرتين. صاروخ سقط قرب سجن عوفر قرب قرية بيتونيا القريبة من رام الله. توقف الناس جميعهم في الشارع الرئيسي في رام الله حيث كنت. كل الأيدي تشير إلى دخان في الهواء لحظة انفجار الصاروخ أو تفجيره. كتلة من الدخان تنفجر وتتمدد. استطعت أن ألتقط مجموعة من الصور شعرت بأنها وثيقة لا تقدر بثمن. انفجار الصاروخ الثاني كان أقرب إلينا. كنا في بلدة بيت إكسا القريبة جدا من القدس، التي استولوا على أراضيها منذ عام 1968 وبنوا مستوطنة رموت التي أصبحت مدينة. سمعنا الصفارة المرعبة تنطلق بقوة. أنا متأكد أنهم يختبئون في جحورهم قال مضيفنا. تعال انظر إلى الناس. خرج الناس جميعهم إلى السطوح والشرفات والشوارع للاستمتاع بلحظة نادرة. سمعنا دوي انفجارين لم نحدد مكانيهما بالضبط. انطلقت أصوات تهلل وسمعنا تصفيرا وتصفيقا. بعد دقيقة أو دقيقتين محطة الأقصى أعلنت أن صاروخين سقطا قرب مستوطنة غوش عتصيون. بين القدس والخليل. شعور بالزهو لدى الغالبية الساحقة من الناس هنا لا يمكن ترجمته بالكلمات. المواجهات على الحواجز تتكرر في كل مكان. بعد الإفطار توجهت إلى رام الله فوجدت نفسي محشورا مع مئات السيارات المتوقفة بين بلدة الرام وحاجز قلندية. الجيش منتشر في الشوارع. سمعت إطلاق نار لم أحدد مكانه بالضبط. استمرت المواجهات وبدأ سائقو السيارات يعودون إلى الخلف. بعد العودة من رام الله قبل منتصف الليل كان الجنود منتشرين قرب مداخل بلدة الرام. كل واحد إصبعه على الزناد. أصوات إطلاق النار تسمع بين فترة وأخرى. قيل في اليوم التالي لقد هجم الشباب على حاجز قلنديا في الليل وفر الجنود المذعورون ورفع الشباب العلم الفلسطيني فوقه وانسحبوا بسلام. كلمات الإطراء لغزة المحاصرة المجوعة التي تهشم عنفوان العدو تسمعها من كل إنسان. قال رفيق قديم لا علاقة له بحماس، عندما تحدث المواجهة مع المحتل نتحول كلنا إلى حماس. يتناسى الناس خلافاتهم ويلتفون حول المقاومة، ولو تعقد الانتخابات قريبا لحصدت حماس أكثر من 70٪ من الأصوات. لا أحد يزايد على المقاومة. لا أحد يريد لغزة أن تنكسر لأننا سننكسر جميعا وستنكسر الأمة كلها. غزة تقاوم نيابة عن أمة تمزقت وكوّعت لأعدائها. إنها اليد التي تناطح المخرز وتنتصر عليه. غزة أجبرت المفاوضين والمفرطين والبراغماتيين والعقلانيين أن يتراجعوا من الصفوف الأمامية وينزلوا عن مسرح الأحداث. إنها آخر جيوب الممانعة الحقيقية فعلا لا قولا.
غزة تحولت إلى لغز عيي على الفهم لمن لا يعرف أبجديات الصمود والنضال. بمساحتها التي لا تزيد عن مساحة ملعب غولف أو مزرعة لأحد الأثرياء العرب تصبح أوسع من الوطن العربي بكامله. غزة بسكانها الذين لا يزيدون عن سكان حي صغير من سكان القاهرة أو الدار البيضاء أو بغداد أو دمشق تصبح رمزا لكل المناضلين العرب والرافضين للذل والهوان. غزة تحرج أصحاب النجوم العسكرية والمناصب الكبيرة والألقاب العظيمة. غزة كشفت هشاشة النظام العربي المتخاذل والمتهالك والمتآمر. من يصدق بعد اليوم كذبة التضامن العربي وإعلام السقوط المهين الذي يحرض على غزة نهارا جهارا ويطالب العدو «بضربها بالجزمة» وتدميرها وهدمها على رؤوس أصحابها، كما كان يتمنى رابين من قبل. مصيبة غزة أنها بصمودها تعري النظام العربي «وتسقط القناع عن القناع عن القناع» فيظهر الوجه القبيح على حقيقته «عرب أطاعوا رومهم – عرب وباعوا روحهم». هذه هي الحقيقة التي يجب أن تدفع ثمنها تلك الجماعة من القابضين على الجمر وانتظروا القادم من مؤامرات.
