عاد الفدائيون إلى بيروت، ومعهم عاد نبض المعنى. لم يعد الفدائيون هذه المرة ببنادقهم وكوفياتهم التي تغطي وجوههم، بل عادوا محمولين على الكلمات التي تروى حكاياتهم على خشبة المسرح.
في مسرح «بابل» في شارع الحمرا، الذي يديره المخرج العراقي جواد الأسدي، عاد الفدائيون عبر امرأة وممثلة ومؤلفة وحكواتية اسمها رائدة طه، وبإخراج متقشف ومرهف وقعته لينا أبيض. وكانت عودتهم جميلة وخفرة ومليئة باحتمالات التجربة الإنسانية.
في نص جميل وسلس كتبت رائدة طه حكايتها داخل حكاية والدها الشهيد علي طه. جلست على الكنبة في المسرح، ثم وقفت قبل ان تعود إلى الجلوس. فستان أزرق يحتل المساحة وكلمات مصنوعة من ضوء الذاكرة. ألم يمتزج بقصص ذلك الزمن حين كان الفدائيون يموتون متدثرين بأحلامهم، وفلسطين تشتعل بشموس التضحية.
لم تروِ لنا الممثلة حكايات بطولة المجموعة الفدائية التي خطفت طائرة سابينا المتجهة من مطار فيينا إلى مطار اللد، في الثامن من ايار 1972. الفدائيون الأربعة الذين ينتمون إلى منظمة «أيلول الأسود»: علي طه وعبدالعزيز الأطرش وتيريزا هلسا وريما عيسى، هبطوا في مطار اللد للمطالبة بتحرير مئة أسير فلسطيني في سجون الاحتلال. انتهت العملية بخدعة واستشهد علي طه وعبدالعزيز الأطرش وأسرت تيريزا هلسا وريما عيسى.
جاءت روايتها من مكان آخر، فالبطولة في هذا العرض المسرحي الرائع هي بطولة الاستمرار في الحياة، والنضال من أجل إخراج جسد الفدائي القتيل من البراد الذي وضعه فيه الاسرائيليون مدة سنتين، رافضين تسليمه إلى ذويه من أجل دفنه.
كان علي طه في الثالثة والثلاثين حين قضى، لا أدري لماذا أحسست بأنني أمام أحد النصوص التي لم يكتبها غسان كنفاني الذي قُتل شاباً أيضاً، واستشهد عندما كان في السادسة والثلاثين. بدت العمة سهيلة وكأنها «أم سعد» وقد تقمصت في الخليل، وبدت فتحية وبناتها وكأنهن فصل المستقبل الذي كان على خلدون أن يصنعه، لو قدر لكنفاني أن يكمل رواية «عائد إلى حيفا».
وقفت رائدة طه على خشبة المسرح كي تقول لنا إنها لا تمثل. الجهد الأدائي الكبير امحى دفعة واحــــدة، لنكتشف ان خشبة المسرح ليست ســـوى استعارة، واننا كنا في الواقــــع مدعـــوين إلى سهرة حميمة تروي فيها الابنة التي فقــــدت والدها وهي في السابعة من العمر، فصولا من حكاية بحثها عن الوالد الذي رافق شبحه زوجته وبناته الأربع منذ مقتله البطولي.
إنها حكاية عن بطولة ما بعد البطولة، مزيج من الأسى والسخرية، براءة الطفولة تمتزج بوعي الشابة التي تبحث عن نفسها من خلال بحثها عن قصة والدها.
حكاية ممتعة تأخذنا من القدس إلى بــــيروت ومن الخليل إلى تونس، يحضر ياسر عرفات ويغيب خلف ظلال الحب والمزاح، يحضر الشهداء جميعا، ليس كابطال مرحلة مضت، بل كشهود علينا، ونحن ننحدر إلى حيث ينحدر بنا هذا الزمن الأعمى.
امتلأت الخشبة بالهمس والضجيج، ممثلة واحدة اكتظت بها الخشبة من دون اي افتعال. تجلس وتحكي، كأن كلماتها تضيء الصالة المعتمة وتخاطبنا كأفراد. كأننا شركاء في حكاية عائلة وفي سيرة أربع فتيات وأمهن وهن يعشن بيروت السبعينيات بكل ما اختزنته من وعود.
لعل لحظة المسرحية الكبرى هي لحظة العمة سهيلة وحكايتها مع شقيقها. امرأة قررت ان لا تتغطى طوال سنتين كاملتين كان فيهما شقيقها أسيرا في البراد الاسرائيلي. وسط ثلج الخليل وبرد الشتاء قررت هذه المرأة الأمّية ان تعاني البرد وتتماهى بالجليد الذي يحاصر جثة شقيقها. اذا كان من بطولة في هذا العرض فهي بطولة سهيلة هذه. المرأة التي استطاعت بشجاعتها الاستثنائية ان تصل إلى الفندق الذي أقام فيه كيسنجر (وزير الخارجية الأمريكي آنذاك)، وجدت طريقها إلى الرجل حيث طالبته بجثة شقيقها.
وبعد دفن علي عادت المرأة إلى منزلها لتطلب من أولادها ان يغطوها، لأنها تشعر بالبرد في الصيف. كل صقيع شتاء الخليل انفجر دفعة واحدة في جسدها، وبعدما اطمأنت إلى أن شقيقها يتدفأ بتراب بلاده اجتاح البرد عظامها وصرخت طالبة الدفء.
تكتظ السيرة التي روتها مسرحية «ألاقي زيك فين يا علي» بحكايات النساء. المرأة التي تروي هي كناية عن نساء الشهيد. بطولة ما بعد البطولة صنعتها النساء، سهيلة هناك في الخليل وفتحية هنا في بيروت، ومعهما رائدة وشقيقاتها.
ومن ركام مشهد الموت في المطار الاسرائيلي يبرز وجه علي طه الأب والإنسان. الدليل السياحي في القدس الذي قرر التخلي عن كل شيء من أجل الالتحاق بالفدائيين. من الجبهة الشعبية إلى أيلول الأسود، وصولا إلى فتح التي احتضن قائدها أسرة الشهيد، وصار أبا ثانيا في غيابه هو أيضاً.
الأب الغائب يصير شبحا يحتضن نساءه ويلفهن بالأسى. كنا، ونحن نشاهد هذا العرض نتأرجح بين الضحك وحافة الدموع، ونسافر في زورق الكلمات إلى بحار ذاكرة زمن الفدائيين، ونرى أبو حسن سلامة يستشهد في شارع فردان، ملتحقا بوالده الشهيد حسن سلامة الذي سقط عام 1948 على تخوم اللد.
نخرج من مسرحية رائدة طه ولينا أبيض كأننا لم نكن في عرض مسرحي، فالإخراج الخفر الذي أعطى المساحة كلها للحكاية، والراوية التي كانت تخبر حكاياتها وكأنها لا تمثل، فقط كان جسدها وصوتها ينحنيان ويتموجان مع ايقاعات الحكاية، جعلانا نشعربأننا كنا في لقاء مع أنفسنا ومع ذاكرة بيروت التي صارت جزءا من الحكاية الفلسطينية.
أرادت رائدة طه ان تستعيد علي الشهيد، لكنها استعادت معه زمن المعاني الذي ننتظر عودته إلينا وعودتنا إليه.
الياس خوري