عن الوطن والاحتلال 3- من الناصرة مع أجمل تحيات الشعب الواحد

مذابح غزة – مشاركة فاعلة للنظام العربي
من حسن حظي أن تأتي هذه الزيارة إلى الوطن في خضم أحداث كبرى لأكون شاهد عيان، وأن تتاح لي فرصة معايشة المواجهة هنا على محدوديتها قياسا بغزة العزة. أن تجلس في بيت العزاء للشهيد وتتحدث مع أبيه أو عمه أو صديقه، وأن تحشر في سيارتك لأن المواجهة مستمرة وإطلاق النار على مرمى حجر، وأن تتقدم الصفوف في مظاهرة صاخبة رغم صغرها، تجربة غنية تعطي الكاتب مادة دسمة لتترجم في كلمات حارة، ورشة من رذاذ المعاناة التي يعيشها أهلنا منذ عقود تحت أسوأ احتلال عرفه التاريخ الحديث. هذا الاحتلال لا مثيل له، فقد جاء ليلغي وجودك أصلا ثم يقتلعك من أرضك ويرمي بك في المنافي ويطبق كماشته عليك وأنت في بلدك، وإن تمردت على شروط سجنك فأنت إرهابي في قاموس حركة عنصرية فاشية عاشت وتغذت ونمت وتوسعت بالإرهاب.
أنت إرهابي إن صرخت وإن تألمت وإن أنجبت وإن غنيت موالا شعبيا وإن تعمرت بالكوفية، وإن لم تصدق فاسأل مجلس الشيوخ الأمريكي بكامل أعضائه المئة، حيث لم يجرؤ أحد أن يتلفت ولو بطرف عينيه ليرى أكثر من 120 طفلا مزقهم السلاح الأمريكي المتطور، الذي وضع مجانا في خدمة هذا الكيان الأغرب في التاريخ المعاصر، والذي فاضت به علينا أوروبا الغربية ليعلمنا أصول الحضارة والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة والطفل والمحافظة على البيئة. وآخر دفعة من خريجي مدرسة هذا النظام أبناء حي الشجاعية في قطاع غزة.
في هذه المرة اصطف النظام العربي البائس مع إسرائيل ودخل المعركة معها وأطبق كماشته المدعومة من بئر النفط على القطاع، كي لا يفر أحد من المحرقة. في الماضي كانوا يختبئون في جحورهم ويمنعون أي لقاء لوقف المحرقة. هذه المرة أعلنوا بكل صلف وعنجهية على لسان عباقرة الإعلام الحديث، أن غزة تستحق أن تضرب «بالجزمة»، بل دعت عبقرية إعلامية أخرى بطرد كل الفلسطينيين من مصر ومصادرة أملاكهم. من أين كل هذا الحقد لا على حركة حماس فحسب، بل على كل الشعب الفلسطيني. الموقف المصري الرسمي المتماهي مع الموقف الإسرائيلي يحمل في طياته روح الانتقام من حركة حماس، التي تمت شيطنتها منذ انقلاب 3 تموز/يوليو، خاصة في وسائل الإعلام التي لا تتحدث عن مذابح إسرائيل بقدر ما تتحدث عن مسؤولية حماس عما يجري في قطاع غزة، مما أعطى غطاء نموذجيا لإسرائيل دفع معلق القناة العاشرة الإسرائيلي رفيفي دريكر الى أن يصف السيسي ليس فقط بالمعادي لحركة حماس «فهذا مفهوم»، بل باقترابه من موقف حزب «إسرائيل بيتنا»، الذي يرأسه وزير الخارجية المتطرف أفيغدور ليبرمان.
أما أودي سيغل معلق الشؤون السياسية في القناة الثانية فقال، «إن أهم نتائج الحرب على غزة هو ظهور عمق واتساع التحالف بين تل أبيب ونظام الجنرالات بزعامة السيسي». وأضاف سيغل أثناء مشاركته في برنامج «أستوديو»، «لم يكن أكثر الإسرائيليين تفاؤلا يتوقع مجيء يوم بعد تفجر الثورات العربية تصل فيه الشراكة الاستراتيجية بين مصر وإسرائيل إلى هذا المستوى من القوة».
يبدو أن بعض الإعلاميين الأذكياء لا يعرفون أن نسبة عالية من الفلسطينيين من خريجي السجون الإسرائيلية يتقنون العبرية أكثر من يهود أوروبا، ويتابعون ما تقول الصحف والقنوات والمعلقون على عمق هذا التحالف بين جنرالات تل أبيب وبين من سوقوا أنفسهم بأنهم «ناصر الجديد».

رام الله ـ سلسة مظاهرات
صغيرة وبدأت تكبر

مظاهرة صغيرة لا تتجاوز المئة والخمسين من شباب وشابات رام الله تطوف الشوارع تقريبا كل يوم ظهرا. ينظمها مركز المبادرة الوطنية الفلسطينية وقائدها النشيط الدكتورمصطفى البرغوثي. انضممت إليها- أعجبتني شعارات يرددها الهاتفون الذين يتقدمون المسيرة من على سيارة شحن صغيرة. البرغوثي يتقدم المسيرة ويوزع تعليماته حول مسار المظاهرة والهتافات الأقرب إلى نبض الشارع بعيدا عن مواجهة السلطة. شاهدني وأنا أسير على جانب المظاهرة فمسكني من يدي وأدخلني خلف اليافطة الكبيرة وسرنا معا وحولنا كوادر المبادرة ونشطاؤها. من شارع رام الله الرئيسي إلى دوار الساعة فعودة إلى المنارة، فالشارع الرئيسي إلى رام الله «التحتا» إلى أن انفضت المظاهرة قرب مقر المبادرة الوطنية. ألقى الدكتور مصطفى البرغوثي كلمة قصيرة، أكد على ضرورة الارتقاء إلى مستوى التضحيات. وكان من بين الشعارات الأكثر تردادا «طفح الكيل- طفح الكيل- وحدة وحدة وطنية- يا شباب انضموا انضموا.» وهي شعارات تمثل ثلاثية المعاناة والحل. لقد عانى الكثير من هذا الشعب من الاقتلاع والتشريد والاحتلال، ولا يمكن مواجهته إلا بوحدة وطنية راسخة على أرضية النضال والمواجهة التي سينضم إليها كافة المشاهدين والمتفرجين والقاعدين. يعجبني مصطفى لأنه لا يكل ولا يمل ولا ييأس ويبقى يناضل حتى لو كان وحده. تجده في خيمة الاعتصام وفي المواجهات على الحواجز ويشارك في أربعة أو خمسة برامج حوارية على كل الفضائيات، ويعود ينظم المسيرات والمهرجانات والاعتصامات. يذكرني بالمرحوم الدكتور محمد مهدي في نيويورك الذي كان يتظاهر ضد إسرائيل بشكل دائم تقريبا وأحيانا لا يخرج معه إلا زوجته وابنته أنيسة.

الناصرة – وحدة الشعب رغم شظايا الجغرافيا

الرحلة على الطريق السريع رقم 6 الذي تنضم إليه من منطقة قريبة من اللد وينتهي في حيفا تجربة غنية بحد ذاتها لأنه يمر قريبا من الكثير من المدن والبلدات العربية. إنظر إلى تلك القرى التي تحولت إلى مدن. «كم مئذنة تستطيعين أن تشاهدي في باقة الغربية؟» سألت زوجتي. هذه هي الشوكة الحقيقية في حلق إسرائيل. الطيبة، أم الفحم، كفر ياسيف، كفر سابا، الطيرة، باقة الغربية، برقان، راس العين، كفر قاسم، جلجوليا وغيرها الكثير.
يحاولون تغيير الاسم إلى العبرية ثم يكتبون الاسم بالعربية كما ينطق بالعبرية فبلدة «عنابة» تصبح بالعبرية عنافا، ثم يكتبون اسمها بحروف عربية فيتحول اسمها إلى «عنافا» حتى يضيع اسمها العربي لمن لا يعرفها. ماذا سيفعلون في هذه المدن؟ هل يستطيعون ممارسة التطهير العرقي كما فعلوا ذلك سنة 1948؟ هل سيذبحونهم عن آخرهم؟ أم يصل الأمر بهذا الكيان الغريب أن يقتنع يوما أن لا مناص من الاعتراف بدولة واحدة ثنائية القومية.
نصل الناصرة كبرى المدن الفلسطينية. مدينة عظيمة كل حجر فيها يحمل عبق التاريخ. في كنيسة البشارة العظيمة ثالث أهم كنائس فلسطين بعد القيامة في القدس والمهد في بيت لحم، قرفصت قرب راهب يجلس بصمت متأملا المقصورة الصغيرة الأنيقة التي بشرت فيها مريم بغلام وتذكرت قوله تعالى «إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه مصدقا بكلمة من الله اسمه عيسى بن مريم». بالضبط في هذا المكان جاءت البشارة، ولذلك سميت هذه الكنيسة بكنيسة البشارة. يا الله كم جميلة فلسطين وغنية ومنوعة الآثار والتضاريس، لولا هذا السرطان الذي زرع عنوة فيها فإما أن يستأصل من الجسم بعملية جراحية أو أنه سيقتل الجسم كله، أو أن يتكيف مع أعضاء الجسم الأخرى ويزول خطره ويتم هضمه ولو بعد حين، ثم يتعافى الجسم كله من الخطر.
انظر إلى «الناصرة العليا» اليهودية التي اقتطعتها إسرائيل من أرض الناصرة كي تطوق الامتداد السكاني العربي فيها، قال لي صديقي الصحافي وديع عواودة. السكان العرب يزيدون عن خمسة وسبعين ألفا، بينما سكان الناصرة اليهودية في حدود العشرة آلاف.
فبدل أن تأكل الناصرة العليا أرض الناصرة العربية وتطوقها، كما كانوا يخططـــون، حــــدث العكس تماما. ســـكان الناصرة اليهودية يضمـــحل والتجــــارة فيها تكاد تموت وبدأ سكانها يهجــــرونها، بل يبيعون محلاتهم للعرب. وهذا المركز التجـــاري الذي يملكه اليهود لا يعمل إلا على العرب ولا يـــزوره إلا العرب وبدأوأ يبيعون محلاتهم للعرب أو يؤجرونها.
مظاهرة الناصرة للتضامن مع الشعب الفلسطيني في غزة زادت عن عشرة آلاف شخص، أي أكبر من مظاهرة رام الله بنحو 100 مرة. المظاهرات الكبرى انطلقت في كل المدن والبلدات العربية من حيفا إلى سخنين، ومن أم الفحم إلى مجد الكروم ومن كفر كنا إلى الطيبة. المعتقلون بالمئات، يطلق سراح بعضهم بعد أيام ويغرم آخرون ويبقى في السجن من يعتبرونه خطرا على أمن الدولة. في بلدة مجد الكروم اعتقل 14 مواطنا، قال لنا مضيفنا خالد دندن والكاتب اللامع في «القدس العربي» سهيل كيوان. من الأربعة عشر بقي اثنان ثم اعتقلوا ليلة الاثنين آخرين. نحن وجع الرأس الدائم لهم. نحن نجسد العمق الاستراتيجي لشعبنا الفلسطيني.
رفعنا أعلام فلسطين هنا وحرقنا العلم الإسرائيلي. جنون الحقد عندهم دفع بمستوطن يوم 6 تموز/يوليو الماضي أن يحرف سيارته قرب حيفا ويقتل اثنين من العرب كانا قرب الطريق السريع لإصلاح سيارتهما فقتلهما على الفور. فكيف يريدوننا أن نكون مواطنين مخلصين لدولة تقهرنا وتظلمنا وتميز ضدنا. أتعرف يا رفيق كيف تعمقت الهوية الوطنية لدى عرب فلسطين داخل مناطق 48؟ إنه التمييز. سياسيات إسرائيل العنصرية جعلتنا نعود لنتمسك أكثر بهويتنا الفلسطينية. لقد ذاب دعاة التعايش والانصهار أو كادوا.
من يشكك في وحدة الشعب الفلسطيني أينما كان فليقم بزيارة للناصرة أو كفر كنا أو مجد الكروم أو عيلوط أو أم الفحم أو الطيبة، ليعرف أن هذا الشعب العنيد عيي على الكسر عيي على الهزيمة وعيي على الانصهار. لقد انتصر لغزة من سانتياغو ـ تشيلي إلى آخر قنطرة بناها الكنعانيون في يبوس، حيث مر مئات الغزاة ثم انهزموا. لا أحد يستطيع أن يأخذ هذه الوحدة فينا «فلنا هنا قمح وزيت- وأطيب ما نحب من الطعام الزيت والزعتر».

٭ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

د. عبد الحميد صيام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية