عن «ديمقراطية لبنانية» تفوّقت على «ربيع العرب» ثم وقعت في برميل

حجم الخط
1

عندما بدت تجربة اعادة تركيب نظام سياسي في العراق، بعد اسقاط صدام وفي ظل الاحتلال، تستوحي شيئاً من التجربة اللبنانية على صعيد توزيع المناصب الأساسية في الدولة بحسب الطوائف، تعزّز لبنانياً الرأيُ بأنّ النظام السياسي الذي يوازنُ – محاصصةً، في ذاته وفي مؤسسات الدولة وأجهزتها، بين الطوائف والمذاهب، هو النظام الأصلح لتيسير قسط من الديمقراطية في المجتمعات غير المتجانسة دينياً وثقافياً بين أبنائها.
كثيرون في نهايات الحرب اللبنانية وبعدها كانوا قد أعادوا النظر أصلاً بالأيديولوجات «اللا-طائفية» التي ازدهرت مطلع الحرب، ولعبت دوراً حيوياً في التناحر الطائفي والانشطار الكياني بشكل أو بآخر. ومنهم من اهتدى على عقلانية سحرية كامنة في النظام الطوائفي، وأسف لأن اللبنانيين دفعوا غالياً ثمن جحودهن بهذا النظام، بدلاً من شك خرزة زرقاء لحمايته من عين الحسود.
وهكذا، اندمجت الانتظارات المتفائلة بالديمقراطية العراقية الطوائفية مع نزعة تبشيرية بالنموذج اللبناني، فصار الشغل الشاغل لبعض المثقفين اللبنانيين، كما العرب اللبنانوفيليين، هو التبشير بـ»إتفاق طائف» في كل بلد يريد أن يخرج من حرب أهلية، ونظام محاصصة طائفية أو اثنية في كل مجتمع «متجاور الجماعات» يريد العيش بسلام. هذا في حين واظب الرهط المقابل من المثقفين على التبسيطية المعاكسة، تلك التي ترى في أي نظام توزيعيّ للأسهم في السلطة بين الطوائف نظاماً لن يلبث أن ينفجر تحت وطأة تناقضاته أو يفجّر مجتمعه.
ثم توارت المقارنة اللبنانية – العراقية بعض الشيء، حيث اتضح أن النظام العراقي الجديد هو بالأحرى نظام هيمنة مذهبية شيعية وليس نظام مشاركة، وأنّ التوزيع الثلاثي للرئاسات هو كل ما يحاكي فيه التجربة اللبنانية، مع كون رئاسة الوزراء العراقية الشيعية (النوري ـ سعيدية بلا ملك هذه المرة) هي مركز قيادة هذا النظام بشكل شبه أحادي، في حين لا يمكن قول الشيء نفسه في حال لبنان حتى بعد تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية فيه بعد اتفاق الطائف.
مع اتضاح الطابع المذهبي لنظام الهيمنة والاستبعاد في العراق، لم يعد أمام المبشّرين اللبنانيّين باتفاق «طائف لكل شعب» سوى النظرة إلى التجربة العراقية كنسخة «مشوّهة» أو منقلب عليها من مثيلتها اللبنانية، التي تعزّي النفس في داخلها هي أيضاً، وعلى مقاسها، بأن الأمور كانت لتكون أفضل لو أنّ «اتفاق الطائف طُبِّقَ بالفعل» (يظن من يردّد هكذا مقولة بائسة في لبنان بأنّ أحداً من المدافعين عن الدساتير المتهافتة في أي زمان ومكان لم يفطن إلى حجة باهتة مماثلة).
ثم اندلعت الانتفاضات الشعبية المغمّسة بألوان الربيع. فانتعش بالضدّ من التبشير بالحلّ اللبنانيّ للمشكلات العربية، التبليغ بالحل الربيعيّ العربي للمشكلات اللبنانية. ولسنة أو سنتين كان يعتقد المحاور في بيروت بأنّه يُسكت غريمه إن هو عاب عليه أنّه يحلّل الأمور بطائفية ومحاصصاتية «في زمن الربيع العربي»، كما لو أنّ موجة هادرة من الديمقراطية الليبرالية تجتاح المنطقة، بحيث تظهر الديمقراطية الطائفية اللبنانية حيالها بالية وعفنة.
وبالفعل، لم يشهد لبنان أيّ احتكام إلى صناديق الاقتراع في مرحلة «الثورات العربية» وما تلاها. تفرّج اللبنانيّون على صناديق الاقتراع التونسية والمصرية والليبية والمغربية، مثلما تفرّجوا على وثبات الجماهير الشعبية ضدّ الطغاة، واكتفوا بالحسرة. ثمّ تقهقرت تجربة التحويل الديمقراطي في مصر، باعتقاد «الاخوان المسلمين» ان الشرعية تأخذها من الانتخابات لتسوقها في منحى آخر، أي لتشتري بها الشرعية الدينية المتعالية، المستقلة عن الانتخابات، وبانقلاب العسكر على الرئيس الاخواني المنتخب واستثمارهم في الحركة الشعبية ضد الاخوان بعد ان وصلت إلى أوسع مدى، ثم تسريحهم لها، واقامة حكم «بونابرتي فرعوني مؤمن»، فيه «دستور» نسخة طبق الأصل عن «دستور الاخوان»، وليس فيه أي برلمان من أي نوع كان حتى الآن.
هذا في مصر، في حين غرقت سوريا والعراق واليمن في دوامات الحروب الأهلية، واكتفى المتفائلون بـ«الربيع العربي الكبير» بتدبيج المقالة نفسها عن «الاستثناء التونسيّ».
في هذا الدور اذاً، لم يعد بوسع اللبنانيين أن يتعاملوا مع نظامهم كمتخلّف عن وثبة ديمقراطية شاملة يعمر بها المحيط، وعاد التبشير باتفاق طائف على الطريقة اللبنانية للبلدان الأخرى، انما بمعدّل مرتفع من الرتابة القوليّة، ذلك أن «لبنان بعد الربيع» صارَ بلداً «لا يعرف» كيف ينظم انتخابات نيابية جديدة، مع انه نظم خمسة استحقاقات من هذا النوع بعد الحرب، وقد خيض آخرها يكاد يكون بين ائتلافين سياسيين على طول الخارطة، و«لا يعرف» كيف يخرج هذه المرة من دوامة الشغور الرئاسي، مع أنّه خرج منه عام 2008 في نصف عام، وربما كان يتجه نحو فراغ حكومي مرة جديدة، بالشكل الذي سيضاعف من المنسوب التعطيلي، الحاد أساساً، و«لا يعرف» كيف يعيّن قائداً جديداً للجيش، إلى الدرجة الذي صارت صور المرشّح العونيّ لتوليّ المنصب عنصراً تعبوياً في الميدان، بل «لا يعرف» كيف يجنّب عاصمته وضواحيها ومناطق بأسرها هذا المنظر المزري لأكوام النفايات وما يفوح منها من روائح كريهة وسموم، الذي بات مسيطراً على المناطق التي تقطنها أكثرية اللبنانيين.
منذ اسقاط نظام صدام، ولبنان – البلد العربي الذي كان بمنأى عن ديكتاتورية مزمنة ولم يكن بمنأى عن هيمنة الديكتاتورية السورية عليه ـ يعيش حالة منافسة افتراضية أو حالة اطمئنان نفسي، بين نموذجه لادارة الاختلاف بين جماعاته وبين المسارات ما بعد الديكتاتورية في المنطقة العربية. وبالفعل، أظهرت الديمقراطية الطائفية اللبنانية أنّها ليست نظاماً محتضراً لا ينتظر سوى ثورات المحيط حتى تندثر مسوّغاته أو ينفرط عقده، وأظهرت التجارب العربية أنّها لا تشكّل «باستثناء تونس» موجة جديدة من التوسّع الديمقراطي الليبراليّ نحو جنوب العالم، بل صارت أغلب التشكيلات المقاتلة في سوريا ترمي بعضها بعضاً بتهمة الديمقراطية كتهمة، وصارت القنوات التلفزيونية المصرية تدمن التنديد بحقوق الانسان بوصفها حقوق للإرهابيين، أو كموضوع للسخرية. في وضع كهذا بدا لبنان أكثر استقراراً رغم الفراغ والتعطيل وتدخل «حزب الله» في سوريا.
لقد ظهر جيداً ان الديمقراطية الطائفية اللبنانية أفضل وأعقل من كل ما يطرحه هذا «الربيع العربي» لكن لبنان نفسه ما عاد يعرف كيف يتابع ديمقراطيته الطائفية حتى تلك التي كان يعيشها قبل 2011، بعد 2011، واستفحل الوضع فيه حتى أصابت التقرّحات كل أنحاء جسمه، وأكله الشحوب، وشردت أعصابه، وفتلت حواسه، ووقع في برميل زبالة، لكنه ليس «ديوجين الفيلسوف» كيف يهنأ بالبرميل أو يفلت منه.

٭ كاتب لبناني

وسام سعادة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية