القاهرة ـ «القدس العربي»: أبرزت الصحف الصادرة أمس الثلاثاء كلام الرئيس السيسي في اجتماع مع الشباب الذي يتم إعداده وفق البرنامج الرئاسي لتولي القيادة. وكان الاهتمام الأكبر من كلامه عند الأغلبية بقوله أن سعر الدولار سينخفض وسيسارع من يملكونه لبيعه للبنوك، وهذا بعد محادثات مصر مع بعثة صندوق النقد الدولي وتخوف الأغلبية من نتائج هذا الاتفاق على رفع جزء كبير من الدعم وزيادات كبيرة في الأسعار مع أن الحقيقة غير ذلك تماما.
وقد أوضحها لنا أمس في «المصري اليوم» زميلنا الرسام الكبير أنور إنه كان جالسا على المقهى وشاهد هيكلا عظميا ومسؤول يقول له :
«بكرة ناخد القرض والاستثمارات تيجي والزهر يلعب والفلوس تجري وتجيب هدوم جديدة يا راجل» .
واهتمام الجماهير الثاني كان عن المرحلة الثانية للقبول في الجامعات، ثم توزعت الاهتمامات حسب كل فئة: المصابون بفيروس الكبد سعداء بنجاح برنامج العلاج المجاني وأشقاؤنا الأقباط مهتمون بمسودة الاتفاق النهائي الذي وافقت عليه الكنائس الثلاثة الارثوذكسية والكاثوليكية والانجيلية في مشروع قانون بناء وترميم الكنائس. ومن يخططون للحج فوجئوا بقرار وزارة الداخلية بأن على كل راغب في الحج أن يستخرج «فيش» وتشبيها خاصا بالحج فقط. أما أصحاب شركات السياحة والعاملون فيها فيعلقون الآمال على استئناف رحلات السياحة الروسية .
أما ما يملأ صفحات الصحف من معارك عنيفة حول الصراع بين وزير الأوقاف وشيخ الأزهر فلا يثير اهتمام الأغلبية، كذلك ما يكتب عن تركيا لا يثير انتباه أحد ومقالات عن مشيرة خطاب مرشحة مصر لرئاسة اليونسكو، إنما الذي لفت انتباه البعض كان تصريحات الدكتور ياسر علي المتحدث الرسمي باسم الرئيس الأسبق محمد مرسي إلى قناة «الجزيرة» القطرية بعد الإفراج عنه عقب ثبوت عدم اشتراكه في محاولة هروب رئيس الوزراء هشام قنديل، وقال إنه يمارس الآن حياته وعمله، وقوله إن ترشيح مرسي للرئاسة كان خطأ. وعلى المستوى الشخصي فقد سعدت للإفراج عنه وممارسته عمله بحرية لأنه شقيق صديقي وطبيب الأسرة أستاذ العظام الدكتور إيهاب علي وهو طبيب فريق النادي الأهلي ويتمتع بأخلاق عالية ويضحك من قلبه كلما هاجمت زوجتي وإحدى شقيقتي الإخوان أمامه .
وإلى بعض مما عندنا ….
الرئيس والشباب
ونبدأ بالرئيس السيسي وكلمته أثناء حضوره جلسة برنامج محاكاة الحكومة المصرية الذي يعقد في إطار البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة وقوله « إن التحدي الرئيسي الذي يجابه مصر ليس الإجراءات ولكن مدى قبول الرأي العام له وإن دولا كثيرة وضعت حلولا للمشكلات الاقتصادية كالدعم وإن الإشكالية تكمن في ما إذا كان الرأي العام لديه الاستعداد أو قدر من المعرفة لقبول الإجراءات التي قد تكون صعبة أو قاسية. إن المصريين محبون لوطنهم وقادرون علي تحدي الصعاب إلا أنهم مشغولون بحياتهم اليومية ولذلك يجب أن يتاح لهم قدر من المعرفة بشأن الإجراءات المطلوب اتخاذها لتجاوز الصعاب».
وقال الرئيس أيضا «هناك دعم يقدم لغير مستحقيه وحجم الزيادة في المرتبات زاد في الثورة بحيث أصبح مئة وخمسين مليار جنيه في العام بما يعني ستمئة مليار جنيه مما تسبب في زيادة حجم الدين الداخلي للدولة الذي وصل إلى سبعة وتسعين في المئة. إن إحدى إشكاليات مصر هي أن هناك حاجات اتعملت وأصبحت تمثل عبئا على الدولة، مشيرًا إلى أن المواطن البسيط لا يعرف حجم المشكلة مثل المسؤول في الدولة لكن علينا أن نوضح للناس حجم المشكلة. وقال: «تفتكروا الحكومة ممكن تعمل حاجة ضد أهلها لا طبعا بس التحدي كده وهناك أجيال صغيرة مسؤولين عن أننا نوفر لهم فرص حياة أفضل لهم».
وفي رأيي الشخصي أن السبب الرئيسي لحضور هذا الاجتماع ومشاركته بالرأي هو أن هذا الكلام عن الزيادات التي ستحدث في الأسعار وإلغاء أجزاء من الدعم مع الاستمرار في اتخاذ الإجراءات لضمان وصول السلع المدعومة لمن يستحقونها فعلا .
لكن الرئيس تعرض أمس في «المقال» إلى هجومين في غاية العنف الأول شنه زميلنا محمد رمضان الديباوي وقال فيه :
بالأمس ولن يكون الأمس فقط شهد الرئيس السيسي «تمثيلية»، فبالأمس كان الرئيس السيسي ضيف المنتدى الأول لنماذج المحاكاة للبرنامج الرئاسي للشباب وهو المنتدي الخاص بمحاكاة الدولة بمشاركة شباب ما يسمى «البرنامج الرئاسي للتأهيل إلى القيادة» في ما يمكن أن يطلق عليه نموذج محاكاة للدولة المصرية بهدف التعرف على رؤية الشباب حول المشكلات التي تواجه مصر واقتراح الحلول المناسبة والواقعية لها بحسب المكتب الإعلامي لرئيس الجمهورية هي « تمثيلية» رئاسية تأبى القيادة السياسية إلا أن تستكملها على الرغم من كونها تمثيلية « مهروسة « من ذي قبل في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك وولده جمال فقد دأب هذا الولد «جمال» على تنظيم دورات وبرامج تحت رعاية علي الدين هلال أمين التدريب والتثقيف في الحزب الوطني المحلول لشباب ذلك الحزب غداة استعداده لوراثة حكم مصر من أبيه ولعل «الملتقى الفكري للشباب والتفاعل مع العالم « الذي نظمته دولة مبارك لوريث السلطة المنتظر آنذاك كان هو ضربة البداية في تلك المباراة / التمثيلية التي شهدنا فصولها منذ عام 2002 حتى اندلاع ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 فكما اصطحب جمال مبارك معه في ذلك « الملتقى» في عام 2002 طائفة من وزراء أبيه وطائفة من نواب المجلس كان على رأسهم آنذاك مصطفى الفقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية في ذلك المجلس « المقبور»، أصطحب كذلك الرئيس السيسي معه بالأمس طائفة من وزراء حكومة شريف وستة نواب من البرلمان لرئاسة على عينها إن من خلال انتخابات البرلمان وإن من خلال التعيين الأمر الذي يشير صراحة إلى بؤس خطواتها لاجتذاب الشباب إليها في العام الذي أطلقت عليه عام الشباب.
غياب المعارضة
ومما يعجب منه أن يناقش منتدى نموذج « المحاكاة» للبرنامج الرئاسي للشباب دون وجود معارضة حقيقية يصطحبها الرئيس السيسي معه سواء من الأحزاب ولو كانت ضعيفة هشة فارغة أو من نواب البرلمان المعارضين والشباب أيضا كهيثم الحريري وأحمد طنطاوي تمثيلا لا حصرا، لكننا وجدنا مع الرئيس نوابا اصطنعتهم الأجهزة الأمنية والاستخباراتية وشملتهم قائمة موحدة غردت بمفردها في ما يشبه التزكية لا الانتخاب، بالإضافة إلى نائب معين معمم يعمل مستشارا للرئيس للشؤون الدينية بل إننا وجدنا الرئيس يصطحب معه نائبا كان «احتياطيا» في قائمة في «حب مصر» قبل أن يحل محل رئيسه المتوفي وليس من مؤهلاته سوى أنه كان صديقه وحامل سره، كما ليس من مؤهلاته سوى أن والده كان ضابطا كبيرا في الحرس الجمهوري ليؤسس الرئيس السيسي بذلك قاعدة مفادها أن الولاء للرئاسة إنما هو شرط رئيس للقرب من تلك الرئاسة. وهذا هو ما يريده الرئيس من ذلك البرنامج تماما كما أراد المخلوع « مبارك « أن يكون الولاء له ولابنه شرطا أساسيا وما عداه من الكماليات الفارغة الأمر الذي جعل أهل الثقة لا أهل الكفاءة ثاوين في مكاتبهم القيادية حتى جرفتهم ثورة يناير/كانون الثاني مع من جرفوا .
تدريب على إجادة الضعف
والهجوم الثاني شنه زميله حاتم صادق ولم يقل عنه عنفا إذ قال فيه: تظل هناك بعض الملاحظات على طبيعة ومضمون تلك المبادرة الأخيرة فأولا : ما المقصود بالدولة المصرية التي يراد للشباب أن يحاكيها ؟ هل هي دولة مثالية أخرى ونموذج يحتذى أم أنها الدولة نفسها التي وصفها السيسي نفسه من قبل بأنها « شبه دولة» اللهم إلا إذا كان المأمول والمنتظر هو تلقين شبابنا لفوائد وعظمة « غياب الرؤية» وتدريبهم على إجادة « الضعف» و«إتقان الفشل» وضمان إعداد صفوف ثانية وثالثة ورابعة قادرة على إنتاج المزيد من الفشل والإخفاق والإحباط .
ثانيا : هل تشمل العملية هذه المرة الشباب المصري كله أم الشباب الذين تختارهم أجهزة الدولة على عينها وبمعرفتها في استنساخ غبي لما كان يفعله المخلوع حسني مبارك ؟ أي شباب تم أو سيتم اختيارهم لهذه العملية ؟ هل هم شباب النظام المؤيدون للسيسي والمسبحون بحمده والمبررون لإخفاقاته وانكساراته آناء الليل وأطراف النهار الذين يبددون فائض طاقتهم في التشهير بأي صوت مخالف أو معارض مهما كانت وطنيته ومهما كانت سلامة نواياه ومقاصده؟ أم أن المسألة يمكن أن تسع الجميع بحيث تضم شبابا من كل التيارات والاتجاهات مهما كانت معارضتهم للنظام ؟ أشك في ذلك فالرئيس نفسه في حالة قطيعة شبه كاملة مع الشباب المسيس والمشكل الأكبر أنه يتجاهل تلك الحقيقة ولا يريد أن يعترف أنه في حالة خصام مع جيل كامل وليس من فصيل سياسي بعينه وأظن سيادته لا يرى من الشباب إلا محمد بدران ولا يروق له إلا من يشبهه طبق الأصل في التوجه وفي طبيعة التفكير .
ثالثا : وماذا عن الشباب الذين في المعتقلات والسجون؟ والشارع المصري أغلبه يعلم مدى غياب أو انعدام الشفافية في روايات الشرطة حول ظروف اعتقالهم أو التحقق من مدى ثبوت الجرائم المنسوبة إليهم. ثم هل بالفعل يملك الشباب المختارون للمشاركة في برنامج ومبادرة الرئيس القدرة والجسارة على مناقشة وطرح حلول عاقلة وعادلة تنصف المعتقلين والمسجونين ظلما بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية وتوجهاتهم السياسية ؟
على درب التأييد والتهليل
رابعا : هل يعقل أن نتحدث عن مشاركة وتمكين للشباب في الوقت الذي نسيء فيه لثورتهم السلمية النبيلة « 25 يناير » والتشكيك في كل رموزها الوطنية ومحاكمة الكثير من قياداتها الشبابية ؟
وأخيرا هل يدرك الرئيس ودولته مدى التأثير السلبي للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية في عهده على المشاركة السياسية للشباب؟ وهل يدرك هؤلاء أن انسداد الأفق السياسي وتردي الوضع الاقتصادي وعودة جدلية الأمن والحرية في أسوأ وأبشع صورها كل هذا لا يؤدي إلا إلى مسار واحد حيث إعادة إنتاج الثورة من جديد أو استغلال الشباب من جانب الجماعات المتطرفة أو التنظيمات المنغلقة لنظل دائما في «شبه دولة» أو بمعنى أدق «لا دولة».
