نيويورك ـ «القدس العربي»: بعد خمسة مبعوثين دوليين للتعامل مع الملف الليبي، وبعد الفيتو الأمريكي في شباط/فبراير الماضي على تعيين سلام فياض لكونه فلسطينيا فقط، جاء تعيين الدكتور غسان سلامة ممثلا خاصا للأمين العام لحسم خلافات داخل مجلس الأمن استمرت أربعة أشهر حول أهلية المرشح الجديد. وكانت الدول الأوروبية والولايات المتحدة، تفضل، كما هي العادة، أن يكون المرشح من أوروبا ولكن فشل المبعوثين السابقين الألماني مارتن كوبلر والاسباني برناردينو ليون، رجح الكفة لصالح الرأي الذي تبنته روسيا مدعومة من الصين ومصر والسنغال، ليكون المرشح الجديد عارفا بالمنطقة، ملما بهمومها، عليما بلغتها وثقافتها وتقاليدها، ويملك قلبا يتقطع لمآسيها ويقفز فرحا لانجازاتها، لذلك استقر الرأي على غسان سلامة.
يعمل الدكتور غسان سلامة حاليا استاذا ورئيسا لكلية باريس للشؤون الدولية. تولى منصب وزير الثقافة في حكومة رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري بين عامي 2000 و 2003. كما عمل مستشارا سياسيا لرئيس البعثة الدولية الأولى للعراق بعد الاحتلال الأمريكي، سيرجيو فييرا دي ميلو. وساهم سلامة في إنشاء مجلس الحكم الانتقالي في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين، وظل يعمل مستشاراً خاصاً للأمين العام للأمم المتحدة لغاية 2006. وله العديد من المؤلفات بالفرنسية والعربية.
إذن يتسلم غسان سلامة هذا المنصب/المهمة وأمامه رزمة من التحديات الوجودية للدولة والشعب الليبيين، فهل ينجح بما فشل فيه عبد الإله الخطيب ويان إيغلاند، وطارق متري وبرناردينو ليون ومارتن كوبلر؟ والجواب بكل بساطة ان الأمر ليس بيد المبعوث الخاص، فالأزمة الليبية لم تعد ليبية فحسب بل تم أقلمتها وتدويلها وأصبحت أقرب إلى المسألة السورية، بحيث تخاض فيها حروب بالوكالة بين دول ومحاور وامتدادات كل يحاول أن يهزم الآخر عمليا وأيديولوجيا على أرض ليبيا. فماذا بإمكان أي مبعوث أن يعمل أمام هذه الفوضى غير الخلاقة؟
التحديات التي تواجه سلامة
اعتمدت الأمم المتحدة القرارين 1970 و 1973 في بداية الانتفاضة الشعبية الليبية ضد حكم العقيد القذافي وابنه سيف الإسلام اللذين حولا ليبيا إلى مزرعة شخصية لهما وللعائلة ولشطحات القذافي الغريبة. والقراران اعتمدا مجموعة من العقوبات وأقرا بتقديم مرتكبي الجرائم الكبرى في ليبيا إلى محكمة الجنايات بمن فيهم القذافي وسيف الإسلام وعبد الله السنوسي وعدد آخر من كبار رجالات الأمن والاستخبارات الضالعين في القتل الجماعي. وأجاز القرار 1973 إعلان ليبيا منطقة حظر للطيران من أجل حماية المدنيين الأمر الذي أعطى حلف الناتو رخصة للتدخل لا لإسقاط نظام العقيد فحسب بل لتدمير ليبيا وبناها التحتية. ثم انسحب الناتو مع نهاية 2011 تاركا البلاد للفوضى بالضبط كما حصل في أفغانسان عام 1989 عندما انسحب الاتحاد السوفييتي فخرجت الولايات المتحدة من الساحة مع حليفتيها باكستان والسعودية، وهي الدول التي رعت «الجهاد المحمود الذي أصبح إرهابا» تاركة خلفها بلدا ممزقا ومتناحرا وخاضعا لفوضى الميليشيات.
أعلن مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الوطني المؤقت، انتصار الثورة الليبية يوم 23 تشرين الأول/أكتوبر 2011. وقاد البلاد إلى الانتخابات التشريعية الأولى من نوعها في 12 تموز/يوليو 2012 فاز فيها تحالف القوى الوطنية الأقرب إلى الاتجاهات الإسلامية. وعند عقد الانتخابات التشريعية في 25 حزيران/يونيو 2014 وفشل الاتجاهات الإسلامية في الحصول على الغالبية في البرلمان الجديد رفضت النتائج بينما تمسك بعض أعضاء مؤتمر الشعب العام بالنتائج فحصل انقسام حاد في البلاد بحيث انتقل البرلمان الشرعي المعترف به دوليا إلى طبرق وبقي المؤتمر الوطني العام في طرابلس يحكم باسم الشرعية القديمة، وألغت المحكمة الدستورية العليا وبتأثير من النواب نتائج الانتخابات. بدأ بعدها الانشطار الكبير بين شرق البلاد وغربها. ومن جهة أخرى قام اللواء خليفة حفتر في شباط/فبراير 2014 بحركة أقرب إلى الانقلاب العسكري بإعلانه إلغاء عمل المؤتمر الوطني العام وتنصيب نفسه قائدا للجيش الليبي برتبة مشير، واستولى على أجزاء من الشرق الليبي تحت ما سمي «عملية الكرامة» ثم عينه البرلمان ومقره طبرق قائدا للجيش الوطني، بينما أطلقت ميليشيات طرابلس «عملية فجر ليبيا» واستولى تنظيم الدولة «داعش» على مدينة سرت واستولت قوات أنصار الشريعة على أجزاء من بنغازي. الجنوب الليبي في هذه الفترة استولت عليه ميليشيات قبلية بعضها تابع بولائه للعقيد معمر القذافي. وفي خضم الفوضى تحولت ليبيا إلى بلد جاذب ومصدر للهجرة غير الشرعية وأصبحت مقرا لمئات الألوف القادمين من الدول الافريقية والشرق الأوسط وآسيا، وانتشرت ظاهرة غرق سفن المهاجرين والتي شكلت ضاغطا إنسانيا على المجتمع الدولي وبالتحديد الدول المستقبلة للتحرك من أجل وقف هذه المأسي.
اتفاق الصخيرات وحكومة الوفاق الوطني
لا يستطيع سلامة أن يبدأ من نقطة الصفر وعليه أن يتعامل مع مجموعة حقائق:
• اتفاقية الصخيرات السياسية التي أنجزت في عهد المبعوث الخاص برناردينو ليون والموقعة من الأطراف الليبية في 17 كانون الأول/ديسمبر 2015 والتي اعتبرت رغم بعض الثغرات، الأرضية التي ينطلق منها الحديث نحو إعادة اللحمة للدولة الليبية.
• ترحيب مجلس الأمن الدولي بالاتفاقية السابقة من خلال اعتماد القرار 2259 بالإجماع بتاريخ 23 كانون الأول/ديسمبر 2015 على أساس أنها خريطة طريق لحل الأزمة الليبية من جذورها.
• تشكيل حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج وانتقالها إلى طرابلس ورفض برلمان طبرق وخليفة حفتر إعطاءها الشرعية.
• حاول المبعوث الخاص مارتن كوبلر طوال فترة عمله التي استمرت نحو 20 شهرا أن يفعـّل حكومة الوفاق الوطني، فقبل العديد من التعديلات على الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات إلا أنه خرج من المنصب دون إنجاز يذكر.
وفي رأينا أن غسان سلامة يمكنه أن يتجاوز بعض المطبات التي وقع فيها من سبقوه إلى المهمة الصعبة نوجز بعضها في النقاط التالية:
تغافل المبعوثون السابقون، عن جهل أو تجاهل للبعد القبلي في النزاع الليبي وأهمية ضمان تأييد القبائل الأساسية لأي إتفاق من خلال وضع رزمة من الحوافز والتعهدات أمام زعماء تلك القبائل في حالة دعمهم لجهود المصالحة والوحدة. وهناك عنوان لهذه القبائل التي شكلت ما يسمى «المجلس الأعلى للقبائل والمدن الليبية» ومقره القاهرة. ورحب المجلس بإطلاق سراح سيف الإسلام وأثنى على كتيبة أبي بكر الصديق التي اتخذت هذا القرار.
تم التغافل عن كسب أنصار النظام السابق جهلا أو تجاهلا مما أعطى بعض اللاعبين الآخرين في البلاد فرصة العبث في تركيبة الولاءات والتي وصلت قمتها بإطلاق سراح سيف الإسلام القذافي الذي ظل إلى الآن مطلوبا للمحكمة الجنائية الدولية لمحاكمته كمجرم حرب.
التعامل مع النزاع في ليبيا على الطريقة السورية، أي أنه ليس نزاعا بين مكونات الشعب الليبي فقط بل إن له أبعادا إقليمية ودولية. ولذا فإن فتح حوارات جادة وصريحة وعميقة مع اللاعبين الإقليميين والدوليين أمر ضروري ولا نعتقد أننا سنرى نهاية لهذا الصراع دون أن تكون هناك تفاهمات مع رعاة الجماعات المتصارعة. فقد بين تقرير أخير لفريق الخبراء المكلفين بمراقبة الشواطئ الليبية وحظر السلاح، حجم تدخلات دولة مثل الإمارات في الشأن الليبي. إن هناك نفاقا دوليا كبيرا في هذا المجال ففرنسا التي صوتت مع القرار 2295 واعترفت بحكومة السراج تقيم علاقات قوية مع اللواء حفتر. وهناك أعضاء مجلس يصوتون مع القرار ويعملون على تقويضه. إن إعادة فتح ملف الاتفاق السياسي الليبي قد يغري بانهيار العملية السياسية برمتها. كما أن أجندة العمل يجب أن تظل مستندة إلى القرار 2259 والذي أقر الاتفاقية ورسم خريطة الطريق التي تبدأ بتشكيل جهاز الدولة ثم حل المسألة الأمنية ودمج الميليشيات ثم كتابة الدستور وصولا إلى الانتخابات الحرة التي ستنبثق عنها قيادة منتخبة تأخذ البلاد إلى مرحلة الاستقرار فالبناء فالتنمية الرشيدة.