قد يكره الإنسان نفسه ولكنه يبقى يحب فيروز. وهذه ليست مقولة مبالغ فيها .
دمرت الحروب بكل أشكالها بيروت على مدى سبعة عشر عاما حتى أصبحت ردما، لكن خلال رحى الحرب وهديرها كان صوت واحد بقي يوحد اللبنانيين، إنه صوت فيروز، الذي ظل متزاوجا مع موسيقى الرحابنة .بعض الشعراء الذين كتبوا لفيروز كانت الحرب قد طالت قلوبهم وغرست شظاياها فيها، ولكن فيروز المتوارية عن الإعلام وثرثراته، غنت لبنان الجميل، وبقيت على الخط نفسه الذي رسمه لها منذ البداية عاصي ومنصور، فوحدت القلوب التي طحنتها الأحقاد الطائفية، ورممت الجراح التي خلفتها نيران الأسلحة.
هذا ليس كل شيء. خارج لبنان، حين كان اللبنانيون يهربون من لبنان أو يتمنون الهروب منه، كنا نحن خارجه نصلي أن يخرج من دائرة النار. نسمع فيروز ونتخيل لبنان كما يصوره صوتها الملائكي، الكلام الرحباني الذي لا يشبه الشعر ولا يشبه القصائد الموزونة، كان يشبهنا في بساطة حياتنا اليومية، وصفو مشاعرنا البسيطة، وأحاسيسنا وأحلامنا وآلامنا وفيروز قالت كل الأشياء بعظمة.
ما لا يمكن اختصاره هو الكم الهائل من الحب الذي زرعته فينا فيروز لنبقى على حب لبنان. نحن البعيدون جدا عنه. في أوطاننا النائمة في قلب الصحراء وأعالي الجبال وخلف أسوار ما يحدث في العالم. منذ وعيت على نفسي وأنا أسمع فيروز، لا أتذكر متى بدأت، لكني أتذكر أن في بيتنا راديو تنبعث منه الأغاني العربية المختلفة، وكانت فيروز تجمعنا بشكل غريب. بكثير من الغرابة لم نكن نفهم لماذا نحبها جميعنا؟ لماذا يحبها أبي وأمي وأخوتي والجيران، كبار السن والمراهقون والكهول والأطفال؟ أي سر زرعه الله في صوتها ليحبها الجميع، وأي معجزة تلك التي سكنت صوتها منذ بواكير أعمارنا إلى أن هرمنا ونحن على عهدها باقون؟ لم تكن أم كلثوم، التي كانت حكرا على عمر معين…
لم تكن عبد الحليم ولا فريد الأطرش ولا حتى أسمهان. لم تكن محمد عبد الوهاب ولا شريفة فاضل ولا شادية ولا وردة الجزائرية ولا محمد قنديل..
كل تلك الأسماء وأخرى غيرها تميزت ولكنها عجزت عن كسر أسوار الأعمار المختلفة. وحدها فيروز فعلت ذلك، حتى الأطفال أحبوا صوتها وأغانيها، الشيء الذي لم يحققه مطربون حاليا مجندين أنفسهم مع كل ما يملكونه من ترسانة إعلامية للانتشار، مع ديكورات وماكياج وألوان زاهية وكلمات تليق بالأطفال، ومع هذا أطفالنا يغنون «تك تك يا ام سليمان» وهم سعداء بترديدها، دون أن تحاصرهم وسائل الإعلام بالترويج لتلك الأغنية التي ربما حين كتبها الأخوان الرحباني لم يفكرا لأبعد من تأليف وتلحين أغنية جميلة على أذواقهم.
« طيري طيري يا عصفورة» … وكنا نطير مع صوت فيروز…
«ياللاّ تنام ريما…» وكلنا نمنا مع ريما، ورأينا أحلاما وردية في مناماتنا… وأحببنا لبنان منذ كنا في المهد دون أن نعرف أن فيروز هي من فعلت ذلك بنا. وقد كبرنا ونحن نردد «بحبك يا لبنان يا وطني» وصدقنا منذ بدأ الوعي يشكل أفكارنا أن لبنان وطننا جميعا، لهذا وجب أن نحبه لا أن نشترك في تدميره. أحببنا وطن فيروز وكنا نصغي إليها وهي «تحكي لنا عنه» تلك التفاصيل المغايرة تماما لما كانت تبثه نشرات الأخبار العربية وتصوره تصريحات السياسيين. بقينا نرى لبنان الجميل بعيدا عن تشوهات الحرب التي لحقت به.
بقي لبنان في قلوبنا بهيا عاشقا وحين حطت الحرب رحالها على ركام ما تبقى منه ركضنا إليه، وأذكر أول زيارة لي له وكيف جلت بالتاكسي في شوارع بيروت وفيروز تغني «راجعين يا هوا راجعين» يا للدهشة لماذا تلك الأغنية بالذات؟
كنت أعانق المباني الجريحة بعيني وقلبي وروحي، وأتأمل الحياة كيف تركض بزينتها المستعجلة في شوارع بيروت متقاطعة، بدمعات غمرت عيني كموجات خجولة. كل شيء أصبح هادئا، تماما كتلك الموسيقى الرحبانية الجميلة، وكل شيء تزيّن لموعد ما، ويقصد وجهة تشبه وجهات الحب. هناك مدن ميتة بلا روح تماما حتى وهي في كامل أناقتها، أمّا بيروت فلا تشبه سوى نفسها، وهي تنبض بالحياة حتى وهي جريحة. يومها كنت عاجزة تماما عن فهم سر قوة لبنان في البقاء على قيد الحياة، إلى أن قالت فيروز في أغنية تالية «طلعلي البكي ونحنا قاعدين …» حينها لم أحبس دموعي، كانت بيروت كلها مثيرة للإعجاب حدّ البكاء، ولا أدري هل فيروز هي التي فجّرت في قلبي كل تلك المشاعر؟ أم أنّها لحظة قدرية ربطها الله بصوت فيروز لأزداد هشاشة فأسجل ما رأيت في ذاكرتي ليوم كهذا؟ منذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا وأنا أسمع اللبنانيين وغير اللبنانيين يريدون تخليد فيروز بالاحتفال بعيدها كعيد رسمي، وإن كان رجال «الحلّ والربط» في كواليس الحكومات لا يفهمون هذا المطلب، فإن اللبنانيين غير آبهين بمن يصدر القرارات، فمنذ سنوات وهم يحتفلون في الواحد والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر بذكرى مولدها، ولكن هذه السنة كبر الاحتفال، وصراحة لم أتفاجأ حين تم بث حفل تكريمها في بعلبك بشكل مباشر، مع إصرار فيروز على أن تبقى في عزلتها بعيدا عن تلك الأضواء التي زينت بعلبك. ولم أتفاجأ أيضا حين احتفل جمهورها العربي بوضع صورها على شبكات التواصل الاجتماعي مع تمنياتهم لها بالعمر المديد والصحة ومزيد من العطاءات.
81 سنة لم تطلب خلالها فيروز من أي جهة حاكمة أو سياسية أن تكرمها، توارت دوما عن الأضواء والحفلات والمهرجانات، وحرصت على أن تكون هي كما أرادت دوما بخجلها وخفرها وعطائها الفني. واليوم وكل هذا الجمهور يكرمها بطريقته ماذا يمكننا أن نقول غير إحدى عباراتها العالقة في أذهاننا «إيه فيه أمل».
التزام فيروز، وتفانيها من أجل فنها دعما تميزها لتصبح أيقونة العالم العربي بامتياز. ولعلي مهما كتبت عن فيروز، ومهما كتب كل من أحبها فلن نبلغ مستوى الشاعر أنسي الحاج في ما كتبه عنها هو الذي أحبها حبا فاق المألوف، وهو القائل فيها: «في حياتنا لا مكان لفيروز، كلّ المكان هو لفيروز وحدها، ليكن للعلماء علم بالصوت وللخبراء معرفة، وليقولوا عن الجيِّد والعاطل، أنا أركع أمام صوتها كالجائع أمام اللقمة، أحبه في جوعي حتى الشبع، وفي شبعي أحبه حتى الجوع، أضم يديّ كالمصلّين وأناديكَ: إحفظْها! إحفظها!»
إحفظها يا رب، إحفظها لنا.
شاعرة وإعلامية من البحرين
بروين حبيب