رام الله ـ دولة في مدينة وسيادة غير مكتملة
حبيبة الصبا ووردة البلاد ومصيف الوطن وحاملة تراثه وشبابة الفرح وباقة الجمال وكوز العسل الصافي الذي تذوقناه صغارا. تغيرت كثيرا. تمكيجت وانفلتت من عقالها وانبعجت في أكثر من حي إسكاني غير منظم. ترهلت من فوق ومن تحت. اختبأ ماضيها وكاد يندثر وتشوه حاضرها ولم يكتمل وقفزت عدة مراحل إلى مستقبل لم يكشف تماما عن وجهه الغامض. أهي دولة أم مدينة؟ أهي عاصمة اقتصادية أم عاصمة وحسب؟ من أين جاءت هذه المليارات لتشيد عناقيد من الأبراج السكنية والتجارية لا أول لها ولا آخر، والسباق نحو السحاب ما زال مستمرا. برج فلسطين ذو الأربعة والعشرين طابقا اكتمل الآن في شارع الإرسال. توج رأسه العالي بمطعم متحرك يدور 360 درجة، حيث يمكنك أن تشاهد مرتفعات البحر الميت من الشرق وأمواج البحر المتوسط من الغرب. بيوت شارع الإرسال العريقة اختفت الواحد تلو الآخر. دفعت الملايين من الدولارات لاستبدال القديم بالأبراج الحديثة. حاول بيت «أبو عقال» الذي كان مبنيا على الطراز الألماني أن يبقى حيا لكنه انهزم، ويبنى الآن مكانه برج كبير. بيت الباتح الذي بني على الطراز الأندلسي تحول إلى فندق الحمراء الحديث. كثير من الأبراج تحمل أسماء القرى أو العائلات. رام الله مركز السلطة وأجهزتها الأمنية. سوق تجاري كبير وصورة مشوهة لثراء فاحش هبط فجأة. وفود أجنبية تعبر الشوارع بسرعة تتقدمها كوكبات الأمن. يبسط باعة الشوارع من فقراء الفلاحين ما منحتهم الأرض العزيزة من فواكه وخضروات وينغمون أصواتهم بشكل يغري المارة بالشراء. رام الله في واد وغزة في واد آخر. رام الله السلطة تبحث عن مخرج ليس فقط لحماس بل لنفسها. خرجت مظاهرة ليلية بالكاد تصل إلى 100 إنسان نصفهم من رجالات الأمن. وقفة احتجاجية هنا ومؤتمر صحافي هناك. «وكل شيء هادئ أو هادئ أو هادئ» على رأي درويش. هذه نتائج النظام الذي أنجزه فياض- دايتون- بلير. إربط الموظفين برواتبهم آخر الشهر لتسديد فاتورة السيارة والشقة والهاتف الجوال كي لا يبقى مشاغب واحد. فصائل المعارضة التقليدية لا تستطيع أن تسير مظاهرة من خمسين شخصا بعد أن تحول مناضلوها إلى موظفين في منظمات غير حكومية، بينما تكتظ المقاهي والمتنزهات والمطاعم لمشاهدة مباريات كأس العالم. تشوه النسيج الوطني كثيرا في رام الله، لكنني واثق أنه تشويه مؤقت لأن الناس كلهم وطنيون وليس لهم مصلحة في التكيف مع وجود إسرائيل القاهرة الظالمة القاتلة. لا بد إذن أن يأتي الطوفان. إنها مسألة وقت.
القدس- ما في القدس إلا أنت
صوت فيروز يملأ أذنيّ عندما «مررت في شوارع القدس العتيقة أمام الدكاكين التي بقيت من فلسطين» باتجاه الأقصى ثاني جمعة في رمضان. التاريخ يندلق أمامك. من هنا مر آلاف الغزاة ثم رحلوا. هذا هو طريق الآلام الذي مر منه سيدنا عيسى بن مريم حاملا صليبه. كأني في حضرة عمر وصلاح الدين والظاهر بيبرس والسلطان سليمان باني السور الحالي للقدس. الحواجز في كل مكان. ما ان تجتاز حاجزا حتى تفاجأ بآخر. تحولت القدس وشوارعها العتيقة إلى ثكنة عسكرية. أشكال قبيحة تحمل البنادق والأصابع على الزناد. أغلقت المنافذ كلها إلى الأقصى إلا واحدا. هناك حاجز كبير قبيل الدخول إلى ساحة الحرم الشريف. منع الجنود دخول كثير من الشباب دون الخمسين. هتفوا في وجوههم. شاب فلسطيني كان يصرخ بلغة عبرية يبدو أنها قوية جدا كما يبدو من حركات يديه وتقاسيم وجهه تمنيت لو أعرف ما يقول. تجمع السياح لالتقاط الصور للمواجهة. الجنود عند حضور الكاميرا يتحولون إلى حِملان. دلفنا إلى الساحات الواسعة وإذا بها شبه خالية. لم يزد عدد المصلين عن عشرين ألفا. على الأقل أفضل من الجمعة الأولى التي لم يتجاوز عدد المصلين فيها ألفين مقارنة بمئتي ألف في السنة الماضية وصولا إلى ثلاثمئة ألف في الجمعة الأخيرة. غابت غزة عن خطبة الإمام يوسف أبو سنينة إلا في الدعاء. خصص الخطبة عن الصبر على الابتلاء. ولا أعرف إلى متى سيظل هذا الشعب صابرا على الابتلاء الذي ما أن تنتهي موجة منه إلا جاءت موجة أشمل وأكثر إيلاما. «تمنيت لو كانت الخطبة عن رفض الظلم»، قلت لزوجتي ونحن نخرج من الساحة إلى الممر الوحيد المفضي إلى الأبواب الخارجية. الوقت الآن ليس لترويض الناس على تجرع مزيد من الألم والظلم، بل رفض الرضوخ لإرادة أعداء الأمة والدين والإنسانية. شباب القدس فاجأوا الجميع. لقد ظن البعض أنهم تكيفوا مع الاحتلال وإذا بهم ينتفضون مرة واحدة بعد استشهاد اليافع محمد أبو خضير ويتدفقون بعشرات الألوف ليسيروا في الجنازة ويشتبكوا مع الأمن والجيش ويحطموا خطوط القطار الخفيف ويطلقوا النار في الجنازة. هذا هو الشعب الفلسطيني الحقيقي الذي يفاجئك دائما بأنه في لحظة ما يتمرد على الأوامر ويكسر حاجز الصمت ويرفض قبول الذل ويمتشق السيف ويحمل الروح على الكف «فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى».