بالإضافة إلى هذين الهجومين العنيفين كان هناك انتقاد ثالث هين لزميلنا حسام مؤنس قال فيه: مع كل التقدير والاحترام لشباب البرنامج الرئاسي فإنه يهمنا أن نهمس في أذن الرئيس أن هناك الآلاف والملايين غيرهم من شباب مصر ممن قد يكونون على اختلاف شديد وواضح مع سياساتك، وقد لا تسنح لهم الفرصة، بل قد لا يرغبون في الالتحاق بدفعات مقبلة من برنامج التأهيل الرئاسي ولديهم ما يستحق الاستماع إليه من أفكار ورؤى ووجهات نظر، كما أن نماذج المحاكاة التي تطرح أفكارا ومقترحات وتقدم بدائل في بعض الأحيان منتشرة في مؤسسات ومواقع عديدة أخرى هذا إن كنا نتحدث عن شباب مصر لا عن شباب الرئاسة الذي يراهن على أن يصبح جناحا جديدا يسير على درب التأييد والتهليل .
من الفكر الديني إلى الفن
لا .. لا هذا كلام غير صحيح لأن «الأهرام» في تعليقها أمس ردت عليه بقولها :
في الوقت الذي تتعرض فيه البلاد لجملة من التحديات وعلى رأسها أزمات اقتصادية متلاحقة تستدعي التدخل السريع من جميع أجهزة الدولة للتغلب عليها وتجاوزها من أجل مصلحة المواطن البسيط خرج علينا مجموعة من شباب مصر الواعد بمجموعة من الأفكار التي ربما تغيب عن متخذي القرار في الحكومة. هؤلاء الشباب هم أعضاء البرنامج الرئاسي الذين طرحوا فى اليوم الأول من اجتماعاتهم مع بعض الوزراء رؤيتهم لإستراتيجية مصر 2030 عبر ورش عمل تضمنت الهوية الثقافية والتطرف والأمن والفن والتعليم فيما تم تسميته بـ نماذج محاكاة للحكومة، ومن الأمثلة ما تم طرحه كحل لأزمة التطرف الفكري عبر ورقة بحثية استعرضت برنامجا للتوعية الأخلاقية بهدف نبذه وبناء شباب معتدل ومسؤول تضمن المحفزات لضمان مشاركة الشباب في هذا البرنامج.. ومن الفكر الديني إلى الفن حيث استعرض المشاركون أيضا ورقة بحثية عن الفن وتأثيره في المجتمع ودوره في الارتقاء بالإنسان وتحريره من ضغوط المجتمع وكيفية الاستفادة من الفن الذي يتأثر به المصريون. وتطرقت الورقة إلى انتقاد موجة الإسفاف التي يواجهها المجتمع في بعض الأعمال الفنية والتي تؤثر على الشباب المصري إضافة إلى تشجيع الأعمال المصرية التي تدعم السياحة في مصر. كما تناولت دور الأوبرا والمسارح وقصور الثقافة فضلا عن دور المدارس في الارتقاء بالذوق العام .
حكاية القمص مرقص
برز فجأة على سطح الأحداث في الأيام الماضية اسم القمص مرقص عزيز بسبب الفيديو الذي أعده وشن فيه هجوما لا يليق برجل دين ضد الرئيس السيسي، كما جدد هجماته ضد المسلمين واعتبرهم غزاة لمصر لابد من طردهم. ولمن لا يعرف فإن للقمص مرقص حكاية وردت في كتاب لي عنوانه « الذكريات السياسية لإبراهيم فرج» صديقنا العزيز عليه رحمة ربك وكان سكرتير عام حزب الوفد الجديد بزعامة فؤاد سراج الدين والذي عاد للحياة السياسية في الرابع من فبراير/شباط سنة 1978 وصدر الكتاب في يوليو/تموز عام 1983 تحت عنوان « ذكرياتي السياسية» الناشر رمضان فارس «مكتبة الحياة وما يخص موضوعنا هو ما ورد في صفحات 174 و 176 تحت عنوان « البابا شنودة والوفد الجديد» وسأورد النص كاملا كما ورد في الصفحات الثلاث من أسئلتي وأجوبة إبراهيم فرج .
