■ شعب حي يحب الحياة. شعب يجترح من عذاباته فسحة للفرح. شعب يبدع كلما كانت هناك فرصة للإبداع . شعب أقرب إلى شكل الهرم. كلما اتجهت إلى الأعلى أصبت بالإحباط وكلما اتجهت إلى الأدنى انتعشت فيك الروح بأن هذا الشعب عيي على الكسر وعيي على الهزيمة.
كل من تتحدث إليهم يعبرون عن إحباطهم من انسداد الأفق بدون أن يعني ذلك أنهم يرفعون راية الاستسلام. يشرشحون القيادة في كل مجال ويحملونها الجزء الأساسي من المسؤولية، بسبب اتفاقيات أوسلو الكارثية. لم أسمع كلمة ثناء واحدة على أداء القيادة، لكن عندما تجالس المسؤولين من المستويات الوسطى والدنيا تشعر بأن هناك من يعمل لخدمة الوطن والمواطن، ومن يعمل على بناء المؤسسة، ومن يحاول أن ينظم الأمور، ومن يضع آلية للتوظيف والصرف والمحاسبة والترقيات والقبول في الجامعات وغيرذلك، ثم يضيف قصة أو عشر قصص عن اختراق مسؤول كبير لتلك النظم.
لا توجد مؤسسة واحدة خالية تماما من تدخل مسؤول أو فساد أحد الرؤوس الكبيرة أو غياب مساءلة أحد الفاسدين، لكن جسم المؤسسة بشكل عام يسير في الاتجاه الصحيح، تحاول، رغم حالة الإحباط العام، أن ترى الجزء المليء من الكأس أولا قبل التركيز على الجزء االفارغ، رغم مَيـَلان الكفة لصالح السلبي في معظم الأحيان، لكن الكثيرين لا يرون إلا السلبيات ويقسمون أن الفساد منتشر في تلك المؤسسة من رأسها إلى كعبها. هكذا هم الناس عادة يعممون الخاص على العام ويختصرون الطريق بالاستناد إلى نظرية المؤامرة.
في مقهى القرية
تجلس في مقهى القرية للاستمتاع بحديث عفوي عن استفزازات المستوطنين الذين يحيطون بالبلدة من كل جانب. الفلاحون هؤلاء هم ملح الأرض وضمانة هويتها الأبدية. غالبية سكان فلسطين تاريخيا من الفلاحين. هؤلاء صمدوا في الأرض يحرثونها ويزرعونها ويجنون ثمارها. تطرح أمامك في كل زيارة لقريب أو صديق أطباق التين والعنب والصبار والبطيخ، وتجد فيها حلاوة لا مثيل لها، خاصة في الولايات المتحدة حيث يشبه مذاق فواكهها طعم التراب. من حسن حظك أنك وصلت بعد موجة الحر غير المسبوقة التي سجلت أرقاما قياسية حتى في رام الله، التي تعني مدينة الله العالية، إلى 43 درجة مئوية، أما في أريحا، التي تعتبر أكثر منطقة منخفضة عن سطح البحر في العالم فوصلت إلى 52 درجة مئوية، حيث توفي كهل خرج من سيارة مكيفة وما كاد يمشي بضع خطوات إلا وانهار من ضربة شمس قاتلة. اضطرت بلدية رام الله أن ترسل سيارات تحمل صهاريج مياه ترش الشوارع بالمياه للتخفيف من درجات الحرارة العالية. الكل يتحدث عن موجة الحر… يتسابقون في سرد القصص عن أثر الحر على المزروعات والدواجن والمواشي والبشر وانتشار الأفاعي. المهم أن موجة الحر الشديدة مضت، وها أنت تجلس على شرفة تستنشق نسيم الوطن الذي يداعب وجهك كأنه الحرير. تريد أن تمسكه وتطويه بين يديك وتأخذه معك إلى نيويورك التي لا تعرف الندى ولا النسيم العليل. لا ينغص هذا المنظر الجميل إلا أضواء المستوطنات الباهرة، التي تجبرك على أن تتذكر أنك تحت الاحتلال وموجود هنا بشروط الاحتلال الذي يعاملك كزائر مؤقت، ويا ويلك لو تجاوزت يوما واحدا المهلة التي قررتها قوات الاحتلال، حيث ستحرم من دخول الوطن وستعاد من الجسر أو المطار، كما حدث مع الحاجة أم زهير، التي كانت تنتظر معنا في غرفة التحقيق في المطار وكانت علامات الخوف واضحة على وجهها، وعندما سألناها ما المشكلة قالت إنها تجاوزت يوما واحدا في زيارتها الأخيرة. وقد علمنا في ما بعد أنها بالفعل أعيدت إلى كلفتون بنيوجرزي، ولم يشفع لها لا جواز سفرها الأمريكي ولا سبعون سنة ونيف ملقاة على تجاعيد وجهها.
في وزارة الداخلية
«لا نريد أن نتحدث عن الجانب الأمني في الوزارة، بل عن الجانب الخدماتي»، قال السيد يوسف حرب، وكيل وزارة الداخلية المفوض التي يرأسها رئيس الوزراء رامي الحمد الله نفسه. قلت له وأنا أصلا غير مهتم بالجانب الأمني، بل الجانب الخدماتي وتسهيل حياة المواطنين.
لقد خطونا خطوات كبيرة نحو تقنين العمل المؤسسي في الوزارة، تابع السيد حرب شروحاته. أتعرف أن إصدار هوية فلسطينية قد لا يستغرق خمس دقائق، وإصدار جواز سفر لا يحتاج أكثر من يوم واحد على الأكثر. يتم إدخال البيانات إلكترونيا وينتظر المواطن في غرفة مجــاورة مكيفة يتصحف هاتفه الذكي، ثم ينادونه لاستلام هويته. لم تعد هناك حاجة إلى المحسوبيات وتدخل المسؤولين أو تجاوز الدور. هناك مكاتب لإصدار الجوازات والهويات في كل محافظة، ولم تعد هناك حاجة لمركزية الخدمة في رام الله كما كان الحال. وماذا عن المواطنين في غزة؟ سألت السيد حرب، فقال إن إصدار الجوازات كان أصلا في غزة لغاية 2007، ثم تحول إلى رام الله بعد الأحداث التي أدت إلى الانقسام. يتم إصدار الجوازات للمواطنين في غزة إلكترونيا عن طريق توكيل رسمي لأحد المواطنين هنا، أو عن طريق مكاتب خدمات متخصصة. لا أحد يحرم من جواز السفر بسبب موقفه السياسي.
الشيء الآخر والأهم الذي أنجزته وزارة الداخلية في شقها غير الأمني، هو تسجيل المواطنين الفلسطينيين من حملة الهويات في أي مكان في العالم. هناك عملية تسجيل وتحديث لبنك المعلومات المتعلق بالمواطنين وذرياتهم، وحصر المتوفين منهم أو من يولدون في دول أجنبية. لدينا معلومات دقيقة لكل أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل والمهاجرين منهم وأولادهم وأحفادهم. هذه الإحصائيات مهمة جدا عند استكمال شروط قيام الدولة المستقلة، التي بالنسبة لنا فعلا قائمة من حيث البنى التحتية والهيكيلة والمؤسسات. أما قضية الاعتراف الدولي وانضمامها لعضوية الأمم المتحدة فهذه ليست من اختصاصنا.
مررت أنا ومرافقتي السيدة ساجدة أبو يوسف على ورشة عمل تقوم بها الوزارة حاليا حول العلاقات العامة والإعلام. وكم أثلج صدري عندما رأيت من بين المشاركين الإثني عشر فتاتين من ذوي الرتب العسكرية العالية. فتحنا حوارا مع المجموعة حول الإعلام ودوره في العصر الحديث وسبل رفع مستوى الأداء الإعلامي، وكيفية تكوين كادر إعلامي يشكل صوتا مميزا للوزارة. طرحت مجموعة من الملاحظات وأدرنا حوارا استغرق نحو ساعة. ذكرت المجموعة بأن «العمل الصحافي أو الإعلامي لم يعد هواية، بل حرفة تحتاج إلى دراسة ومتابعة وتدريب ومراجعة،
لكن الصحافة لا تزدهر إلا في ظلال الحرية بشكل عام وحرية التعبير بشكل خاص. وعلى كل مؤسسة أن تضع لنفسها إستراتيجية تحاول وسائل الإعلام أن تحققها بعد تحويلها إلى رسائل محددة لإيصالها إلى الجمهور المستهدف عن طريق كادر متخصص وقادر على استخدام وسائل الإعلام الحديثة، التي مكنت الفلسطينيين وأصدقاءهم من نشر الحقائق عن معاناة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، وبدأت تتكون حركات تضامن واسعة مع الشعب الفلسطيني، خاصة في الجامعات.
علينا أن ننتصر في معركة الإعلام التي تسهل انتصارنا في معاركنا السياسية والقانونية».
