لا يمكن لمجتمع تتواصل فيه القطيعة بين السياسي والثقافي أن يُحدث تقدّما ملحوظا فيهدم الجهل ليؤسس للعلم أو يهدم الفوضى ليؤسس للنظام.
ما بالك بمجتمعات يحرص فيها السياسي ليل نهار على إبعاد المثقّف عن أن يمثّل وجها من وجوه الحياة الاجتماعية والثقافية، وعلى اقصاء العالم وإحراجه فلا يجد سوى الالتحاق بالعرض الأكثر إغراء خارج حدود أوطانه العربية. تلك مأساة يُنكب بها المجتمع بالحُكم عليه بالإفلاس الفكري والمادي.
والمؤسف في كلّ ذلك أنّ النخب الحاكمة في السياقات المعاصرة لم تستلهم شيئا من تراثنا الحضاري، دينا وفكرا وسياسة، ولم تبحث عن النقاط المضيئة لتقتدي بها وفيها ما فيها من إكسير حياة الفكر ومفتاح خزائن الحكمة.
فالمدقّق في التراث الفكري الحضاري يرصد ملامح حرص ملحوظ في ترسيم مطالب الدين بالدفاع عن بيانه وحكمته، دون أدنى تعارض مع الحجة العلمية أو البرهان الفلسفي، وهو دليل ساطع على أن الثقافة العربية الإسلامية بشتّى روافدها، كانت حينها نظاما فكريا متكاملا يسعى سعيا دؤوبا إلى التفكير والتماس الحلول بالبحث المسترسل عن الحكم الصائب والعمل الأجدى والأنفع والأصلح ماديا وروحيا تفكيرا وسلوكا في شيء من التسامح، ودون رفض الاجتهاد العقلي، دينا أو علما أو فلسفة أو أدبا.
وقد تأصّـل في عهد المأمون سلوك معرفي من نوع خاصّ، اشترك فيه الحاكم في الحياة الفكرية بالحضور والسؤال والمحاورة والمناظرة، وبدعوة أهـل الفكر والنظر إلى مناقشة الأجوبة، وإلى المباحثة في مسائل العلم والمعرفة بشتى فروعها، ولعلّ ذلك الشغف يعود إلى رغبته الشديدة في العلم، بما كان ينتحله، كما يقول ابن خلدون، فانبعث لهذه العلوم حرصا، وأوفد الرسل إلى ملوك الروم في استخراج علوم اليونانيين ونسخها، بالخط العربي وبعث المترجمين لذلك، فأخذ منها واستوعبها، وعكف عليها النظار من أهل الإسلام وحذقوا في فنونها، وانتهت إلى الغاية أنظارهم فيها، وخالفوا كثيرا من آراء المعلم الأول (أرسطو) واختصوه بالرد والقبول لوقوف الشهرة عنده ودوّنوا في ذلك الدواوين وأربو على من تقدّمهم في هذه العلوم.
لقد أدّى نقل المعارف إلى ظهور تصوّر مبتكر في البيئة الثقافية العربية الإسلامية، ووجهة في الفهم جديدة فكّر من خلالها الناس في كل شيء وبدا الباعث العملي، وهو حاجة العرب إلى علوم الأوائل في تنظيم شؤون حياتهم، من أوكد الأسباب التي دفعت إلى ترجمة بعض كتب الكيمياء زمن خالد بن يزيد، وكتب الطب في عهد عمر بن عبد العزيز، وتميُّز عهدي جعفر المنصور وهارون الرشيد بنقل بعض كتب الطب والفلك والرياضيات، وبسبب ذلك كلّه شعور العرب وهم يحتكّون بالأجناس المختلفة عنهم، خاصة الروم والفرس، بحاجتهم إلى علم الطب لحفظ أنفسهم، وإلى علم التنجيم لمعرفة حركات الكواكب وتأثير أوضاعها في أحوال البشر في كوكب الأرض. فأوّل الأسباب إذن كان احتكاك العرب بغيرهم من الأمم وإدراكهم أنّ لديها علوما ومعارف يحسن الاستفادة منها، واستثمار فوائدها في تسيير شؤونهم، بما في ذلك سياسة دنياهم وحراسة دينهم. وينضاف إلى ذلك ما ورد في النص القرآني من حثّ على طلب العلم والبحث عن الحكمة، والاتّصاف بها بما فطرهم الله عليه من حب الاطلاع والتوفـيق بين مصالح الدين والدنيا.
ولعلّ الفضل في ترجمة كتب الفلسفة، إضافة الى كتب الطب والرياضيات سعة إطلاع المترجمين وموسوعية تكوينهم، فقد كان أغلبهم يحذق الطب والفلسفة معا، ويتجاوز الترجمة إلى التأليف والإنتاج المعرفي.
وهناك حاجة ثقافيّـة مُلحّة، وهي حاجة العرب إلى المنطق اليوناني في الدفاع عن عقيدتهم وإلى ثقافة الفرس في توطيد حكمهم، ولعلّ استعانة المعتزلة بالمنطق الأرسطي على ضبط قوانين مناظراتهم، وتحديد قواعد جدلهم خير دليل على المطلب الثقافي، الذي عزّزه تشجيع الخلفاء العباسيين للعلماء للردّ على الملحدين والزنادقة والدهريين.
هـذا دون أن نُغيّب الاستعداد الحضاري للارتقاء بالمشروع الثقافي العربي الإسلامي وإثرائه ماديّا وفكريا ودفع الثقافة العربية والإسلامية إلى أن تكون من الثقافات العالمية، وإن عبّر عن ذلك تعبيرا صادقا الخليفة المأمون في عنايته بنقل العلوم العقلية إلى اللغة العربية، رغبة في تحقيق الإبداع من داخل اللغة الأم. وفي هذا السياق الحضاري العام لم يكن العرب منغلقين ثقافيّا أو جاهلين بإنتاج الآخرين المعرفي، بل كانوا متفاعلين مع غيرهم، ولعلّ إرثهم الشعري والنثري يشهد في عباراته وتراكيبه على ذلك الانفتاح والتأثر بالفارسية والبيزنطية والهندية. ما من شأنه أن يُسهم في إبراز قيمة التلاقح الفكري بين روافد الثقافة العربية الإسلامية الذاتية والموضوعية، أو الداخلية والخارجية، وأن يوقفنا على مشاغل أهل العلم والنظر، لأن إنتاج المعرفة يظل مسلكا لاستمرار التواصل بين مراكز العلم المختلفة وعامل ترابط ثقافي بين أهل الفكر والنظر بصرف النظر عن المكان والزمان.
وإنّ هذا الفهم الغالب على الأذهان أدّى إلى إنتاج بيئة ثقافية عربية إسلامية تبحث عن غايات العلم ومقاصدها، وعلى أساس ذلك تميّز بين مستويات العلم وتراتب مصادره ومراجعه طلبا للملاءمة بين مطالب العلم ومطالب أخلاق العلم، وبحثا عن الارتقاء بالمجتمع العربي والاسلامي، وهو جهد نستمدّ منه الكثير في حاضرنا بأن نتشبّع بالقيم الناتجة عن استيعاب مضامينه، مستفيدين كذلك من منتجات الحضارة المادية الراهنة دفعا نحو التخلّص من القيم الثقافية السلبية وعملا على بناء منظومة القيم الثقافية والعلمية الايجابية، وترسيخ وعي ثقافي متقدّم ومتطوّر يخدم حركة التاريخ، ويضيف إلى المشترك الانساني العام.
كاتب تونسي
لطفي العبيدي