ففي 23 أغسطس/آب سن 1977 بمناسبة ذكرى وفاة الزعيمين سعد زغلول ومصطفى النحاس ألقى فؤاد سراج الدين خطابا في مقر نقابة المحامين في القاهرة، وهو الخطاب الذي مهد به لقيام حزب الوفد في شباط/ فبراير 1978 وقد لوحظ أنك جلست بجانبه ومعك قسيس أظنه سكرتير البابا شنودة وكان المغزى واضحا وهو أن الأقباط والبابا شنودة يباركون قيام الوفد فهل أكون مخطئا لو قلت إنك بالتحديد لعبت دورا في هذا الأمر ؟
إبراهيم فرج : ليس هذا بالشيء المستغرب فإذا كان البابا شنودة رحب بقيام حزب الوفد الجديد فهو يرجع بالذاكرة إلى الإنجاز الأكبر الذي قام به الوفد القديم من قيام وتأكيد الوحدة الوطنية فإذا قام الوفد الجديد فمن الطبيعي أن يعيد التأكيد على هذا الإنجاز التاريخي ويزيد عليه ويستمر فيه، وقد حاول البابا تبديد الشكوك التي كانت تدور في رؤوس البعض من كبار الأقباط الذين يريدون الابتعاد عن السياسة ويكفي ما فات الخ. فكان يبدد هذه الوساوس من واقع تاريخ الوفد نفسه. ولأن الوفد الجديد بعض الأشخاص الذين كانوا يعملون في الوفد القديم وطبعا كنت أنا أحد هؤلاء، ولم يكن على هذا غبار لأن الحكومة كانت موافقة عليه إنما الذي تسبب في ضرب الوفد الجديد هو الشعب نفسه لأنه التف حوله بصورة أذهلت الجميع وفاقت تقديرات الوفديين أنفسهم.
الانضمام للوفد
سؤالي بالتحديد: هو هل اتصلت أنت بالذات بالبابا شنودة لتبحث معه انضمام الأقباط للوفد الجديد ؟
إبراهيم فرج : أنا لم أحرض البابا شنودة على شيء، ولم أتحدث إليه بشيء وإنما أنا أعرفه من قديم واتصلت به حتى يطلب من القساوسة ألا يردوا من يرد الانضمام من الأقباط إلى الوفد وقلت له « يا سيدنا البطريرك الوفد قام وأنت تعرف الوفد وتعرف إنجازاته الوطنية وأنه صاحب ومنشئ ورائد فكرة الوحدة الوطنية وحافظ عليها إلى الآن وأنا أخشى أن يثني رجال الدين الكبار في الأقاليم الأقباط عن الانضمام للوفد وربما لأنهم يرون أن هذا يخدم الحكومة « فأجابني بأن هذا لا يمكن أن يحدث ويصدر تعليمات شديدة لرجال الدين ألا يتدخلوا في السياسة الحزبية وأن لكل مواطن قبطي حرية الانضمام للوفد فكلنا يعلم أنه أصلح الأحزاب لصيانة الوحدة الوطنية تمشيا مع تاريخه القديم .
ذلك يعني أن عددا من رجال الدين المسيحي كانوا مع الحكومة في محاولة منع الأقباط من الانضمام للوفد؟
إبراهيم فرج : في بداية تكوين الوفد استنتجت أن يلجأ بعض رجال الدين من الأقباط إلى هذا ولم تكن لدينا وقائع إنما الواقعة المحددة التي تحدثت بشأنها مع البابا شنودة حدثت بعد قيام الوفد أثناء انتخابات دائرة الجمرك في الاسكندرية كما قلت، وهي الانتخابات التي تمت بسبب خلو الدائرة بعد إسقاط عضوية الشيخ عاشور محمد نصر النائب الوفدي، فقد شكا لنا مرشح الوفد أن وكيل البطريركية في الاسكندرية يحرض بشدة ضده فذهبت لمقابلة البابا شنودة وطلبت منه أن يطلب من وكيل مطرانية الاسكندرية ألا يتدخل ضد مرشحنا طالما لا يريد تأييده .
بعد أيام فقط من خطبة سراج الدين في نقابة المحامين لوحظ أن رئيس الوزراء ورئيس حزب مصر الحاكم وقتها ممدوح سالم قابل البابا شنودة وسمعت أنها كانت ردا على حضور سكرتير البابا في حفل نقابة المحامين فما هي حقيقة وأسباب المقابلة؟
إبراهيم فرج : ممدوح سالم أزعجته تقارير المسؤولين في المحافظات على ما أعتقد بأن الأقباط ينضمون للوفد واقترحوا ضرورة أن تلفت الحكومة نظر رجال الدين الأقباط إلى أن هذه مظاهر لا ترضيها حتى يثنوا الأقباط عن الانضمام للوفد .
وأخبر البابا شنودة بذلك ؟
إبراهيم فرج : نعم، وعلمت بذلك من أحد رجال البطريركية العلمانيين من أعضاء المجلس الملي ولم يخبرني به البابا شنودة شخصيا .
وبماذا رد عليه البابا ؟
إبراهيم فرج : قال له أنا ليس لي دعوة، أنا لا أدعو أحد للانضمام إلى حزب أو الخروج من حزب .
هل طلبت من البابا صراحة أن يتدخل ؟
إبراهيم فرج : نعم طلبت منه أن ينبه على المطارنة ورجال الدين أن ينصحوا الأقباط الذين ينضمون للوفد بأنه لا داعي لهذا الانضمام لأنه تحد للحكومة، وعلمت ذلك من بعض المقربين إلى البابا من أعضاء المجلس الملي .
هذا نص ما ورد من مناقشة بيني وبين إبراهيم فرج وما يهمنا هنا هو قضية مرقص عزيز إذ أعتقد أنه هو الذي كان موجودا على المنصة بجوار إبراهيم فرج أثناء إلقاء فؤاد سراج الدين خطابه في نقابة المحامين في ذكرى وفاة الزعيمين خالدي الذكر سعد زغلول ومصطفى النحاس وليس سكرتير البابا لأن وجود سكرتير البابا يعني تدخله المباشر لتأييد الوفد وهو ما نفاه. ولا يمكن تصور أن يقع في مثل هذا الخطأ الكبير الذي يثبت عليه تدخله المباشر لصالح حزب معارض ضد النظام إنما الذي كان موجودا هو القمص مرقص عزيز كاهن الكنيسة المعلقة في مصر القديمة والدليل أنه انضم رسميا لحزب الوفد وكان يكتب مقالا أسبوعيا كل يوم أحد بجريدة «الوفد» وركز هجماته ضد فاروق حسني وزير الثقافة وقتها واتهم الوزارة بالإهمال المتعمد في علاج الأضرار التي ظهرت على الكنيسة وهو ما نفاه حسني ونفته الآثار نفسها. كما كان يركز هجومه أيضا ضد نظام السادات باعتباره السبب في ظهور الفتنة الطائفية. وكان يبدي ميولا إلى حد ما لعهد الزعيم خالد الذكر جمال عبد الناصر. وكثيرا ما كنت اتصل به هاتفيا علي التليفون الأرضي في منزله لأساله عن بعض الأشياء، وكان سعيدا بهذه الاتصالات ونقل آرائه في جريدة «القدس العربي» التي أعمل مديرا لمكتبها في القاهرة منذ عام 1989 وحتى الآن، ولا أعتقد أنه فعل ذلك بعيدا عن البابا شنودة.
خط مناقض للبابا شنوده
ثم كانت المفاجأة عندما غادر مصر إلى أمريكا واستقر هناك وأسفر عن وجه آخر مختلف تماما هو إظهار العداء للقومية العربية وشن هجمات ضد المصريين المسلمين وأعتبرهم أبناء العرب الغزاة الذين يجب أن يعودوا إلى الجزيرة العربية ويتركوا مصر لأصحابها الحقيقيين وهم الأقباط. وإذا كنت أعتقد أنه لم يكن لينضم إلى حزب الوفد دون موافقة البابا شنودة فإن الشيء المحير هنا هو أن يتخذ خطا آخر يتناقض تماما مع خط البابا شنوده نفسه المؤمن بالعروبة والوحدة العربية والذي اتخذ قرار منع الأقباط الارثوذكس من زيارة القدس إلا بعد تحريرها وإعادتها للفلسطينيين ودخولها مع أشقائهم المسلمين بما يؤكد حدوث تحول لديه، أي لدي القمص مرقص، وانضمامه إلى التيار المعادي لعروبة مصر ومن يعتبرون المسلمين المصريين أبناء الغزاة القادمين من الجزيرة العربية وعليهم أن يعودوا إليها ويتركوا مصر لأصحابها الحقيقيين وهم الأقباط. ورغم جنون هذه الفكرة والدعوة لأن الأقباط أنفسهم هم أبناء قومية عربية مثل أشقائهم المسلمين ويعيشون على قطعة الأرض نفسها وتاريخهم واحد .
