ثمانية سطور لا أكثر كانت هي «حصة» ليبيا من البيان الختامي للقمة العربية، وسط تفاقم الصراع في هذا البلد- الجسر بين المشرق والمغرب. ثمانية سطور وخمسة أفعال لا تُسمن ولا تُغني من جوع هي بالترتيب «نشدد ونؤكد ونشدد ونؤيد… كما نؤكد». اكتفت القمة بقاموسها المألوف المُشتق من التشديد والتأكيد، ولم تغب عنه سوى عبارات الشجب والاستنكار، التي كانت تنام خلف أي بيان للجامعة ومؤسساتها. وهذا دليل على أن القمة لا تملك رؤية متكاملة لحل الصراع في ليبيا، في وقت يتدحرج فيه البلد إلى صراع بالوكالة تُؤججه وتُغذيه الدول الكبرى والقوى الاقليمية.
ما من شك بأن إعلان القمة التمسك بـ«وحدة ليبيا الترابية وتماسكها المجتمعي» أمرٌ مهمٌ في هذه المرحلة التي يتنامى فيها شبح التقسيم. كما من المهم أيضا التأكيد على ضرورة تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي، من خلال مصالحة وطنية في ليبيا ترتكز على اتفاق «الصخيرات»، لكن ما هي الآلية الكفيلة بتأمين الاستقرار وتكريس المصالحة؟ اكتفت القمة بدعم جهود دول الجوار (الجزائر وتونس ومصر) لتحقيق المصالحة عبر حوار ليبي-ليبي ترعاه الأمم المتحدة. إلا أن هذه المبادرة الثلاثية ما زالت تدور حول نفسها، ولم تُرسل مؤشرات تدل على أنها تتجه فعلا نحو جمع الفرقاء حول مائدة واحدة، بدليل استمرار الجنرال خليفة حفتر على رفضه الجلوس مع فايز السراج رئيس المجلس الرئاسي المُنبثق من اتفاق الصخيرات.
ازدواجية المواقف
يكمن المشكل في أن بعض الدول العربية التي صدقت على بيان ختامي داعم للمؤسسات الشرعية الليبية، هي التي تُشجع المُتعنتين وتدعم المُكابرين والانفصاليين، ما أوجد مناخا غير موات للتحاور والتصالح. كما أن قسما آخر من الدول العربية وافق هو الآخر على البيان الختامي، الذي أكد على «الوقوف مع الأشقاء الليبيين في جهودهم لدحر العصابات الإرهابية واستئصال الخطر الذي يمثله الإرهاب على ليبيا وعلى جوارها» بينما هو الذي يمدُ الميليشيات بالسلاح والمال لكي تربك خطط الطرف المقابل.
وقعت ليبيا فريسة لهذا الصراع بين القوى الإقليمية، لكن الدول العظمى هي التي أمسكت بخيوط الملف، فأصبحت ليبيا، إلى جانب سوريا والعراق، واحدة من ساحات المنافسة بين القوى الثلاث روسيا وأمريكا وأوروبا. وإذا كانت الإدارة الأمريكية السابقة تعترف بأنها لا تملك خطة خاصة بالشرق الأوسط وتنحو إلى التركيز على آسيا مثلما شرح الرئيس السابق باراك أوباما في مقابلته الشهيرة المطولة مع مجلة «ذي اتلانتيك» فإن روسيا بوتين ظلت تعمل من أجل معاودة بناء الجسور القديمة مع بلدان الشرق الأوسط. واستبطن بوتين سياسة القياصرة الذين كانوا حريصين على وجود عسكري في المتوسط، وهو الحرص الذي سارت عليه أيضا روسيا السوفييتية أيام الحرب الباردة، من خلال شبكة علاقات شملت مصر وسوريا والعراق والجزائر وليبيا. ويمكن القول إنها تعود بقوة اليوم إلى شرق المتوسط بعدما باتت لاعبا رئيسيا في سوريا، وبعدما أقامت جسورا متينة مع مصر، ودخلت إلى الساحة الليبية داعمة لقائد «الجيش الوطني» في الشرق خليفة حفتر. وهي لا تُخفي معارضتها للقيم الحداثية التي ساهم الغرب في نشرها بين النخب العربية، مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان والحوكمة والمحاسبة.
