■ كما توقعنا في هذا المكان الأسبوع الماضي، جاءت المرحلة الأولى من الانتخابات النيابية المصرية مثقلة بالرسائل السياسية لأطراف عديدة. وبرز ضعف المشاركة كعنصر طاغ عليها، بل أنه كان هو الحدث الحقيقي، وليس الانتخابات نفسها، خاصة في اليوم الاول.
ومن غير مبالغة، فإنها كانت ليلة ليلاء للنظام وأبواقه الإعلامية، التي استخدمت كافة وسائل الترهيب والترغيب لدفع الناخبين دفعا إلى صناديق الاقتراع، بدءا من الأغاني الوطنية الفارغة من المضمون، مرورا بالتوسل بدماء الشهداء، والتهديدات بالغرامة المالية، والتخويف من أن مقاطعي الانتخابات لن يكون لهم الحق في الشكوى من تدهور الاوضاع (..) أو من قيام النواب بتعديل الدستور لمصلحة الرئيس عبد الفتاح االسيسي (..). الواقع أن تلك الأبواق الإعلامية التي كانت منحت نفسها دور «الزعامة الثورية الشعبية» فعلت كل ما تستطيع، ليس فقط لانقاذ صورة النظام، بل لانقاذ ما تبقى لها هي نفسها من مصداقية، لكن الشعب المصري أصر على موقفه كاشفا حقيقتها امام العالم، وهو ما دفع بعضها، للأسف الشديد، إلى توجيه السباب والاهانات ليس فقط للرافضين للتصويت على أنهم «خونة وعملاء»، بل استخدموا ألفاظا نابية ضد الشعب المصري كله، نعف عن إعادة نشرها.
وحسب نظرية «المؤامرة» المتأصلة لدى البعض، ذهب بعض المقربين من النظام إلى منطق هستيري بامتياز، مفاده أن استمرار إحجام المصريين عن التصويت سيترك الباب مفتوحا امام السلفيين والإخوان ليحشدوا انصارهم في الساعات الاخيرة، ليسطوا على البرلمان الجديد، غير مدركين أن حزب النور السلفي كان بصدد تكبد خسارة تهدد بقاءه نفسه. وإذا صدقنا النتائج الرسمية، التي أحسب انها صحيحة بشكل عام، بدون أن يعني هذا حدوث تجاوزات مهمة، لم تخل اي انتخابات مصرية منها في الماضي، خاصة بشأن استخدام المال السياسي، والخروقات في الدعاية الانتخابية، وتدخل الأمن في اقصاء بعض المرشحين، فإن ثمة رسائل مهمة هنا ينبغي الا تمر بدون قراءة متأنية، ومنها:
اولا- أن عدم استجابة أغلب المصريين للحملة الإعلامية الشرسة التي تعرضوا لها بهدف دفعهم للنزول والمشاركة السياسية، تثبت بما لا يدع مجالا للشك، أن تلك الأبواق الإعلامية ركبت الموجة ابان ثورة الثلاثين من يونيو، وان نزول الناس حينئذ لاسقاط حكم الاخوان، انما جاء عن ارادة ثورية صادقة، ورغبة حقيقية في التغيير، واحتجاج مشروع على كثير من سياسات النظام واختياراته، وليس استجابة لابواق اعلامية يعرف المصريون جيدا تاريخ تحولاتها. وهذه رسالة مهمة، بل حاسمة يجب أن يلتقطها النظام اولا. إذ أن الشعب وليس الأبواق الإعلامية كان صاحب ارادة التغيير في الثلاثين من يونيو، واذا استمر النظام في التعامل مع هذه الابواق على انها هي من اتت به إلى الحكم، أو تركها تتحدث باسمه، بينما هي في الحقيقة من بين الاسباب المهمة في تدهور شعبيته، فعليه ألا يلوم إلا نفسه. ولعل هذه تكون مناسبة مهمة كذلك لمن يصرون على أن الثلاثين من يونيو كان مجرد «سهرة مدبرة بين وسائل الاعلام والجيش» أن يراجعوا مواقفهم. فالشعب المصري لا يتحرك كلما زعق زاعق هنا او هناك، سواء داخل مصر او خارجها، لكنه يتحرك بناء على وعيه التلقائي، وارادته الوطنية الحرة.
ثانيا- لا يستطيع اي فصيل سياسي من الذين دعوا إلى مقاطعة الانتخابات أن يزعم أن ضعف التصويت جاء استجابة له او دليلا على شعبيته، بل تتفق التحليلات الموضوعية على أن ما حدث جاء نتيجة طبيعية لمعطيات سياسية واقتصادية وتاريخية عديدة. وفي المقابل فإن النظام عانى بدون ادنى شك هزيمة سياسية ومعنوية مهمة، خاصة أن الرئيس عبد الفتاح السيسي كان ألقى خطابا عشية الانتخابات للدعوة لمشاركة شعبية واسعة، وهو ما لم يحدث، حتى اذا قبلنا بالارقام الرسمية بشأن نسب التصويت، بل أن ما حدث هو العكس تماما. وليس المقصود هنا ضعف المشاركة فحسب، بل النسبة المرتفعة وغير المسبوقة للاصوات الباطلة أيضا، وهي التي بلغت نحو عشرة في المئة. وحتى إذا جاء نصفها نتيجة لاخطاء بسبب عدم وضوح نظام التصويت بالنسبة للكثيرين، فإننا نبقى أمام رسالة احتجاج سياسية واضحة موجهة إلى النظام بكافة مؤسساته او بعضها بما في ذلك الرئيس السيسي نفسه. وبدلا من الصمت الرسمي أو اللجوء إلى تفسيرات عجائبية لانقاذ ماء وجه النظام، فإن المتوقع وما يليق بأي نظام سياسي يحترم نفسه وشعبه، أن يخرج احد المسؤولين معتذرا للشعب عن الاخطــــاء او القصــــور في الاداء، ومتعهدا بدراسة اســباب احجام الاغلبية عن التصويت ضمن حــــالة من النقــاش العام تعيد الحياة إلى السياسة التي لا تتناقض مع، بل هي ضرورة لتحقيق الامن او الاستقرار (لو يعلمون).
ثالثا- أن هزيمة السلفيين في هذه الانتخابات، التي تعد أحد الادلة القاطعة على عدم حدوث تزوير منهجي، تتجاوز أهميتها حدود مصر إلى فضاء اوسع من الجدال، حول وجود مستقبل لتيار إسلامي في الاقليم بأسره. وبالنسبة لاي مراقب، مثل كاتب هذه السطور، تابع على أرض الواقع اداء السلفيين في الانتخابات السابقة، ومدى نفوذهم في معقلهم الرئيسي في غرب الاسكندرية، حيث تبدو الشوارع في حي الورديان وغيره شبيهة بالصور التي يراها القارئ في مدن مثل قندهار، فان ما حدث يمثل تحولا تاريخيا بدون مبالغة.
وحسب إقرار قيادات من تيار الاسلام السياسي نفسه، سواء كانوا من الإخوان او السلفيين او غيرهم، فانهم لم يكونوا يفوزون في اي انتخابات باصوات اعضائهم العاملين او المنظمين، ولكن بفضل دعم الحاضنة الشعبية المتعاطفة معهم. ولقد قدمت هذه الانتخابات دليلا جديدا على انتهاء تلك الحاضنة للاسلام السياسي، وربما حتى اشعار اخر.
لقد تحمل النظام عبء مخالفة الدستور، الذي يحظر الاحزاب الدينية، بسماحه بمشاركة حزب النور السلفي في هذه الانتخابات سعيا لانتاج صورة برلمانية متنوعة او «شبه ديمقراطية» ترد على من يتهمونه في الغرب باقصاء تيار الاسلام السياسي، الا أن معطيات الواقع السياسي الجديد فرضت نفسها على الجميع. وكذلك يمثل هذا التراجع الذي يعتبره البعض انهيارا للسلفين كتيار سياسي، وليس كجزء طبيعي وباق في المجتمع المصري، اكتمالا لدائرة كانت بدايتها في مصر ايضا قبل نحو ثلاثين شهرا، وسرعان ما انتقلت إلى خارج الحدود، لتشمل دولا اخرى بينها تونس، على سبيل المثل، عبر انتخابات لا يشكك احد في نزاهتها، ضمن ما وصفناه حينئذ بتأثير الدومينو.
فهل هي نهاية تيار الإسلام السياسي، ومن المسؤول عنها؟
كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»
خالد الشامي