وفي حقيقة الأمر فإن هذا التيار الذي يتصف بالجنون وعبر عنه القمص مرقص مطالبا بإجلاء الغزاة المسلمين وكراهية القومية العربية لا قيمة لها وأصحابه يعيشون في أجواء خاصة يخلقونها لأنفسهم بعيدا حتى عن حياتهم العادية التي يمارسونها يوميا. ولا أريد التوسع في شرح هذه الظاهرة التي لا تقتصر على عدد من المرضى من أشقائنا الأقباط، إنما هناك مسلمون أشد كراهية وعداء لعروبة مصر. يكفي أن نتذكر مقالات كتبها الدكتور سيد القمني وهي لا تختلف كثيرا في جوهرها عما يقوله أو يكتبه القمص مرقص ومجدي خليل ومن رفضوا عروبة مصر والوحدة العربية واعتبروا أن مصر ترتبط بثقافة البحر الأبيض المتوسط ودول أوروبا إلا أن الأمر لم يصل بهم إلى ما وصل إليه مرقص ومجدي خليل والمسلم سيد القمني إنما لم يؤيدوا أو يستريحوا لارتباط مصر بالقضية الفلسطينية والوحدة العربية منذ أن تزعم خالد الذكر مصطفى النحاس الدعوة لإنشاء جامعة الدول العربية من عام 1942 وتكللت جهوده بالنجاح في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول سنة 1944 بالتوقيع علي بروتوكول إنشاء الجامعة العربية. وفي آذار/مارس 1945 وقعت حكومة أحزاب الأقليات العميلة للقصر الملكي وبتأييد وفرحة من الملك فاروق على ميثاق إنشاء الجامعة العربية منظمة إقليمية تضم الدول العربية التي تنتمي إلى قومية واحدة والعمل على توحيدها باعتبارها تنتمي لأمة واحدة تضم مسلمين ومسيحيين ومذاهب دينية شتى رغم أن الدول الموقعة على الميثاق كان معظمها محتلا أو تحت الاحتلال غير المباشر مثل مصر والعراق وإمارة شرق الأردن والسعودية والمملكة المتوكلية اليمنية شمال اليمن وسوريا ولبنان. وكل دولة عربية كانت تحصل على استقلالها تبادر بالانضمام للجامعة وتضع في دستورها نصا بأنها جزء من الأمة العربية.
القومية العربية ليست اختراعا ناصريا
ودخلت دول الجامعة بزعامة مصر حرب عام 1948 لمنع قيام إسرائيل، أي أن القومية العربية ودخول حرب فلسطين ما كانتا اختراعا ناصريا فرضه على المصريين. وحتى لا نذهب بعيدا فإن من عارضوا عروبة مصر واتجاهها نحو الوحدة العربية كانوا من كبار المثقفين والمفكرين ومن أثروا في الفكر المصري والنهضة الفكرية إلا أنهم فشلوا فشلا ذريعا في إبعاد المصريين عن عروبتهم وكانوا مسلمين مثل أحمد لطفي السيد وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وحسين فوزي الشهير بالسندباد وطه حسين.
ومن السياسيين كان الأكثر شراسة في العداء لعروبة مصر بل والدعوة لارتباطها بإسرائيل إسماعيل صدقي باشا، بل ظهرت دعوات لإعادة مصر للعصر الفرعـــــوني لا القبطــــي وتشكل لذلك حزب تزعمه المرحوم محسن لطفي الســــيد ابن شقــــيق أحــــمد لطفي السيد ومعه الدكتور وسيم السيسي وتدريس اللغة الهيروغليفية .
الخلاصة أن كل هذه دعوات لا قيمة لها ولا تأثير لأنه لا يمكن تصور أن يغير الأقباط قوميتهم المشتركة مع قومية المسلمين لأنهم ليسوا أقلية قومية مثل الأكراد .
حسنين كروم