من المشاهد التي كادت تغيب عن الإعلام العربي في العيد، استمرار تدهور حالة الأسير الفلسطيني محمد البلبول حتى أصبح يقترب من الشهادة، بعد أن تجاوز إضرابه عن الطعام الشهرين، حتى أن إدارة سجن الاحتلال نقلته مؤخرا إلى قسم العناية المركزة في مستشفى (ولفسون) في تل أبيب.
وكان مشهدا قاسيا عندما سمحت سلطات الاحتلال لوالدة محمد بزيارته أخيرا، بعد تدخل من الرئيس محمود عباس، فاذا بها تنهار في البكاء بعد أن رأته أقرب للاستشهاد منه إلى الحياة، فاذا بها تصرخ مؤكدة أنها مستعدة للاستشهاد بدلا منه فورا إذا كان هذا ثمنا كافيا ليستعيد عافيته وحريته. وليس هذا حادثا فرديا يخص معتقلا فلسطينيا واحدا، إذ أن هناك نحو 700 فلسطيني قيد الاعتقال الإداري في «إسرائيل الديمقراطية» المزعومة، أما عائلاتهم التي تبلغ الآلاف فأغلبهم من الأطفال، الذين لم يشعروا بالعيد، ولم يجدوا كذلك عربا أو مسلمين يتذكرونهم في العيد، ناهيك عن مئات الآلاف من أقارب باقي الأسرى. أما إسرائيل نفسها فوجدت أسبابا عديدة للاحتفال حقا بهذا العيد، منها:
1- أنها نجحت في جعل مجرد المطالبة بفتح ملف قضية الأسرى، كافيا لرفض أي تفاوض مع عباس، وهو ما حدث للقاء الذي كان مقررا في موسكو وتم إلغاؤه لهذا السبب. وتأكيدا للنسيان العربي لفلسطين، اعتبر نتنياهو قبل أسابيع قليلة أن (العرب أصبحوا يعرفون أن اسرائيل لا تشكل خطرا عليهم، وأن العلاقات بين الطرفين في أفضل حالاتها)، وكأنه يشير إلى استقبال وزير الخارجية المصري وكذلك مدير سعودي في أحد المراكز الاستراتيجية في السعودية، و(ما خفي أعظم).
2- أن طائرات إسرائيلية شنت حملات متتالية ضد مواقع سورية، وكأنه يصعب عليها أن ترى الحرب الأهلية تهدأ، ولو نسبيا، في سوريا بعد بدء تطبيق الاتفاق الروسي الأمريكي في اليوم الأول للعيد، أو أنها تحارب نيابة عن بعض القوات الإرهابية المحسوبة ضمن «حسابات وخدمات متبادلة» معقدة. وبالطبع فإن الغارات الاسرائيلية، سواء في فلسطين أو سوريا أصبحت عملا اعتياديا لا ينال تعليقا عربيا، سواء كان سياسيا أو إعلاميا.
3- أعلنت الولايات المتحدة تقديم 38 مليار دولار على مدى عشر سنوات، ضمن خطة لضمان ما زعمت أنه (أمن إسرائيل) مع أن الأمن لم يعد قائما إلا في إسرائيل وسط محيط عربي متدهور. وجاء القرار تنفيذا لوعد الرئيس باراك أوباما لإسرائيل، بعد التوصل إلى اتفاقية مع إيران حول برنامجها النووي، وكأن اسرائيل لا تحصل تلقائيا على أحدث الأسلحة الأمريكية.
هل من تفاهم عربي إيراني؟
لعل المنحة العسكرية الأمريكية السخية لاسرائيل تثير سؤالا بديهيا: لماذا فضلت واشنطن أن تدفع تلك الأموال الباهظة إلى اسرائيل بدلا من أن تشن حربا على إيران لتدمير برنامجها النووي؟ ولماذا لم تقم اسرائيل بشن تلك الحرب ضد ايران ايضا؟ إنه سؤال بسيط لكن تجاهل بعض العرب له قد يكون خطيرا، إذ أن الإجابة تكمن في قدرات ايران العسكرية المهمة، وهي ستقوم باستعراضها قريبا في منطقة الخليج، في إعادة لتذكير البعض بحسابات القوى في المنطقة. وبكلمات اخرى فإن الولايات المتحدة أبلغت إسرائيل انها لا تستطيع أن تشن حربا ضد ايران من أجلها إذا ما فكرت في شن حرب لتدمير برنامجها النووي؟ وهكذا لا يكون من الحكمة أن يعتمد البعض من الدول العربية على دعم عسكري من امريكا في التصعيد السياسي أو العسكري مع إيران، في الوقت الذي رفضت المحاربة من أجل حليفتها اسرائيل؟
أما الواقع فهو أن التفاهم العربي مع ايران لا يمكن أن يكون أكثر صعوبة من تفاهم بعض العرب السري او العلني مع اسرائيل، التي تواصل تدمير المسجد الاقصى حتى عشية عيد الأضحى، ناهيك عن قتل الفلسطينيين، خاصة الأطفال والفتيات، وتعذيب الأسرى حتى أصبحت امهاتهم يعلن الاستعداد للشهادة لإنقاذهم.
ولا أذكر الآن عمن نقلت في بحث قديم كتبته في رسالة حول الصراعات الدولية انه (حتى في أشرس الصراعات الدولية يوجد في النهاية حد فاصل لاستخدام القوة العسكرية)، وقد وصلت الصراعات بين ايران وبعض العرب حدا اصبح من الضروري فيه التوصل إلى تفاهم سياسي، سواء في سوريا أو العراق أو اليمن. وربما يكون بريجنسكي هو من قال إن «الولايات المتحدة لا تسعى إلى حل الصراعات الدولية، ولكنها تعمل فقط على استثمارها لتحقيق أكبر مصالحها».
وحتى إذا كان بعض الأطراف يزعم انه مازال قادرا على تحقيق انتصار عسكري، فإن الحقيقة التي يعرفها الجميع انه لا يوجد في النهاية الا حل سياسي، وان العرب يعيشون تاريخيا أصعب أوضاعهم استراتيجيا، وهذا لا يمكن إلا أن يسمح لخصومهم باستغلال ضعفهم، ما قد يكلفهم ثمنا باهظا يشمل قدرتهم على البقاء نفسها.
ومن الإنصاف الإشارة إلى أن بعض البلاد العربية يدرك أهمية التحاور مع ايران، لكن يبدو انهم ينتظرون وساطة من غير العرب مثل روسيا أو تركيا وربما أمريكا، التي عرضت مبادرة من أجل اليمن نفسه. وكأن التطبيع العربي مع إسرائيل اصبح أسهل من التفاهم مع ايران. ومن أمثلة ذلك أن الرئيس المصري رفض طلبا من الرئيس الايراني لعقد اجتماع معه اثناء حضوره جلسات في الأمم المتحدة العام الماضي، وهذا عمل مناقض للدبلوماسية، خاصة مع زعم النظام رغبته في استعادة دور مصر السياسي إقليميا بعيدا عن الحروب الطائفية التي تدمر المنطقة. ومن جهة أخرى فان طهران تبقى مطالبة بالاستمرار في تقديم مبادرات واضحة نحو التوصل إلى تفاهمات شاملة تقوم على الاحترام المتبادل والحلول الممكنة، وحتى إذا كانت الأقوى إقليميا فلتتذكر أنها لا تستطيع أن تستخدم كل قوتها في هذه الحرب.
كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»
خالد الشامي