غزة والخيارات الإسرائيلية

حجم الخط
2

بدأت إسرائيل عدوانها على قطاع غزة، وهي لا تعلم ماذا ينتظرها، وهذا ما عكسه الجدل الدائر حالياً في أروقة صناعة القرار بإسرائيل بين قادة الأسلحة في الجيش الإسرائيلي وشعبة الاستخبارات، حول فشل الأخيرة في تقدير الموقف الحقيقي لقوة المقاومة وأماكن تخزين الأسلحة في قطاع غزة، فكانت المفاجآت تلو المفاجآت، وبدأ العدو الصهيوني يشعر بخسارته على أرض المعركة، ولم يستطع الرقيب العسكري الصهيوني من تغطية الحقائق، لأن الإعلام الحربي لفصائل المقاومة أصبح مصدر ثقة للمجتمع الصهيوني، وبعد اثني عشر يوماً لم ينجح سلاح الجو من تطويع وتدجين قطاع غزة ومقاومته، فقررت إسرائيل شن عملية برية عليه ، وأمام تخوم قطاع غزة تعثرت الآليات وسقطت أسطورة الجيش الذي لا يقهر، فقهرت أقوى وحداته العسكرية (جولاني)، وقتل العشرات من ضباطها وجنودها، فبدأت إسرائيل تدرك أنها ستخسر المعركة وأن أمامها ثلاث خيارات هي:
خيار وقف إطلاق النار.
خيار احتلال قطاع غزة بالكامل.
خيار الانسحاب ووقف العمليات.
أولاً: خيار وقف إطلاق النار (التهدئة)
هناك أصوات صهيونية بدأت تتحدث عن حرب بالوكالة تقوم بها إسرائيل ضد قطاع غزة لإرضاء أطراف إقليمية ودولية لاستئصال حركة حماس والمقاومة، وأن نتانياهو يقدم جنوده قرباناً لهؤلاء. ما أوقعه في مأزق دفع إسرائيل للضغط على الأطراف الدولية والإقليمية لإبرام وقف إطلاق نار، وبدأ الحراك السياسي في هذا الشأن بعد أسبوع من المعارك التي سقط بها مئات الشهداء والجرحى، وولدت المبادرة المصرية بتنسيق إسرائيلي فلسطيني (السلطة الفلسطينية)، ولكنها قوبلت بالرفض شعبياً وفصائلياً لأنها لا تلبي الحد الأدنى من مطالبها وشروطها، ورغم ذلك هناك إجماع شعبي وفصائلي على أهمية الدور المصري، فلا أحد يرغب في تجاوز مصر، ولكن الشعب الفلسطيني لا يثق في الوعود الإسرائيلية، والتجارب التاريخية تؤكد ذلك، فاتفاق التهدئة التي وقع عام 2012، لم تلتزم به إسرائيل، واستمر الحصار وإغلاق المعابر، واتفاق صفقة «شاليط» قامت إسرائيل باعتقال المحررين بعد عملية الخليل، وهناك اتفاق آخر برعاية مصرية وهو تحسين ظروف المعتقلين الإداريين ولم يتم ذلك.
ولم يتوقف الحراك الإقليمي والدولي عند هذا الحد، فقد توسعت حلقاته وشملت عواصم عربية وإسلامية ودولية، ولكن مازالت حتى كتابة هذه السطور التهدئة متعثرة للأسباب التالية:
سياسة المحاور والأحلاف في المنطقة.
توتر علاقة مصر بحركة حماس.
الخشية من ارتدادات عكسية قد تمس أطراف فلسطينية أو إقليمية لو كسبت فصائل المقاومة المعركة.
ثانياً: خيار احتلال قطاع غزة بالكامل.
من الممكن أن تقدم إسرائيل لتنفيذ هذا الخيار، فلغة الغطرسة والقوة هي اللغة السائدة في إسرائيل، فتحقيق أهداف إسرائيل العدوانية يتطلب احتلال كامل وشامل للقطاع، ولكن ما يجري هذه الساعات على أرض الميدان يسقط هذا الخيار عن طاولة صانع القرار الإسرائيلي، لحجم التكلفة العالية في عدد القتلى لدى الجنود الصهاينة، وكذلك القتلى عند المدنيين الفلسطينيين، وانعكاس ذلك إقليمياً ودولياً.
فعند تخوم قطاع غزة سقط المئات بين قتيل وجريح وأسير من وحدات النخبة الصهيونية، فماذا لو تقدمت الدبابات وقوات المشاه وسط القطاع…؟
يضاف إلى ذلك موقع ومكانة قطاع غزة في الفكر الصهيوني السياسي والاستراتيجي والتوراتي، فإسرائيل لا تريد غزة، ولا تريد تحمل مسئولية سكانها، وهنا أذكر بأن اسحق رابين صرح بأنه يتمنى أن يصحو من نومه ويرى قطاع غزة وقد ابتلعه البحر، أما بنيامين نتانياهو رئيس الحكومة الحالي ومؤلف كتاب مكان تحت الشمس، يقول في كتابه: يوجد منطقة واحدة مكتظة بالسكان العرب، وتعتبر أقل حيوية من الناحية الإستراتيجية هي قطاع غزة، فتعداد سكانها يقارب سكان الضفة الغربية، بينما مساحتها 6٪ من مساحة الضفة الغربية.
ثالثاً: خيار الانسحاب ووقف العمليات.
أعتقد أن هذا الخيار سيكون في حال فشلت خيارات التهدئة واستمرت المقاومة في بسالتها، والجبهة الداخلية الفلسطينية في تماسكها وصلابتها، فإن إسرائيل قد تقدم على ذلك الخطوة، وهذا يعني أنها أعلنت هزيمتها بالمفاهيم العسكرية، ولكن ستعمل إسرائيل أيضاً على استثمار هذا الخيار عبر كسب تعاطف العالم بأن الصواريخ ما زالت تسقط عليها، وحينها قد تلجأ لحملة دبلوماسية أممية لحشد الموقف الدولي تجاه حماس والمقاومة في قطاع غزة.
خلاصة القول: إن أقل الخيارات تكلفة لإسرائيل وللفصائل الفلسطينية هو العمل المكثف لتوقيع اتفاق تهدئة يلبي الشروط الإنسانية للمقاومة الفلسطينية، لأنه بدون اتفاق واضح المعالم وبضمانات، تبقى المنطقة مرشحة لمزيد من عدم الاستقرار.
حسام الدجني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية