لعلّ التفصيل الأبرز دلالة، في المشهد الراهن لمشاريع التهدئة بين حركة «حماس» ودولة الاحتلال الإسرائيلي، هو استطلاع الرأي الذي نشرته صحيفة «معاريف» الإسرائيلية مؤخراً؛ وأشار إلى أنّ 64% من الإسرائيليين غير راضين عن أداء رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، بصدد التعاطي مع «حماس» وإدارة جولات التصعيد الأخيرة ضدّ قطاع غزّة. فإذا كان نتنياهو لا يُرضي أكثر من ثلثي الشارع الإسرائيلي، فمَن الذي يستطيع إرضاءهم؛ خاصة وأنّ آخر صقور الاحتلال، أرييل شارون، وُوري الثرى محملاً بلعنات الإسرائيليين الساخطين على قراراته حول القطاع؟
وفي المقابل، هل يمكن لوسيط مثل نظام عبد الفتاح السيسي أن يقترح على «حماس» سلّة تهدئة مُرضية في الحدود الدنيا، يمكن تغري الحركة بالذهاب إلى مجازفة حاسمة، بالغة الخطورة وكثيرة المزالق، قد تنطوي على مراجعة كامل الإرث العقائدي الحمساوي بصدد الموقف من دولة الاحتلال؟ وكيف لهذا الوسيط أن يحقق القسط الأكبر من مصالح الحركة، ثمّ قبلها متطلبات غزة الكثيرة الملحة، وفي رأسها تخفيف الحصار المفروض على القطاع؛ ما دامت السلطة المصرية أقرب إلى الشراكة في هذا مع الاحتلال، منها إلى التضامن مع «حماس» والغزيين؟
ليست مشاريع التهدئة قائمة في فراغ تاريخي، بادئ ذي بدء، فالعقود الماضية سجلت من مشاريع التهادن بين «حماس» ودولة الاحتلال بقدر ما سجّلت من جولات حروب وحشية شنّها على القطاع نتنياهو وأسلافه من رؤساء الحكومات الإسرائيلية. وفي كلّ مرّة، كانت الهدنة صيغة إجرائية مؤقتة لا تتجاوز ترتيبات وقف إطلاق النار، ولكنها لا تخلو من تشديد في الحصار ومضاعفة في تدابير خنق الأهالي. ولا يلوح أنّ أيّ جديد سوف يكتنف الوساطة المصرية والأممية، لا لأيّ اعتبار آخر سوى أنّ مشهد غزّة بات يقترن أكثر فأكثر بما يُسمّى «صفقة القرن»، التي عبر مراحلها المنتظَرة سوف يرتسم مستقبل القطاع، شاءت «حماس» أم أبت السلطة الفلسطينية!
في غضون ذلك، وكي تمارس سلطات السيسي دوراً أوسع في «تهدئة» الخط العقائدي المتشدد الذي ألزمت به «حماس» قواعدها حول التعاطي مع دولة الاحتلال؛ لا بأس من أخذ وردّ، وتفاوض غير مباشر في عبارة أخرى، حول تفاصيل «تقنية» مرحلية تارة، وأخرى «ستراتيجية» بعيدة المدى تارة أخرى؛ لا تسمن، في الحالتين، ولا تغني من جوع. ثمة، على سبيل الأمثلة المتداولة، أحاديث عن فتح معبر رفح بصفة شبه دائمة، وتخفيف القيود على معبر كرم أبو سالم بخصوص استيراد وتصدير البضائع، والسماح بميناء ومطار في القطاع، واعتماد وقف لإطلاق النار مدته 5 إلى عشر سنوات، فضلاً عن الحكاية الشائكة المتعلقة بتبادل الأسرى وكم ستفرج دولة الاحتلال من أعداد معتقلي «حماس» مقابل الأسرى الإسرائيليين الأربعة.
وكما أنّ الشارع الإسرائيلي، في أغلبية ثلثيه على الأقلّ، غير راضِ عن أداء نتنياهو؛ فالأرجح أنّ تسعة أعشار أبناء الشعب الفلسطيني غير راضين عن أداء كلّ من «فتح» و»حماس» إزاء مشاريع التهدئة خصوصاً، ثمّ المصالحة الوطنية الفلسطينية ـ الفلسطينية عموماً. على مستوى التراشق اللفظي العنيف، واستسهال تبادل التخوين، نقرأ تصريحاً من أسامة القواسمي، المتحدث باسم «فتح» جاء فيه أن «المصلحة الحزبية هي من تحرك حماس وليس المصلحة الوطنية»، و»صك هدنة مع إسرائيل مشروع تصفوي شبيه بروابط القرى الخيانية». يردّ عليه القيادي في «حماس» سامي أبو زهري: «من يتفاخر بالعيش تحت بساطير الاحتلال ويتعاون معه أمنياً لا يحق له المزايدة على تضحيات غزة»…
وفي غضون ذلك، أيضاً وأوّلاً، يواصل جيش الاحتلال غاراته وعملياته العسكرية دون رادع، كما هي العادة، وكأنّ التهدئة خرافة تُطبخ في وادِ، واستمرار حصار غزة وعقابها جماعياً وارتكاب المجازر بحقّ أهلها في واد آخر؛ ولا صلة وصل تربط بين الواديين!
11RAI
صبحي حديدي