غزة – «القدس العربي»: شكلت «التهدئة المؤقتة» الثانية التي اتفق عليها وفد الفصائل الفلسطينية منتصف ليل الأربعاء، لتمتد هذه المرة خمسة أيام بدلا من ثلاثة، ارتياحا لدى سكان قطاع غزة، الذين عانوا طوال الـ 35 يوما من حرب إسرائيلية «الجرف الصامد» لم يعهدوا مثل شراستها من قبل، بعد أن وصل عدد الشهداء الى نحو الألفي شهيد، فيما فاق عدد الجرحى العشرة آلاف جريح.
فأينما تولي وجهك في القطاع الساحلي هناك حكايات من المأساة لا حصر لها يرويها السكان، وقد خلفتها جميعها الحرب. فالقتل كان في كل مكان، والتدمير هذه المرة طال الشجر والحجر وقبلها البشر، وعمليات القصف العشوائي والإبادة الجماعية للعائلات وقتل الأطفال والنساء، والمجازر التي ارتكبت من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي في المناطق الحدودية الشرقية والشمالية لقطاع غزة، خلال عمليات التوغل البرية، وما صاحبها من وقوع ضحايا خلال الهروب في الشوارع، وآخرين ما زالوا تحت الركام، كلها جعلت الصدمة حاضرة في وجوه الغزيين.
فسكان غزة المنكوبون والمكلومون ينتظرون تهدئة نهائية من خلال المفاوضات التي تدار في القاهرة بين وفدين فلسطيني يجمع الكل الفلسطيني، وآخر إسرائيلي أمني، على أن تكون هذه التهدئة شاملة تتمثل في رفع كلي للحصار المفروض عليهم منذ ثماني سنوات، هذا الحصار الذي حول حياتهم إلى جحيم، فإنتشر الفقر وسادت البطالة حتى إنها فاقت كل النسب العالمية، وجعلت من مكان سكناهم في قطاع غزة المحاصر، أشبه بسجن كبير، له بوابات مغلقة من كل الإتجاهات.
والسكان كالعادة خاصة من يقطنون على مقربة من الحدود، انشغلوا في تفقد منازلهم التي تركوها قسرا بسبب الاجتياحات والدمار الذي طالها، عادوا من مراكز الإيواء لتفقده بيوتهم مجددا، واستخراج ما ينفعهم في حياة النزوح الجديدة من تحت الركام.
وقد بلغ عدد الشهداء في آخر إحصائية لوزارة الصحة الفلسطينية أكثر من 1960 شهيدا، وهناك احتمال لان يزيد هذا العدد مع وجود جرحى على أسرة المشافي في القطاع وفي الخارج، يعانون من أوضاع صحية خطيرة، خاصة وأن عددا منهم سقط خلال الأيام الماضية، فيما فاق عدد الجرحى 1100 جريح.
وحسب احصائية مبدئية أيضا فإن قوات الإحتلال دمرت خلال الحرب أكثر من عشرة آلاف وحدة سكنية. فقد تحولت مناطق كبيرة تقع على حدود القطاع إلى أكوام من الركام بسبب القصف والتجريف الإسرائيلي.
لا تزال غزة تعيش آثار الحرب بسقوط شهداء يوميا من المصابين بجراح خطرة، وتشكل أزمة الحصول على المياه والكهرباء معضلة يومية كبيرة يواجهها السكان، وقد خلقتها الحرب، التي دمرت خلالها إسرائيل مرافق حيوية، كشركة الكهرباء، ومحطات وآبار المياه، علاوة على النقص الحاد في الأدوية التي يعاني منها القطاع الصحي، جراء الحصار والذي تأثر أيضا بسبب كثرة أعداد الجرحى.
وهناك مشكلة جديدة برزت للواجهة في قطاع غزة وظهرت بشكل جلي الأسبوع الماضي، هي التخلص من الصواريخ والقذائف الصاروخية الإسرائيلية التي أطلقت على القطاع، وعددها كبير جدا، دون أن تنفجر. فقد أدى إنفجار قذيفة صاروخية أطلقتها قوات الاحتلال على شمال قطاع غزة، خلال محاولة تفكيكها إلى استشهاد ستة مواطنين، بينهم صحافيان أحدهما ايطالي الجنسية، وأربعة من الوحدة الشرطية المختصة بعملية التفكيك.
وعثر الفلسطينيون في ركام المنازل وفي الشوارع على عدد كبير من أنواع مختلفة من هذه القنابل التي يمكن أن تنفجر في أي لحظة، مخلفة عشرات الضحايا الجدد، ما لم تكن هناك مساعدة اختصاصية في تفكيكها.
وبالعودة إلى عملية تمديد التهدئة فإن أكثر ما ميزها هذه المرة، هو خروج أصوات فلسطينية لمعلقين ومحللين تدعوا بشكل أوضح مما سبق لإعطاء كل الثقة في الوفد الفلسطيني المفاوض، الذي يضم شخصيات من كل التنظيمات، ومنحه المجال الأوسع بدون أي ضغط للوصول إلى حل مشرف يرضي كل الفلسطينيين، خاصة وأنه في المرات السابقة كانت هناك دعوات كثيرة لهذا الوفد بالإنسحاب.
ويرجع السبب في ذلك، لما حققه الوفد حتى اللحظة من ثبات في الموقف العام، وعدم تقديم أي تنازلات لإسرائيل، على حساب الشعب الفلسطيني، خاصة وأن تصريحات أعضائه كانت متطابقة، ما يؤكد وحدة الموقف الكامل خلال المفاوضات.
فالكلام الذي تحدث به عزام الأحمد رئيس الوفد والمسؤول الكبير في حركة فتح، كرره مسؤولون في حركة حماس، هم أعضاء في الوفد، وأعاده آخرون من تنظيمات أخرى.
وسيرى الفلسطينيون ما ستؤول إليه الأمور الأسبوع المقبل، من ناحية التوصل لوقف شامل لإطلاق النار، يلبي المطالب الفلسطينية، أو هدنة مؤقتة أخرى، أم ستدير إسرائيل ظهرها وستعمل على توتير الوضع والعودة لمربع الحرب الأول.
أشرف الهور