بيت لحم ـ قديسة تقاوم التهجير والتشويه والإهمال
وأنت تسير في شوارع بيت لحم لا تستطيع إلا أن تستذكر ميلاد رسول السلام في هذه المدينة الكنعانية. تصل كنيسة المهد، ثاني أهم كنائس فلسطين بعد القيامة في القدس. أقف أمام المغارة الصغيرة التي ولد فيها عيسى بن مريم عليه السلام وأكاد أتمثل المشهد في ذهني، حيث انتدبت مريم من أهلها مكانا شرقيا «وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا». لو تمتعت فلسطين بالسلام الحقيقي لكان هذا الموقع فقط يكفي لتمويل الدولة المستقلة بنفسه. ألا يستقطب هذا المكان أفئدة الملايين، بل المليارات من أتباع الرسولين عيسى بن مريم ومحمد بن عبد الله عليهما السلام للزيارة والتبرك والدعاء. الآن تعمل سلطة الاحتلال على خنق هذه المدينة التي لا يزيد سكانها عن ثلاثين ألفا. انظر كم سائحا هنا؟ قالت لي مضيفتي التلحمية نورما مرقص المنتجة السينمائية. حتى الحافلات السياحية القادمة من إسرائيل لا تمكث هنا أكثر من ساعة فلا يجد السياح متسعا من الوقت لشراء بعض الهدايا التذكارية المشهورة هنا والمعمولة من الخزف أو الصدف أو الخشب، التي اشتهر بها أهالي بيت لحم وبيت ساحور وبيت جالا. الضغط على سكان المدينة لتهجيرهم إلى الخارج آتى ثماره فتراجع عدد سكانها، خاصة من المسيحيين حيث لا يتجاوزون الآن أكثر من 38٪ بينما يزيد عدد أبناء بيت لحم وبيت ساحور وبيت جالا في تشيلي لوحدها عن 350 ألفا. تصور أن مرشحي الرئاسة في السلفادور عام 2004 كانا تلحميين وأبناء عمومة إلياس أنطونيو ساكا وشفيق حنضل! في الأصل كان هناك سبع عائلات مسيحية وعائلة مسلمة واحدة يعيشون في وئام ومحبة لا تكاد تعرف المسلم من المسيحي. اصطحبني الصحافي فادي أبو سعدى في جولة بالسيارة في أحياء المدينة وبلدة بيت ساحور التي أطلقت في الانتفاضة الأولى ثورة الضرائب والانفصال الاقتصادي عن إسرائيل وتبعتها البلاد. المعالم التاريخية لا حدود لها- مغارة الحليب والأديرة المتعددة والآبار ومسجد بلال وقبر راحيل زوجة يعقوب وبلدة أرطاس القريبة وبرك سليمان. «هذا هو حقل الرعاة الذي قيل إن الملاك أشار للرعاة أن يتبعوا النجمة إلى حيث ولد المسيح وهلل فيه الملائكة قائلين «المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وللناس المسرة». وهل نطمح إلى أكثر من السلام الحقيقي كي يعيش الناس سعداء في هذه الأرض التي تدر لبنا وعسلا. لذلك قررت إمبراطوريتا الشر بريطانيا وفرنسا تمزيق هذه البلاد ومنحها لمن لا يملكها ولا يستحقها ويعرف أنه ملفوظ أبدا لأنه غريب عنها ولا ينتمي إلى نسيجها الأصيل. وللحديث بقية.
أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك
د. عبد الحميد صيام