أما الإدارة الأمريكية الحالية فأعطت، على عكس أوباما، مؤشرات على اعتزامها تعزيز حضورها في المنطقة، على الرغم من تراجع الاعتماد الأمريكي على مصادر النفط العربي. وتستأثر آسيا وخاصة الصين حاليا، بـ 75 في المئة من النفط المُصدر من الخليج العربي. ويتوقع خبراء أن ترتفع هذه النسبة إلى 85 في المئة في أفق 2025.
وتعمل أمريكا على التحكم بمسارات تدفق النفط لأن هذا يجعلها قادرة، عند الحاجة، على الحد من كميات النفط والغاز المُوردة للصين وسائر القوى الصاعدة الأخرى في آسيا. أكثر من ذلك استطاعت أمريكا مع انهيار أسعار النفط العالمية، اعتبارا من 2014، أن تُعاقب روسيا على سياستها العدوانية تجاه أوكرانيا وتفرض على إيران حلا وسطا للملف النووي.
القيادة من الخلف
مع اعتماد «مذهب أوباما» التزمت واشنطن الحذر من خوض مغامرات عسكرية من النوع الذي اندفعت إليه الإدارتان السابقتان في أفغانستان والعراق، وزاد مقتل السفير الأمريكي في ليبيا جون كريستوفر ستيفينز من ترسيخ هذا النزوع الجديد، حتى أن واشنطن صارت تغض الطرف عن ذريعة الديمقراطية. وفي هذا السياق اتخذت قرار الإحجام عن التدخل في الصراع السوري في أيلول (سبتمبر) 2013. وأنتج هذا الحذرُ مبدأ «القيادة من الخلف» الذي صاغته الإدارة السابقة خصيصا لليبيا. واقتضت «القيادة من الخلف» إرخاء الحبل للدول الأوروبية الثلاث المؤثرة في الملف الليبي، وهي فرنسا وإيطاليا وبريطانيا، والاقتصار على الضربات الجوية لتجمعات الفصائل الإرهابية في شرق ليبيا كما في غربها.
مع ذلك لا يمكن القول إن أمريكا قللت من حضورها العسكري في المنطقة، وإنما هي قامت بمعاودة تنظيمها وتوزيعها على أماكن أقل انكشافا، بدليل أنها لم تُخفض من عدد طائراتها وبوارجها الحربية المهيأة للتدخل السريع عند الحاجة، لا بل زادت منها. والأرجح أن الجنود الأمريكيين المُنهكين جراء عشر سنوات من الحروب على الإرهاب تستفيد من الفسحة الراهنة لاسترجاع الأنفاس والقيام بمزيد من التدريبات وتحديث عتادها.
قد يقود هذا الاتجاه الأمريكي إلى جعل الشرق الأوسط، ومن ضمنه ليبيا، ساحة للصراع مع روسيا المندفعة إلى المنطقة بقوة غير مسبوقة، مثلما أظهر ذلك وصول قوات روسية إلى مدينة سيدي براني المصرية وعيونها على شرق ليبيا، ما قد يُشكل تعديلا في موازين القوى العسكرية بين الفريقين الليبيين المتصارعين. وقد أشار موفد الجامعة العربية إلى ليبيا السفير صلاح الدين الجمالي إلى كثرة التدخلات الخارجية في الملف الليبي، بدافع الطمع في ثرواتها وموقعها الاستراتيجي، إلا أن الزعماء العرب لم يتوصلوا في قمتهم إلى بلورة خطة تُكرس حلا عربيا للصراع، بما يحدُ من التدخلات الخارجية
رشيد خشانة