فجعلناهم أحاديث

أحاديث الناس فيما بينهم هي موضوع لسانيّ تداوليّ أكثر فيه الدّارسون القول ولعلّ أهمّ ما قيل فيه ما ورد على لسان الفيلسوف البريطاني غرايس من حديث عن مبدأ التّعاون، ومختصره أنّ البشر حين يتبادلون فيما بينهم الأحاديث يتعاونون حتى يتفاهموا ويؤثروا بالكلام بعضهم في بعض.
وفي هذا السياق طرح غرايس فكرة مركزية هي القصديّة التواصليّة من أهمّ ما فيها أنّنا لا نتفاهم بفهم المعنى الحرفي الذي يقال بل فهم المعنى القصديّ الذي ننوي تبليغه أو بعبارة أكثر دقة نحن نفهم المعنى الذي يُراد من المتلقّي أن يعرف أنّه المقصود. فحين أقول لابني: (السّماء مغيّمة) فإنّي أقصد: خذ المطريّة عند خروجك. فقولي يقتضي ضمنا أنّ لديّ قصدا من كلامي ليس هو محتوى العبارات بل ما يستنتجه هو منها وهو سيتعاون معي كي يفهم ما أقصده بقولي؛ وأن يأخذ المطريّة أو لا يأخذها فلا قيمة له في هذا السياق إذ هو شيء خارج إطار التفاهم بالكلام لا يعني التداوليّين.
وفكرة القصد التواصلي والتعاون عليه طوّرها سبربر وولسن Sperber & Wilson من خلال مفهوم المناسبة وتعني أنّ المعلومة ينبغي أن تكون مفيدة أو مناسبة بالنسبة إلى المستمع حتى يحدث تواصل. ولهذا المستمع من الوسائل الإدراكية ما به يكشف المعلومة المناسبة في الرسالة بقطع النظر عن الطريقة التي قيلت بها. فاللغة ليست نظام تشفير أو فكٍّ للشيفرات فقط بل تضمّ نظاما ثانيا يرتكز على الاستنتاج. ونظرية المناسبة لا تراعي فقط الظواهر اللغوية التواصليّة بل هي تهتمّ بالطريقة التي يعمل بها الذهن البشريّ في وضعية تواصل معيّنة اعتمادا على المعتقدات والذكريات ومكونات المحيط وغيرها.
أسوق هذه الأفكار تمهيدا للنظر في نوع من «الأحاديث» كثيرا ما ذُكر في القرآن هو الأحاديث التي تروى عن الأقوام الغابرين ويقصد بها الاعتبار، أحاديث كالتي ذكرها الله تعالى في الآية (19) من سورة سبأ في قوله عزّ وجلّ: (وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ). وما ذهب إليه جميع المفسّرين وهم يذكرون عرضا لفظ «أحاديث» أنّ المقصود بها هو أنْ «يُتحدّث بأخبارهم» (القرطبي) أو «أنّهم هَلكوا وتحدّث الناس بهم . وهذا نظير قولهم: دخلوا في خبر كان» (ابن عاشور). فمعلوم إذن أنّ المعنى القصديّ لـ»جعلناهم أحاديث» هو «جعلناهم عبرة».
وما من شكّ في أنّ هناك مناسبة بين الأحاديث والعبر ولكنّها ليست هي المناسبة المقصودة في كلامنا لأنّ ما يطلبه التداوليّون من المناسبة ليست تلك التي بين اللفظ المذكور واللفظ المقصود على ما يفهمه أهل المجاز مثلا، بل بين المتحدّثين أنفسهم وما يتفاهمون عليه عند بنائهم الإدراكي لوضعيّة تواصليّة وهي التي تجعلهم يفهمون ما يقصده كلّ واحد منهم حين يتحدّث .
لتناول المسألة من جهة القصد التواصلي الذي اعتمده غرايس والذي وظفه من بعده التّداوليّون وهم يدرسون العلاقة بين العلامات اللغوية (الأحاديث) ومن يستعملها (أي المتحدّثون). والمتحدثون مختلفون فعلى سبيل المثال، فإنّ الحديث عن أهل سبأ بعد «تمزيق شملهم» يمكن أن يدور بين مؤرّخين أو قصّاصين أو متديّنين إسلاميّين أو مسيحيّين فلا يوجد حديث تحتكره جماعة لذلك أجدر بمثل هذه الأحاديث أن تكون في صيغة الجمع. فكلما تحدّث الناس عن السابقين وعن قصصهم اتسعت جميع الدوائر بما في ذلك دائرة المتحدّثين وتنوّع متن الحديث نفسه واختلفت بالتالي المقاصد التواصليّة وستتحدّد تلك المقاصد في لحظة سرد الحديث لأنّ المعنى القصدي مباشر ينبثق لحظة التواصل بالكلام ولا يوجد معنى قصديّ يمكن التنبؤ به سلفا أو يكون ثابتا محنّطا يتجدّد الكلام قيتجدّد معناه القصديّ.
يوجد فرق بين التعاون على التفاهم وهو أن نتشارك في توجيه الرسالة إلى المعنى القصدي الذي يريده المتحدث ويفهمه عنه المستمع وبين لازم ذلك التفاهم أو ما يقتضيه فأنْ أحدثك عن سبأ ويكون قصدي الاعتبار على ما جاء في الآية الكريمة شيء وأن تعتـــبر فعلا أو لا تعتبر، شيء آخر مجاوز لحديثنا هو من لوازمه وليس من جواهره فهو كحمل ولدي المطريّة أو عدم حملها لا يعني التفاهم بيني وبينه في الكلام أي شيء.
في الأحاديث تطرح مسألة ما يسمّى بالسياق العرفاني المشترك وهو جملة الفرضيات التي يتقاسمها المتحدثون في لحظة حديث معينة وتبنى على أسس محيط عرفاني مشترك. وهذا يفترض أنّ المتحدثين عن أخبار السابقين كأهل سبأ لا بدّ أن يتشاركوا في معطيات كثيرة ثقافية وطُرُق في بناء الكون ليتمّ التفاهم فحتى أتحدّث عن أنّ الله أخذ أهل سبأ بالمعصية وجعلهم عبرة وحتى يفهم من أحدثه بهذا الحديث أنّ عليه أن يعتبر،عليه قبل ذلك أن يشاركني جملة من الأمور العقدية ليحدث التسليم وعندئذ يكون الحديث وما يستتبعه من فهم لا يؤسّس إيمانا جديدا مثلا بل يقويّ ذلك الإيمان الموجود بعناصر متنوعة.
إذا عدنا إلى سياق الآية المذكورة ونحن نحلّلها لسانيّا، فإنّ أكثر كلام اللساني سيكون في طبيعة التأثير بالأقوال أو في مبدأيْ التعاون والقصديّة التواصلية أو في مبدأ المناسبة ولكنه لن يمسّ مسائل عقديّة لأنّ مهمة اللساني لا تدخل إلا في عمل الأحاديث وتداوليا في كيفية عمل المتحدثين بأحاديثهم فيما بينهم عن أنفسهم أو عن الغابرين. وبديهي أن تكون اهتمامات عالم اللاهوت (الثيولوجيّ) غير هذه. وما قد نجده أحيانا من تفسير في كتب المفسرين على اختلاف مشاربهم قد يتجاوز وظيفة المفسّر الذي يعين على شرح ما استغلق فهمه من عبارات أو يبني المقامات أو الظروف التي قيلت فيها الأقوال أو يذكر أسباب النزول والمفسّر ليس عنصرا في فكرة التعاون التي ذكرنا بل هو وسيط لا غير وقد ينقلب بعض عمل المفسّرين إلى ما يجاوز القصد التواصليّ فيصبح عمله أقرب عمل اللاهوتي.
وفي مقطع الآية المذكورة «فجعلناهم أحاديث»، فإنّ عين اللساني تكون مفتوحة كثيرا على (أحاديث) وعين اللاهوتي مفتوحة كثيرا على (جعلناهم) وهنالك فرق بين جعل الناس أحاديث على ألسنة الناس (وهذا الجعل ربّاني يخلق الحدث ويبدع الناس الحديث عنها) ،وبين الأحاديث نفسها.
ففي الرؤية الأولى -لا في الثانية- يُفهم كلام ابن عاشور حين يقول: «وفعل الجعل يقتضي تغييرا ولَمّا علق بذواتهم انقلبت من ذوات مشاهدة إلى كونها أخباراً مسموعة». فالأحاديث في هذه الرؤية بديل عن كيانات تاريخية صارت أخبارا بعد أن كانت أعيانا وتذكر الأخبار بهدف الاعتبار بالمخيف. غير أنّ الأحاديث هي من وجهة نظر لسانيّة كون في ذاته فحديث الناس عن الناس بعد زوالهم عنوان وجود واستمرار وليس عنوان عقاب.
غير أنّ السؤال: كيف سيكون مصيري؟ هو سؤال ثيولوجي بالأساس حتى لو كان الجواب عنه أنك ستصير خبرا بعد عين أو أنّ المرء حديثُ بعده أو غيرها من الأقوال التي تنخرط في هذا السياق من جعل أحاديثنا بدائل وجودية من وجودنا الفعلي. وفي اللسانيّات، فإنّ الغياب والحضور شيئان مقاميّان بقطع النظر عن أن يكون الغياب أبديّا أو آنيّا.

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

فجعلناهم أحاديث

توفيق قريرة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية