ذكرى مرور نصف قرن على الهزيمة القومية الكبرى، في حرب الأيّام الستّة، هي أيضاً مناسبة لمحاولة استيعاب كم أنّ الجدل حول هذه الهزيمة منذ الفترة التي أعقبتها مباشرة إلى اليوم، ظلّ محصوراً، في نطاقه العربيّ، بين إتجاهات ثلاثة، أحدهما يردّ الهزيمة إلى أسباب حضاريّة – أحياناً ميتافيزيقية، وأحياناً ميثولوجية – إلى «مشكلة ما» في الذات، وإلى اختلال في الإرادة، بين نوبة زائدة ونوبة ناقصة، والثاني إلى أسباب «تقنية»، إلى «مشكلة ما» في المقود أو في العجلة أو في الرادارات، والثالث إلى أسباب «خارجية» محض، بحيث تصير الهزيمة إملاء من مؤامرة كونية، فرضها وقوف أمريكا والغرب إلى جانب اسرائيل، وانعدام جدية الإتحاد السوفياتي في وقوفه إلى جانب العرب. لا يعني ذلك أنّ الجدل العربيّ حول «النكسة» ومسبباتها وتداعياتها وسبل «إزالة آثار العدوان» كان عقيماً. بالعكس، ثمّة فكر سياسيّ عربيّ حقيقي تطوّر بعد النكسة، لمحاولة استيعاب ما حصل، برز فيه تحديداً، وبمحاولتين مختلفتين ـ لكن أيضاً متقاطعتين، السوريّان ياسين الحافظ وصادق جلال العظم، وثمّة كمّ من المذكّرات التي قدّمت من خلالها شخصيات عربية كانت في مواقع عسكرية وسياسية حساسة شهادتها عن الموضوع، لا سيّما في مصر. بقي أنّ الشغل التأريخي على هزيمة 67 بقي محدوداً في البلدان العربية، نسبة إلى نظيره في اسرائيل. وفي المقام الأوّل، هناك تفاوت كبير في إمكانيات ومجالات الإطلاع على الأرشيف العسكري والمخابراتي، بين المؤرخين العرب والإسرائيليين. أمّا في المقام الثاني، فالشغل التأريخي الإسرائيليّ على هزيمة 67، يظلّ مرتبطاً، رغم إطاره الإكاديميّ، بنقاش متواصل منذ أكثر من نصف قرن، داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، نقاش حول ما اذا كانت الحرب تبرّر نفسها بنفسها، أو إذا كان هناك فعلاً خطر يتهدّد إسرائيل نهاية الستينيات، وإذا كان هناك فعلاً خطر عسكري يتهدّدها اليوم.
يأتي كتاب المؤرخ الإسرائيلي غي لارون عن «حرب الأيام الستة. تحطّم الشرق الأوسط» (يال، 2017) كإمتداد لهذا النقاش الإسرائيليّ المزمن، الذي يمتد من المؤسسة العسكرية إلى الأكاديميا إلى الرأي العام. ولارون يوضح في مقدّمة كتابه أنّ الدافع إليه كان عدم اقتناعه بمضامين كتاب آخر حول حرب 1967، لإيزابيلا جينور وجدعون راميز بعنوان «الفوكسبات فوق ديمونا». الفوكسبات هو الإسم الكوديّ في لغة حلف شمالي الأطلسي عن طائرة الميغ 25 السوفياتية. وما يقوله كتاب جينور وراميز أنّ الإتحاد السوفياتي هو المسؤول الأوّل عن تصاعد التوتر نهاية الستينيات في الشرق الأوسط، وأنّ هدفه كان ضرب المشروع النووي الإسرائيلي، وبالذات مفاعل ديمونا.
بالضدّ من ذلك تأتي مقاربة لارون. القيادة السوفياتية لم تكن متحدة حول سياسة منهجية ثابتة حيال الصراع العربي الإسرائيلي في تلك الفترة، وعاشت فترة حرب الأيّام الستة كأيّام تصادم داخلها بين خط بريجنيف بليد، وبين خط نشيط تدخّلي، وبعد الهزيمة العربية سيظهر الإختلاف بوضوح بين خط نصير للعرب مثلته يوغوسلافيا والمانيا الشرقية (التي خشيت أن يكون لألمانيا الغربية نفس القدرات على الحرب الإلكترونية التي تبين أن الجيش الاسرائيلي يتقنها خلال الحرب)، في مقابل خط تمثله ضمن حلف وارسو تشيكوسلوفاكيا وبولندا والمجر، لا يميل للإنخراط أكثر في دعم مصر والعرب، ويصل إلى ذروته مع نيكولا تشاوشيسكو، الذي رفض مجاراة باقي أعضاء الحلف في قطع العلاقات مع إسرائيل.
أمّا الإدارة الأمريكية، فإن النقلة من رئاسة ج.اف. كينيدي إلى رئاسة ليندون جونسون مثّلت تبديلاً واسعاً لسياسة الولايات المتحدة الخارجية. كينيدي كان مقتنعاً بضرورة دفن الإمبراطورية الإستعمارية لبريطانيا، وجونسون أراد التعكيز عليها، ودعم نقطتي ارتكازها في المحيط الهندي، في عدن وسنغافورة. كينيدي بقي تصالحياً مع جمال عبد الناصر، وسلبياً تجاه شاه ايران، وفوقياً تجاه ملك الأردن، وجونسون اعتبر أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، تمرّ من خلال توثيق التحالف مع ايران واسرائيل، على حساب مصر، وإذا كان أبدى تغيراً ايجابياً بإتجاه الأردن، فإنّ تعيين الملك حسين الفريق المصري عبد المنعم رياض قائداً عاماً للجبهة الأردنية، حمل إدارته على مساواة الأردن بمصر، وفي وقت ظلت تعمل فيه وزارة الخارجية من أجل تفادي اندلاع الحرب، كان البنتاغون أكثر من معوّل عليها.
يقرأ لارون حرب 67 بإسترجاع عقد الستينيات كلّه. صعود العسكر على حساب المدنيين كان قاسماً مشتركاً بين اسرائيل وبلدان الطوق العربي في ذلك الوقت، إنما في اتجاهين مختلفين للغاية.
فالصراع بين الحكومة وقيادة الأركان في اسرائيل وصل إلى أشدّه عام 1966، يوم رفع رئيس الوزراء ليفي أشكول الحكم العسكري عن العرب داخل الدولة الصهيونية، لكنّ الجيش لم يعتبر نفسه معنياً لا بالإطاحة بنظام الحكم ولا بالتحول إلى شرطة داخلية للحفاظ على نظام الحكم هذا. تحالفه مع الإتحاد النقابي للهستدروت، كان يقوده بالضرورة في إتجاه عدواني، إتجاه سيجد إشباعه بعد احتلال الضفة الغربية والقطاع من خلال تصدير منتجات عمال الهستدروت إلى الأراضي المحتلة. الإتصالات السرية التي كان يرعاها أشكول مع البلدان العربية لم تكن تروق لقيادة الأركان، لكنها تمكنت أن تدفع بإتجاه الحرب، بقيادة وزير الدفاع موشي دايان الذي حافظ على بزته العسكرية خلال النزاع، من دون أن تكون مضطرة لقمع «الجناح المدني» من الحكومة.
والأهم، ينبهنا لارون إلى أن الجيش الإسرائيلي منذ عام 1956، لم يكن عنده من وظيفة أخرى، غير وظيفة التحضير لحرب جديدة، وأنّه بنى على هذا الأساس كافة أنشطته وتحضيراته ومخططاته وراكم كمية ضخمة من المعلومات حول الجيوش العربية، وأنّ ذلك ارتبط، تحديداً، في ما يتعلّق الأمر بشبه جزيرة سيناء، بعدم تكرار ما اعتبره العسكريون طيلة الستينيات خطأ اسرائيل يومها، اذ سمحت للجيش المصري بالإنسحاب من سيناء بإتجاه قناة السويس، في حين كان المطلوب في حرب 67 التركيز كي لا يكون هناك مجال لإنسحاب منهجي مدروس، وإنّما لحرب إبادة للجيش المصري، المنسحب بطريقة عشوائية وانهزامية.
هذا بخلاف الوضع في مصر. لم يقتنع عبد الناصر طيلة الستينيات بأنّه من المناسب التحضير لحرب جديدة مع اسرائيل، وظلّ يعتبر المزايدة البعثية السورية دفعاً له بإتجاه الخراب، لكنه منذ الأزمة الإقتصادية في منتصف الستينيات، وتداعيات حرب اليمن، كان متوجساً أكثر فأكثر من الجيش، ومن بونابرتية المشير عبد الفتاح عامر، الذي تبنى نظرة هجومية حيال إسرائيل، في حين كان يدرك عامر وقادة جيشه أنّهم غير قادرين على مثل هذه المواجهة، ولا هم بصدد تأمين شروطها، فقائد سلاح الجو المصري الذي بقي يحظى بحماية عامر، الجنرال صدقي محمود، كان مدركاً قبل الحرب بسنوات بأنّ أنظمة الرادار المصرية غير قادرة على الكشف عن الطائرات المعادية المحلقة على علو منخفض (500 متر وما تحت)، ولم يفعل سوى مطالبة السوفيات بتأمين رادارات بديلة. أيضاً كثرة التطهيرات داخل الجيشين المصري والسوري، كان يترتب عليها انعدام كفاءة في حسن استخدام ما كان يصلهم من الروس من أسلحة. أما العقيدة السوفياتية العسكرية التي درسوها فكانت معنية بالتحصينات الدفاعية أكثر من الحرب الهجومية.
وإذا كان جمال عبد الناصر متوجساً من بونابرتية عامر منذ منتصف الستينيات، ومتوقعاً العدوان الإسرائيلي في التوقيت الدقيق الذي حصل فيه – بحسب ما يظهره لارون من معطيات، فإنّه جارى عامر في نهاية الأمر بهذا التركيز للقوات المصرية في كل من قطاع غزة وجنوب جزيرة سيناء، بدلاً من محاولة تهديد اقتحامية جدية لميناء ايلات الإسرائيلي. يبقى أن غي لارون يتبنى السردية الناصرية التي اعتبرت عامر هو المسؤول الأول عن الهزيمة في سيناء، ويعتبر أنّه لو أصرّ عامر على القتال، رغم دمار سلاح الجو المصري، لأمكن للمصريين الإحتفاظ بجزء من شبه جزيرة سيناء، ومن إعاقة سرعة التقدم الإسرائيلي، ولترتب على ذلك نتائج مختلفة تماماً في الضفة والجولان أيضاً.
وفي مقابل انهيار الجيش المصري، يظهر لارون كيف أن الجيش السوري الذي دخل الحرب فعلياً بعد هزيمة كل من مصر والأردن، هو جيش دفع إلى الجولان بالقطاعات الأقل ولاء للنظام البعثي، وإلى حد بعيد دفع الضباط العلويون بالدروز إلى الصفوف الأمامية، في حين نجح الجيش السوري في تقليل خسائره العسكرية رغم خسارته الجولان، لأنّ المدفعية وسلاح الجو فيه كان يتحضران للمعركة الداخلية التي ستلي «النكسة». وأساساً، يبدأ كتاب لارون بفصول تظهر كم أنّ سوريا البعثية في الستينيات، كانت في حالة صدامية بين النظام الحزبي – العسكري البعثيّ، وبين المدن السنية، وكم لعبت هذه الحالة الصدامية من دور لدفع هذا النظام للمزايدة القومية على عبد الناصر، وفي نفس الوضع، لإعتبار حماية النظام هي الأولوية الأولى للجيش، بحيث تلخصت الحرب، من طرف القيادة البعثية، بما اذا كان سينجح العدو من الوصول إلى دمشق، أو لن ينجح.
واذا كان موشيه دايان متردداً في الأصل على خوض الحرب مع سوريا، ولم يفعل ذلك إلا نتيجة لضغط مجتمع «الكيبوتزيم» الشمالي عليه، فإنّ كان الراعي الأكبر لحرب ابادة الجيش المصري في سيناء، ولاحتلال القدس والضفة الغربية، وضغط لعدم الاكتراث بنداء الملك حسين وقف النار عشية احتلال الاسرائيليين للقدس. يعتبر لارون أن الأردنيين قاتلوا ببسالة في معركة القدس، التي لم يكن من الممكن أن يحسمها سلاح الجو الإسرائيلي، لكنه يحمّل الفريق رياض مسؤولية كبرى في خسارة الضفة، كونه ركّز القطاعات العسكرية جنوبها، اعتقاداً منه بأنه سيتوجب عليه ملاقاة الجيش المصري وهو يجتاح النقب. وسواء حيال مصر، أو سوريا، أو الأردن، يكرّر لارون في غير موضع، أنّه كان بإمكان هذه الجيوش العربية أنّ تقلّل آثار الهزيمة، ورقعة التوسّع الإسرائيلي في هذه المدّة القياسية، لو أنّها لم تنسحب بسرعة من القتال، ولم تصب بالهلع المبكر. لم يكن سلاح الجو ليقرّر كل شيء، حتى في حرب 67، خصوصاً أن فعاليته يومها بقيت محدودة في الليل. ربّما كانت هذه أهم خلاصة يمكن أن يخرج بها المرء من هذا الكتاب.
٭ كاتب لبناني
وسام سعادة