في متحف محمود درويش
سبع سنوات مرت على رحيل «من ملأ الدنيا وشغل الناس». ما زال حاضرا في الغياب. تستقبلك جملة معبرة على مدخل المتحف الذي شيد تكريما لأعظم شعراء العصر الحديث «قل للغياب نقصتني وأنا حضرت لأكملك». لا بد من زيارة المتحف إذا جئت إلى رام الله، وإلا فالزيارة ناقصة. المكان يساعدك في استرجاع العديد من جماليات درويش، في الصور والكتب العديدة بكل اللغات والشرائط المصورة لإلقاءاته الشعرية ومقابلاته مع العديد من الزعماء والجوائز العديدة التي تلقاها. كما نشاهد أشياءه القليلة والصغيرة – مرتبة بطريقة جميلة- طاولة الزهر والمسبحة والأقلام والأوراق وهوية الدراسة وجواز سفره وتذكرة السفر الأخيرة إلى تكساس، حيث سيلتقي هناك وجها لوجه مع الموت فينتصر الموت على الجسد وينتصر الإبداع على الموت. محمود حاضر في كل خطاب وكل تعليق وكل تحليل وكل موقف. لم يترك مجالا لم يبدع فيه. محمود حاضر بيننا يعيش في حياتنا ولغتنا اليومية كما نبهنا من قبل:
هزمتكَ يا موتُ الفنونُ جميعـُها
هزمتك يا موت الأغاني في بلاد الرافدين
مسلـة المصري، مقبرة الفراعنة ، النقوش على حجارة معبد، هزمتك وانتصرت.
وأفـْلتَ من كمائنك الخلود.
فاصنع بنا واصنـعْ بنفسك ما تريد.
ما أجمل أن نرى عروسين جاءا للحديقة لالتقاط الصور التذكارية. حديقة البروة التي تحتضن درويش تحولت إلى مركز حيوي للأنشطة الثقافية والأدبية وغيرها. لعل ذلك بشائر «مطر ناعم جاء من خريف بعيد» ويؤكد على قول درويش «ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا».
إزدواجية الحزن والفرح
ليلة الاثنين شهدت بلدة قطنة مسيرة تشييع الشهيد أنس طه، ابن العشرين عاما، الذي طعن مستوطنا مساء الأحد في محطة غرب رام الله فاطلق الجنود عليه النار وحملوه وهو مصاب. يعتقد أهل البلد أنه اغتيل بدم بارد بعدما أعلنوا أنه أصيب برصاصة في القدم ليسلم جثة هامدة في اليوم التالي، فجأة كي لا تنظم له جنازة كبيرة. يقطعون الطرق ويقصرون الحضور على أهالي القرية فقط ومن وصلهم على الأقدام من القرى القريبة. بالضبط كما فعلوا في تشييع جنازة سعد دوابشة والد الشهيد الرضيع علي يوم السبت، حيث قطعوا كل الطرق المؤدية إلى بلدة دوما كي تقتصر الجنازة على أبناء البلدة.. كان أنس قد خرج من السجن قبل شهر يحمل كمـًا من القهر والإحباط والعزم، ويبدو أنه أفرغ حمولته في أحد المستوطنين الذين يصولون ويجولون في البلاد، يدمرون الشجر ويحرقون البشر ويستولون على الأرض ويرهبون السكان، تحت حماية الجيش وأجهزة الأمن المنتشرة في كل مكان.
في الليلة نفسها كان المسرح المفتوح لقصر رام الله الثقافي يستقبل في آخر ليلة لمهرجان فلسطين الدولي عمار الكوفي، المطرب الكردي الشهير الذي تعرف عليه العالم العربي من خلال برنامج «أرب آيدول». تموجت مئات الأيدي واهتزت الخصور وتشابكت أيادي الشباب في دبكات متواصلة وهو يردد الأغاني والمواويل العراقية المشهورة لكبار المطربين العراقيين من أمثال كاظم الساهر وماجد المهندس. أضاف أغنيتين كرديتين استقبلهما الجمهور بحماس عجيب. أحسست بأن المسرح كله يتحرك طربا لهذا الشاب الذي جاء من أربيل إلى رام الله بصعوية بالغة وما فتئ يحيي الشعب الفلسطيني وقد قفزت فتاة فلسطينية تلبس الملابس الكردية الشعبية إلى المسرح لتحيته وتقديم رقصة كردية رشيقة.
التقيت به بعد المهرجان، حيث أثنى على الاستقبال الحار من قبل الجماهير الفلسطينية، الذي اعتبره نوعا من التضامن مع معاناة الأكراد تاريخيا والتمييز ضدهم من جهات كثيرة. وسألته عن ازدواجية الموت والفرح بعد أن أشرت إلى شهيد قطنة في اليوم نفسه. فقال «أكو» تشابه بين الهمين الفلسطيني والكردي. نحن نحس بمعاناة الشعب الفلسطيني وأحسست اليوم والناس تهتف لي وتحيي كردستان العراق بأن هناك تعاطفا من الفلسطينيين مع معاناة الأكراد، كما ألمس هذا الحب أيضا على وسائل التواصل الاجتماعي. نحن نعيش تجربة شبيهة فلا يكاد يمر يوم أو يومان حتى نشيع الشهداء في الحرب التي فرضها علينا داعش». وللحديث بقية.
٭ محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجرزي
د. عبد الحميد صيام